- ٢ - ١ - مورد ماء نقي للشرب والاستعمال المنزلي
هذا هو أول إصلاح صحي يجب تنفيذه وهو أبعد الإصلاحات الصحية أثرا في حياة الفلاح وقد ظلت مصر طول العشرين سنة الماضية تدرس طريقة توفير الماء الصالح للشرب في القري ، وانصرف المسئولون إلى طريقتين : إحداهما تحييد مشروعات التنقية الكبرى التي تشمل محطة رئيسية كبيرة وشبكة من المواسير تربط جميع القري في مديرية أو أكثر ، وقد نفذ ذلك فعلا في جزء كبير من مديرية الفيوم ، وبديء به إلي حد ما في بساط كريم وقوة . والطريقة الآخرى منشآت صغيرة في كل قرية علي حدة ، أساسها مضخات تجلب الماء من باطن الأرض
بدون حاجة إلي ترشيح ، ويكون التوزيع محدودا في القرية الواحدة . والنظام الأخير يمكن تطبيقه في ثلاثة أرباع القري المصرية حيث المياه الجوفية صالحة للشرب وخالية من جراثيم الأمراض ، وهذه الطريقة الأخيرة قليلة التكاليف ، فقد وجد أن تكاليف مشروع مد مديرية الفيوم بالمياه تساوي جميع العمليات الصغيرة التي تمد ثلاثة آلاف قرية مصرية بالماء الصالح للشرب من المياه الجوفية .
وقد قيل - وربما كان هذا غير صحيح - بأن أكثرية المحبذين للطريقة الاولى هم من المهندسين الذين تستهويهم المشروعات الضخمة الكبيرة ولا يأبهون كثيرا بالعمليات الصغيرة المحدودة مهما تعددت مزاياها . وقد برروا موقفهم بأن المصريين لا يقبلون على شرب الماء الجوفي لأنهم يعتقدون أنه يؤثر تأثيرا سيئا على
القوي التناسلية ، وهذا غير صحيح ، فقد رد على ذلك المغفور له الدكتور عبد الواحد الوكيل بك وزير الصحة الأسبق في إحدي جلسات اللجنة الصحية بمجلس الشيوخ ، بأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عاش وتوفي ولم يشرب سوي مياه الآبار ، ولم يقل أحد إن به ضعفا في القوة التناسلية ، بل إن سكان مصر الجديدة يشربون مياها جوفية هي أكثر المياه الجوفية في مصر أملاحا ، ولم يتبين من إحصاء المواليد في هذه الضاحية أنها تختلف عن أي منطقة أخرى تشبهها في طبقة السكان تسقي المياه المرشحة من النيل أو الترع ، وإنه لو كان هناك أقل احتمال في تأثير المياه الجوفية على القوي التناسلية لهجرت مصر الجديدة من زمن بعيد .
وقد ظل هذا الموضوع يدرس طوال عامين في لجنة الشئون الصحية بمجلس الشيوخ ، وتقدمت عنه عشرات من الرسائل الفنية تقع في أكثر من ألف صفحة ، وانتهت اللجنة إلى أنه من الخير لمصر أن تنشئ هذه العمليات الصغيرة التى تستمد ماءها من باطن الأرض كلما أمكن ذلك ، وهو ما سبق أن أشرنا إلي أنه ممكن في ثلاثة أرباع القري المصرية وهي مصر جميعها ما عدا مديرية الفيوم وشمال الدلتا ومنطقة القنال وبعض مناطق قليلة أخري حيث المياه الجوفية صالحة .
وقد ضيع على مصر هذا الجدل فوائد بعيدة الأثر في ترقية صحة الفلاحين . وقد آن الأوان وقد انتهت الحرب وتيسر الحصول على الأدوات أن تقوم مصر بهذا الإصلاح الحيوي في أقرب وقت .
٢ - مرافق صحية لكل عائلة
على في الأهمية لموضوع المياه الصالحة للشرب موضوع نظافة القرية وازالة الفضلات من منازلها وإنشاء مرحاض صحي في كل منزل ، وهذا أيضا إصلاح أهم بكثير من إعادة تشييد مباني القرية .
والمرحاض الصحي الذي يصلح لسكان القري المصرية لم يستقر الرأي بعد على نوعه بصفة نهائية ، ولكن الأفضل إلي الآن هو مرحاض البئر الاسطواني وهو مرحاض اقتبس من جزيرة جاوه وطبقته مبرة رو كفلر في عدد من القري المصرية ، وهو يتكلف حوالى ٨٠ قرشا ، وإذا أدخلت عليه بعض التحسينات يتكلف ١٢٠ قرشا ، وهذه التكاليف حسب أسعار ما قبل الحرب ، ولا شك أن كل منزل مصري في حاجة لمثل هذا المرحاض ولو دعا الحال لاستبداله بنوع أفضل فيما بعد .
أما إزالة القمامة من شوارع القرية ومن حول منازلها فهذا يدعو لإنشاء الإدارة القروية المحلية التي تعين كناسين وتعد مكانا حول القرية للتخلص من القمامة سواء بحرقها أو بتحويلها إلى سماد أو بردم بعض البرك مع أتخاذ الاحتياطات الصحية اللازمة .
٣ - مقاومة الأمراض المتوطنة
تكاد تكون الأمراض المتوطنة أكبر عائق في نمو الجسم والعقل في سائر أفرد الطبقات الفقيرة التي تسكن القري المصرية ، ويعتقد الكثيرون أنها أكبر عقبة لنهضة مصر ، وقد تردد ذلك في مجلس النواب البريطاني في صدد ادعائهم عدم كفاية الجيش المصري الدفاع عن مصر نظرا لتفشي هذه الأمراض .
ويرجع انتشار هذه الأمراض إلي مشروعات الري المصرية الحديثة التي بدأت بإنشاء خزان أسوان سنة ١٩٠٣ وما تبع ذلك من إقامة السدود على مجري النيل وإنشاء الترع الصيفية وتحويل جزء كبير من الأرض من ري الحياض إلي الري المستديم ، خصوصا إدخال نظام الري بالراحة ، والمسئول عن كل ذلك هم المهندسون البريطانيون الذين لم يدركوا علاقة هذه المشروعات بانتشار
البلهارسيا والإنكلستوما والملاريا وغيرها من الأمراض الطفيلية .
وقد تقدم العلم في السنوات الأخيرة تقدما كبيرا مما أدي إلي إمكان التمتع بفوائد الري المستديم مع مقاومة انتشار هذه الأمراض ، وقد أمكن أيضا في الربع قرن الأخير الوصول إلى طرق حاسمة في العلاج وصار في الإمكان التغلب على هذه الأمراض ولو أن ذلك لم يبدأ جديا في مصر بعد ، بل وضعت الأسس الصحيحة اللازمة لذلك العمل ولا ينقصنا سوي إمداد الرجال والاعتمادات للقيام به . والبلهارسيا وهي أهم هذه الأمراض من الممكن استئصالها إذا امتنع المصريون قاطبة من تلويث مجاري المياه بالبول والبراز ، وهذا أمر يمكن تحقيقه إذا اقتنع المصريون جميعا بفائدته ، ولا سبيل إلي إقناع الفلاح إلا إذا تفاهم معه في ذلك رجال هم موضع ثقته من الناحية الدينية ومن الناحية الاجتماعية .
وهناك كثير من الجمعيات التي تنشد الإصلاح الاجتماعي وتحسين حالة الفلاح ، ولو وجهت اهتمامها إلي هذا الموضوع لأفادت مصر فائدة عظمي بدون أي نفقات تذكر ، ولعل بعضها يعمل على ذلك قريبا
٤ - ضمان الكفاف من الغذاء
لكل عائلة بنظام التأمين والإعانة إن العناية بالآلة الجسمانية للإنسان وتزويدها بما يلزمها من وقود ( أي غذاء ) والتخلص من فضلاتها والمحافظة عليها من المؤثرات الخارجية وتوفير ما يلزم لها من ملبس ومسكن ضروري لسلامتها وتمتعها بالصحة . والنفقات اللازمة لذلك ( وهو ما نعتبره الكفاف ) يجب أن تضمنها الدولة بواسطة إدارتها الصحية ، وهي متروكة الآن في مصر للمصادفات وعناية الأقدار ، وإلى شعور المحسنين . وحرام أن تترك حياة الأفراد لرحمة الظروف
والمصادفات . وظاهر من الحالة في مصر أن هذا الحد الأدنى لا تحصل عليه نسبة لا يستهان بها من السكان لقلة أجور الأيدي العاملة وكثرة أفراد العائلات التى يعولها القادرون على الكسب وعدم توفر العمل في سائر أيام السنة وعدم وجود مدخرات مالية لمفاجآت المرض أو الحوادث
وقد تركت مسألة الأجور خاضعة لنظام العرض والطلب ، وهو نظام يؤدي في الأماكن المكتظة إلى قلة أجور العمال عن الحد الأدنى اللازم لتدبير ضروريات المعيشة
وقد قاوم الرأسماليون كثيرا تحت ستار ترك السوق حرة تدخل الهيئات التشريعية في تقرير حد أدني للأجور وتأمين الطبقات العاملة ضد المرض وضد البطالة على حساب الخزانة العامة . ولكن في العصر الأخير تغلبت النظرية الإنسانية ورجحت كفة الإنصاف للطبقات العاملة علي الرأسمالية ، وقد تبين أن في السوق الحرة لا رحمة للضعيف ، وقد عدد الأجر لأول مرة منذ عهد قريب في مصر ، إذ قرر مجلس الوزراء أن لا يقل أجر العامل في خدمة الحكومة عن خمسة قروش في اليوم ، ونصح الهيئات الأخرى باتباع ذلك , وهذا عمل يعود بالفائدة الكبرى على الرأسماليين أنفسهم بمنع الإنقلابات الإجتماعية العنيفة التي تنتج حتما عن سوء حالة الطبقات العاملة .
وإننا لنطلب المستحيل من المعوزين والفقراء عندما نطالبهم بالمحافظة على صحتهم والنظافة والتغذية الضرورية والسكن في أماكن ملائمة ، فليس في مقدورهم مطلقا التغلب على العوامل السيئة المحيطة بهم .
وقد ثبت ان النحافة تؤدي إلي المرض بطريق مباشر أو غير مباشر في ٣٠ % من الحالات ، كما دلت الاحصاءات في كثير من البلاد على أن المرض من أهم اسباب النحافة ، فقد بلغت ٦٠ % في بعضها ، عدا أثر المرض في تسبيب النحافة لأفراد العائلة التى مرض كاسيها ، والفقر يدعو إلي استغلال الأطفال في العمل في سن مبكرة فينشأون ضعافا وتتفاقم حالتهم.
وقد كان أول عمل صحي في تاريخ المدنيات هو العناية بالفقراء ورعايتهم منذ أقدم العصور . ولا زلنا نرى فى بلادنا هذه أثر التكايا والملاجئ والأسبلة والأوقاف الخيرية ، وذلك قبل أن تعرف مصر أى نوع من الإدارة الصحية .
إن للرجل القادر على العمل حقا فى الحصول علي كفاف من العيش له ولعائلته ما دام على استعداد تام لأن يشتغل ، فإذا لم يجد عملا وجب على الدولة أن تعوله هو وعائلته ، ولكن يجب أن لا تشجعه على البطالة بأن تعطيه أقل قليلا من أجره اليومى إذا تعطل عن العمل .
وقد حلت هذه المشكلات فى البلاد الأخرى بطرق شئ من السهل اقتباسها بعد جملها ملائمة للبيئة المصرية . فمن هذه الحلول ؛
1- التأمين ضد البطالة . ٢ - إعانة وإيواء غير القادرين على العمل من الرجال وإعانة وإيواء النساء والأطفال الذين لا عائل لهم . ٣ - التأمين العلاجي لكل شخص يقل دخله عن رقم محدد . 4- معاشات للشيخوخة يتناولها كل رجل وإمرأة جاوز الستين من العمر إذا لم يكن له إيراد كاف . 5- نشر الصناعات المنزلية في البيئات الزراعية التي لا يتوفر فيها العمل على مدار السنة .
ومما هو جدير بالذكر أن وزارة الشئون الاجتماعية قد بدأت بداية طيبة في معالجة هذه المشكلة الصحية من أساسها في القرية المصرية مستعينة على ذلك بالتعاون والتبرع والمساعدة الحكومية ، وتبشر هذه الأعمال بنتيجة مرضية .
التأمين ضد البطالة هذا النوع من التأمين يطبق في الأوساط الصناعية بواسطة مكاتب ( بورصة العمل ) حيث يتقدم لها يوميا
كل عامل لم يجد عملا ، وكذلك يبلغها أصحاب الأعمال عن حاجتهم من العمال ، فيتم التوزيع ، ومن يشقى من العاطلين تقرر لهم إعانة البطالة من اعتماد يخصص لذلك بجمع من أجر كل عامل مشتغل ومن كل صاحب عمل ومن الحكومة بنسب مقررة .
وصعوبة تطبيق هذا النظام على عمال الزراعة يرجع إلى أن العمل الزراعي ليس مستمرا علي وتيرة واحدة في جميع أيام السنة ، وكثير من المزارعين لا يستخدمون عمالا ، بل يتعاون أفراد العائلة الواحدة في العمل ، ويزامل بعض الزراع جيرانهم فيكون عاملا عند جاره في مقابل أن يعمل جاره عنده يوما .
ولكن هذه الصعوبات لم يمكن التغلب عليها ، فمواعيد الزراعة والحصاد لا تقع كلها في وقت واحد في سائر أنحاء المملكة نظرا لاختلاف حالة الجو ، ولذلك يرحل العمال من منطقة إلى أخري للعمل في فصول معينة ، ويمكن استخدام العمال الزراعيين في موسم البطالة الزراعية في صناعات زراعية أو صناعات منزلية لو أحسن تنظيمها زادت في دخل العمال ، وهذا ما بدأت تعمله وزارة الشئون الاجتماعية في القرى ؛ فتربية دودة القز وتربية الدجاج والنسيج والغزل وعمل الأسبتة والأقفاص والصناعات الزراعية - إذا شجعت
في القرية تكون مصدر عمل رابح في فصول البطالة الزراعية إذا أحسن تنسيقها . وكذلك يجب أن يلاحظ في أجر العامل الزراعي مدة تعطله حتى يكتب ما يكسبه أيام عمله لإعانته في أوقات البطالة . وقد يظهر لأول وهلة أن ذلك سيرهق الملاك ويزيد في تكليف الإنتاج الزراعي ، والحقيقة أن إيراد الأرض الزراعية ليس موزعا توزيعا عادلا بين رأس المال والزراع والعمال ، ففائدة رأس المال في مصر مرتفعة جدا خصوصا الأموال المضمونة بأرض زراعية ، وقد تدخلت الحكومة أخيرا لخفضها من ٩ إلي ٨ % ومع أن مثل هذه الأموال المضمونة بأرض زراعية
في أوربا لا تزيد فائدتها على ٢.٥% إلي ٣ % ، وإيراد الأرض الزراعية من الإيجار يجب أن لا يتجاوز ٥ % لعدم تعرض الملاك لخطر ضياع رؤوس أموالهم كما فى الصناعة أو التجارة . فهناك معركة قائمة في مصر بين اصحاب رؤوس الأموال كالبنوك العقارية والملاك الزراعيين وعمال الزراعة للاستئثار بمعظم الربح الناتج من الأرض ؛ وقد ذهب ضحية هذا التنازع أضعف الثلاثة وهو العامل الزراعي ؛ وهذا يدعو لتدخل الشرع بتخفيض سعر الفائدة إلي ٥ %على الأكثر ، وتحديد الإيجارات بنسبة تتمشي مع الضرائب ورفع أجر العامل وتأمينه ضد البطالة ، وهذا الموضوع متشعب خطير لا يمكن الدخول في تفاصيله في مثل هذا الحديث .
إعانة الفقراء غير القادرين على العمل ومعاش الشيخوخة
حان الوقت لتدخل المشرع في هذا الأمر في مصر, فهناك مقادير وافرة من الأموال نصرف في هذا السبيل ؛ أهمها إيراد الأوقاف الخيرية ، وما يصرف على الملاجئ الحكومية والأهلية والمستشفيات المجانية ومطاعم الشعب والصدقات التى يجمعها جيش من محترفى الشحاذة وما يوضع في صناديق الأولياء وإيراد الحفلات الخيرية وجمعيات الإحسان وما يخرجه عدد كبير من المنفقين زكاة عن أموالهم حسب تعاليم الإسلام ، كل هذه مبالغ طائلة يمكن الاستفادة منها لو أحسن تنظيمها ، فكثير منها يذهب إلي غير من يستحقه ، وتدر الشحاذة في مصر في بعض الاحيان ما لا يضره العمل .
وأول خطوة في هذا السبيل أن يكون مع كل مصرى تذكرة لإثبات الشخصية حتى يمكن التثبت في كل وقت من حالته المدنية ، وهذه التذكرة ذات أهمية في أعمال
الأمن العام والتأمين الملاجئ والمراقبة الصحية ، وهي متبعة في كل البلاد الراقية .
والحقيقة أن قليلا جدا من المصريين يموتون كنتيجة مباشرة لفقرهم ، فهم يتحايلون على العيش بشتى الطرق - بالشحاذة والسرقة والنصب والاعتماد على الأقارب وتهديد الأغنياء .. ويلزم الدين الإسلامي الأقارب بإعالة فقيرهم ، ولكن طريقة تنفيذ ذلك بالالتجاء إلى المحاكم الشرعية تستدعى إجراءات طويلة لا يتحملها الفقير ، وتنظيم كل ذلك لا يستدعى عبثا إضافيا كبيرا ، فتقوم كل قرية أو دائرة صحية محلية بتحمل نفقات إعانة الفقراء وغير القادرين على العمل وكبار السن والقيام بدفن من يموت منهم على حساب الدولة .
٥ - التأمين العلاجى
لكل شخص يقل دخله عن رقم معين سبق أن وفينا هذا الموضوع حقه في المجلة الطبية المصرية عدد شهر مارس سنة ١٩٣٤ ، وهو ينفذ الآن مع بعض التعديل في مشروع المراكز الاجتماعية التي تنشئها وزارة الشئون الاجتماعية ، وستظهر التجربة العملية قيمة إقامة الطبيب في وسط قروى تعداده ١٠.٠٠٠شخص للعناية بهم طيبا وإلى حد ما صحيا ، وأثر ذلك فى تقدم الصحة وتخفيف الضغط على المستشفيات .
٦ - بناء مساكن القرية
ذكرنا في مقدمة هذا الكلام أن المساكن من حيث المباني والطلاء والمنافذ ليست بذات أثر كبير في الصحة ، وهي آخر ما يجب التفكير فى عمله فى إصلاح حال الريفيين في الوقت الحاضر ولو قصرنا الأمر على المشروعات الخمسة الى تناولناها بالبحث مع إنشاء المجالس المحلية للمجموعات القروية لأدي ذلك فعلا إلى قيام السكان بأنفسهم بإصلاح مباني القرية ، ويكون واجب الإدارة المحلية التوجيه فقط
بعمل تخطيط للقرية ، ولا يسمح للسكان بإصلاح المباني القديمة أو بناء جديد إلا حسب الإشتراطات الجديدة مع استصدار تشريع لعدم قسمة المسكن الواحد إلي مساكن منفصلة كما يعمد الورثة في كثير من الأحيان إلى عمله .
هذا الفرروي الذي يشرب الماء النفي ويعيش في وسط صحي من حيث التخلص من الفضلات ومن القمامة ، والذى يتناول ما يكفي حاجته من الغذاء والذي تتكفل به الهيئة الاجتماعية عند بطالته أو شيخوخته ، سوف لا يقنع بمسكنه الحالي وسوف يقوم هو بإنشاء المسكن الجديد أو سينشئه غيره ليستاجره هو حيث يكون هناك حاجة وحيث يكون هو قادرا علي دفع إيجار مكافي لرأس المال .
والخلاصة أن أول إصلاح في ريف مصر يجب أن يكون تعميم المياه النقية الصالحة للشرب ، وهذا وحده سيحدث انقلابا هائلا في تحسين صحة القروي لايعد له أى مشروع أو جملة مشاريع يمكن تصورها .
ويجب أن يصحب ذلك إنشاء مجالس محلية للمجموعات القروية تعنى بنظافة القرية وتقرير الضرائب المحلية التي تنفق في وجوه الإصلاح الصحي الاخرى ؛ وفي الوقت نفسه تقوم هذه المجالس على الإصلاح الاجتماعي والزراعي والتعليم ، لأنه يجب أن تسير هذه الإصلاحات جميعها جنبا لجنب ، فكل من هذه الإصلاحات له أثره البعيد على ضروب الإصلاح الأخرى .
يشبه الإصلاح الذي عددته في هذه الكلمة الإصلاح الذي تضمنه مشروع بيفردج . وقد يدهش الكثيرون من أن هذا المشروع المصرى سبق بسنوات مشروع بيفردج ونشر في المجلة الطبية المصرية في عدد مارس سنة ١٩٤2, ولكن لم يلق ما يستحق من العناية لأننا ما زلنا في مصر نتبع الأشخاص لا جوهر الموضوع ، وتستهوينا الدعاية لا الكفاية ؛ ولكن ذلك لا يدعو لليأس فهو أحد مظاهر التأخر الاجتماعى الذى نشكو منه .

