الإعراب فى اللغة المضرية يميزها عن جميع اللغات المعروفة اليوم ، وإذا شاركتها فيه بعض اللغات فإنما تشبهها من وجه بعيد ، لان إعراب العربية شىء وإعراب تلك شىء آخر ، ولا شك فى أن هذه المزية حاجة هذه اللغة ، بل هى أنفس اعلاقها ، وأجلى مميزاتها ، وأجل مفاخرها .
ويظهر أن العربية تحلت بهذه الميزة منذ قديم عصورها ، لأننا إذا اعتبرنا اللغة البابلية الأولى التى عثر على بقيتها فى آثار الدولة الحموراية - هى الأصل السامى الذى انشقت منه اللغات ، يترجح عندئذ أن العربية حافظت على كثير من المزايا التى كان يتحلى بها ذلك الأصل ومنها الإعراب ، لأنهم وجدوا أن اللغة البابلية كانت تتحلى به ، ومن هنا يظهر أن الإعراب عريق فى اللغة العربية عرفها وعرفته قبل أن يعرفهما التاريخ . ولما انبلج فجر الإسلام ، كان العرب فى جزيرتهم ولاسيما العدنانيون منهم يتفاهمون فى مخاطباتهم ومكاتباتهم وفى نظمهم ونثرهم باللغة المعربة التى جاء فيها القرآن الكريم . وزعم بعض المعاصرين أن لغة التخاطب عند العرب فى الجاهلية لم تكن معربة مطلقا ، ولا دليل على هذا الزعم ، بل الدليل على عكسه وزعم بعضهم أن لغة التخاطب كانت معربة عند الخاصة دون العامة ، وهذا الزعم والذى قبله من واد واحد . وزعم آخرون أن المعربة خاصة بالشعر والخطابة والكتابة دون المحادثة . ولا تدرى كيف صار هؤلاء إلى هذا الرأى مع علمهم أن الأمية كانت متفشية فى العرب وأن تفريقا كهذا بين لغة التخاطب ولغة الخطابة يحتاج إلى ممارسة وتلقين كما هو الشأن فى عهدنا هذا ؟ فإن لغة التخاطب
اليوم تختلف عن لغة الكتابة والشعر ، ولكننا لا نحذق هذه إلا بالتلقن والمدارسة . والذى حدا بهؤلاء إلى هذا القول عثور بعض النقادين فى أطراف الجزيرة العربية على مكتوبات أثرية بلغة عربية خالية من الإعراب . وهذا لا ينهض دليلا على ما ذهبوا اليه ، إذ من المحتمل أن تكون تلك المكتوبات من مخلفات قوم ليسوا من العدنانيين فى الصميم ، وكلامنا نحن إنما هو فى اللغة العدنانية الممثلة بلغة مضر الممثلة بلغة قريش التى جاء بها القرآن الكريم ، ووردت بها الأمثال ، ونظم فيها جل المنقول الينا من الشعر . وعلى الجملة فإن الدليل قام على خلاف ما ذهب اليه هؤلاء المتخرصون الذين لا علم لهم بالتطورات التى تقلبت فيها هذه اللغة قبيل الاسلام وبعده . ولسنا هنا فى موقف إقامة الدليل على دحض هذه الفنون لأنها أو هى من أن نقوى على محك النقد . وإنما نريد فى مقالنا هذا أن نلم بما طرا على الإعراب من تقلص فى الحواضر ثم فى البوادى ، وما جرى له على كر القرون المتعاقبة .
أشرنا آنفا إلى أن الإعراب كان يسود اللغة العربية العدنانية عند ظهور الإسلام . فلما امتدت الدعوة إلى أطراف الجزيرة وإلى ما يلى تلك الأطراف من الممالك المجاورة ، أجاب الدعوة ناس لم تكن العربية المضرية لغتهم الأصلية ، فكانوا ينطقون بها من طريق التلقن والاحتذاء ، وطريقة كهذه لا يؤمن فيها الخطأ . فلذلك ذر قرن اللحن بين هؤلاء الطارئين على اللغة ، فقد روى ان النبي (ص) جمع رجلا يلحن فى كلامه فقال : " أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل " . وروى أيضا أن كاتبا من الموالى لأبى موسى الاشعرى لحن فى إحدى الرسائل التى كان يبعث بها أبو موسي إلى الفاروق (ص) ، فلما وقف الفاروق عليها كتب إلى أبى موسي بأمره " أن قنع كاتبك سوطا " . وهذا اللحن انما أثر عن أولئك الموالى الذين لم تطل صحبتهم للعرب ، أو لم يتمكنوا من الانسلاخ عن لكنهم التى
يرتضخونها مثل سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلاك الحبشي ؛ فقد قيل إن الأول كان يرتضح لكنة فارسية والثانى يرتضح لكنة رومية والثالث برتضح لكنة حبشية ، ومع ذلك فإن اللحن الذى كان يصدر عن أمثال هؤلاء كان نزرا بسيرا . فلما فتح الله على العرب مسالك الأعاجم ومازجوا حمراء الأمم وصفراءها واتصلوا بهم اتصال المجاورة والمصاهرة والمتاجرة وغيرها دب دبيب اللحن بينهم ولاسيما فى الحواضر الكبرى ، ثم راح يسرى إلى حواشى الجزيرة العربية التى كانت على صلة وثيقة بتلك الحواضر فما كاد ينطوى بساط القرن الأول الهجرى حتى انقضى عمر الاعتماد على كلام المتحضرة من العرب ولا سيما العامة منهم . أما الخاصة فإنهم كانوا بتشددون فى المحافظة على سلائقهم ويترفعون عن الهبوط إلى الدركات التى صار اليها العامة الذين مازجوا الأعاجم ممازجة أخرجتهم عن عمود اللغة ، ولذلك كان الخاصة يتحامون التزوح بالأعجميات ويبالغون فى تربية أبنائهم على إلف الملكة العربية . فكانوا يرسلونهم إلى البادية ليروضوهم على الفصاحة وينشأوا نشأة الأعراب الفصحاء ، أو يحضرون لهم المعلمين من الفصحاء ، ليخرجوهم فى الإعراب والفصاحة . ولكن هذا لم يطل أمده فوقع الخاصة فيما وقع فيه العامة فى الحواضر من اضطراب الألسن واختلال السلائق . أما العرب المتبدية فامتد أجل الثقة بكلامهم إلى ما بعد القرن الثالث بقليل ، ثم سرى اليهم الداء الذى أصاب لغة الحضريين فأخذت لغتهم تفقد مزيتها وتفارق حليتها .
وإنى أورد عنا بعض النصوص التى تشير إلى أن اللغة المعربة حافظت على حليتها حينا من الدهر فى كثير من انحاء الجزيرة العربية وما يجاورها وإن داخلها بعض الاختلال ، مرتبا ذلك على الزمن
١ - قال الجاحظ (المتوفي سنة ٢٥٥ ه)فى " البيان والتبيين " ) : " رأيت عبدا أسود لبنى أسيد قدم عليهم
من شق اليمامة ، فبعثوه ناظورا وكان وحشيا محرما لطول تغربه كان فى الإبل وكان لا يلقى إلا الأكرة ، فكان لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم . فلما رآنى سكن إلى
وسمعته يقول : " لعن الله بلادا ليس فيها عرب ، قاتل الله الشاعر . حيث يقول : خر الثرى مستغرب التراب
أبا عثمان ! إن هذه العرب فى جميع الناس كمقدار الفرحة فى جميع جلد الفرس ، فلولا ان الله رق عليهم جملهم فى حاشية لطمست هذه العجمان آثارهم ، أترى الأعياد إذا رأت العناق لا ترى لها فضلا ، والله ما امرمي نبيه بقتلهم إلا لضنه بهم ، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيها سلم " ه .
وهذا النص واضح فى أن اللغة المعربة كانت تعيش فى الجزيرة العربية إلى ما بعد أواسط القرن الثالث ، وأنها كانت تعيش على ألسنة العامة كما تعيش على ألسنة الخاصة ، لأن صاحب الجاحظ هذا لم يكن إلا راعيا من رعاة الإبل ، بل ما كان إلا عبدا من عبيد بنى أسيد فإذا كانت العربية المعربة تجرى على لسان هذا الراعى الأسود فما بالك بأحرار القبيلة وساداتها .
٢ - ذكر أحمد بن يوسف المعروف بابن الدابة (المتوفى سنة ٣٤٠ ه ) فى كتاب " المكافأة " : أنه أثناء مقامه بمصر احتاج إلى الانتقال من بعض بلاد الصعيد إلى الفسطاط ، وكان الأمين إذ ذاك مضطريا والطرق مخيفة ، فتخفر بأربعة لفر من القبسية ، فأحسنوا عشرته كما أحسنوا خفارته ، حتى إذا وصلوا قصر الحيزة ، طلع عليهم رعيل من الأعراب يريدون نهبه ، فتمكن خفراؤه الأربعة من صدهم بالحسني . قال : " وجددنا فى السير حبى التهينا إلى حى المخفرين
لنا ، فقال المخفرون : " قد بلغت إلى من تأمنه ، فحط رحلك " . فعملت فى المخفرين هذه الآبيات :
جزى الله خيرا معشرا حقنوا دمى
وقد شرعت نحوى المثقفة السمر
دراهمهم مبذولة لضعيفهم
وأعراضهم من دونها الغفر والستر
إذا ما أغاروا واستباحوا غنيمة
أغار عليهم فى رحالهم الشكر
وإن نزلوا قطرا من الأرض شاسعا
فما ضره ألا يكون بها قطر
فلحظنى واحد منهم وأنا أكتبها فظن أنى أكتب إلى السلطان ، فأشتكى ما كان من الفرسان الذين لقونا بقصر الجيزة ، فقال : " قد سلمك الله من أولئك القوم ، وقد أحسنوا إلينا فى حسن الإجابة لنا ، فلا تكتب فيهم بشىء " فقلت : " والله ما كتبت فيهم ولا فى غيرهم إلى السلطان بشىء " فقال لى شيخ من المخفرين - وقد قرب منى : " فما نكتب ؟ " ... قلت : " أكتب أبياتا مدحتكم فيها " فقال : " وإنك لتقرض الشعر ؟ . . " قلت : " نعم !" قال : " أنشدنى علي اسم الله " فأنشدته أباها فقال : " برك الله ووصلك " ثم صاح بالثلاثة ، فلما اجتمعوا أنشدهم إياها . فما خرم - شهد الله - حرفا واحدا ، فعجبت من حفظه لها ، ولم أعد عليه حرفا منها ، وتبينت الفرح فى سائرهم ، وحفظوها بأجمعهم ، ثم صاح بهم الشيخ : " ما تنتظرون ؟ أرحضوا السوءة عنكم " . فأدخلوا أيديهم فى جيبوبهم وجمعوا شيئا أخذه الشيخ منهم ثم قال لى : " قد شكرنا صنيعك ، والله لا نجمع بين شعرك ووفرك " . ووضع العشرين الدينار بين يدى . فأكبرت ذلك وأعظمته ، وركبت فسرت مع جمع كثير منهم وهم ينشدون تلك الأبيات ، فالتمست أن يقبلوا مني برا فلم أصل -إلى ذلك ورأوا أن الشعر أحسن موقعا مما ملكته " أه .
وهذه الحكاية بمجموعها تدل على أن قبائل قيس التى كانت تضرب فى بر مصر كانت إلى عهد ابن الدابة تتذوق الفصيح من القول ويهزها المدح لو تتأثر نفوسها بالبارع من الشعر المنظوم بلسان عربى مبين ، وهذا يدل بوضوح على أن العربية المعربة كانت لا تزال تعيش بينهم عيشة الكريم العزيز ، وإلا لما تمكن الشيخ أن يحفظ الابيات لجرد سماعها مرة واحدة ، فإن الذى نعرفه عن الأميين من أعاريب هذا الزمان أنهم يعجزون عن أداء البيت الواحد من الشعر المعرب أداء صحيحا مهما كررت قراءة عليهم ، أما حفظه والتغنى به فأمر فوق طاقتهم .
٣ - قال عبد العزيز الجرجانى (المتوفي سنة ٣٦٦) فى كتاب الوساطة : " قد كان قدم مكة فى أيام مقامى بها شيخ بدوى من بنى عامر بن ربيعة يدعى مطرف بن سفيان فأنشدنا قصيدة مدح بها جعفر بن محمد الحسنى ، وجدتها متنافرة الأبيات ، مختلفة الأطراف ، بين عين نادر ، ومنتوسط متقارب ، وضعيف ساقط ؛ فكنت كالمتعجب لما أراه من اضطرابها ، وظهور تفاوتها ، وامتحنت الشيخ فوجدت شعره إلى الضعف ما هو . فنحن كذلك إذ أتانا بعض من كان يقربه من أصحابنا ، فسألناه عن العامرى فأثبته معرفة ، وذكر أنه حضر الحى وقت تأهبه للوفادة فرآه فى نادى القوم وقد جمع فتيان الحلة واحداث القبيلة ، فقال : إن شيحكم يريد امتداح هذا الشريف بمكة فزودوه ، فزوده كل رجل منهم البيتين والثلاثة ، ثم نظمها قصيدة ، وإذا سبب ذلك التباين تفاضل القرائح ، واختلاف الأفكار والهواجس . . " أ ه يرشدنا هذا النص إلى أن قبائل تهامة والحجاز كانت لا تزال على أكثرة من اللغة المعربة فى أواسط العصر الرابع . وأن فتيانها وأحداثها كانوا لا يزالون يقرضون الشعر باللغة المعربة ، على أنه ما من شك فى أن الاضطراب كان
ساريا فى لغات أولئك الأعراب ، ولكنه كان إلى ذلك الوقت لايقوى على محو الإعراب جملة وإزالته كلية . بذلك على ذلك قول الجرجانى نفسه فى سياق هذه الحكاية ما نصه : " فإذا كان هذا الشعر عندهم اليوم وهذه عدة من يقرض منهم وينظم واللغة فاسدة واللسان مدخول والأمر مدبر وأكثر العرب مستعجم ، فما ظنك بهم والعرب عرب والدار خالصة لهم . . . ." . ولا شك عندنا أن الجرجانى عليه الرحمة يعنى بقوله " اللغة فاسدة واللسان مدخول " أن الاضطراب فى الإعراب كان باديا على لغة أولئك الأعراب ، ولكنه لم يكن ذلك الاضطراب بحيث قد قضى على الإعراب جملة ؛ وإلا لما تمكن اولئك الفتيان والأحداث الذين لم تهذبهم المدارس على قرض الشعر إجابة لاستنتجاد شيخهم العامرى .
٤ - ذكر أبو الفتح ابن جنى (المتوفي سنة ٣٩٢) فى مواضع كثيرة من الخصائص أن فى القبائل التى كانت ضاربة فى الجزيرة الفرانية لعهده بقلبا باقية من اللغة العربية المعربة ، وأن فى أولئك الأعراب شعراء فصحاء لا يقع الناقد البصير علي لحن فى كلامهم إلا قليلا . من أولئك الشعراء أبو عبد الله الشجرى العقيلى ، فكان ابن جنى ينقل عنه الكثير من الفصيح وله معه مساجلات واختبارات غاية فى الطرافة . والشجري هذا أمى لا يقرأ ولا يكتب ، ومن امثلة حكاياته عنه قوله : " سمعت الشجرى أبا عبدالله غير دفعة بفتح الحرف الحلقى فى نحو (يعدو وهو محموم) ولم أسمعها من غيره من عقيل ، فقد كان يرد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الآخذ بلغته : وما أظن الشجرى إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله فى الاسم على مذهب البغداديين ، نحو قول كثير :
له نعل لا تطى الكلب ريحها وإن جعلت وسط المجالس شمت
وقال أبو النجم :
وجبلا طال صعدا فاشمخر أشم لا يطيعه الفاس الدهر
وهذا قد قاسه الكوفيون وإن كنا نحن لا نراه قياسا . . " أ ه
فأنت تري كيف اهتم أبو الفتح للفظة جاءت فى كلام هذا العقيلى الذى كان يعاصره وذكر انه وافق فيها أقيسة الكوفيين والبغداديين ولم يوافق أقبسة البصريين . وهذا يدل بوضوح على قلة ما يرد فى كلام هذا العقيلى وأضرابه من معاصرى أبى الفتح من الإنحراف عن عمود الإعراب .
٥ - وقال عمارة اليمانى (المتوفى سنة ٥٦٩ ه ) فى تاريخ اليمن ما نصه : " وجبلا عكاد فوق مدينة الزرايب وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ، لم تتغير لغتهم بحكم أمهم لم يختلطوا قط بأحد من أهل الحاضرة فى مناكحتهم ولا مساكنهم وهم أهل قرار لا يظعنون عنه ولا يخرجون منه . ولقد أذكر أنى دخلت زبيد فى سنة ٥٣٠ أطلب الفقه دون العشرين فكان الفقهاء فى جميع المدارس يتعجبون من كونى لا ألحن فى شىء من الكلام . فأقسم الفقيه نصر الله بن سالم الحضرمى بالله تعالى لقد قرأ هذا الصبى النحو قراءة كثيرة ، فلما طالت المدة والخلطة بينى وبينه ، صار إذا لقيته يقول : مرحبا بمن حنثت فى يمينى لأجله . ولما زارنى والدى وسبعة من إخوانى إلى زبيد أحضرت الفقهاء فتحدثوا معهم ، فلا والله ماحن أحد منهم إلا لحنة واحدة نقموها عليه " ١ ه وهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تعليق .
٦ - وقال ياقوت الحموى (المتوفي سنة ٦٢٦ ه ) فى معجم البلدان : " . جبلا عكاد فوق مدينة الزرايب وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ، لم تتغير لغتهم
بحكم انهم يختلطوا بغيرهم من الحاضرة فى منا كحة ، وهم أهل قرار لا يظعنون عنه ولا يخرجون منه " أ ه
يظهر أن ياقوتا نقل كلامه هذا من كتاب عمارة ، والذي يهمنا منه قوله " إلى اليوم " الذى يفيد صراحة بأن اهل ذلك الجبل كانوا لا يزالون محتفظين بالعربية المعربة إلى أوائل العصر السابع .
٧ - قال الفيروزابادى (المتوفى سنة ٨١٧ ه ) فى مادة ع . ك . د من قاموسه بعد أن ذكر جبل فكاد : " أهله باقون على اللغة الفصيحة " .
٨ - قال السيد محمد مرتضى الزبيدى (المتوفى سنة ١٢٠٥ ) فى شرحه على القاموس فى المادة المذكورة آنفا : " وعكاد )(كسحاب جبل) باليمن (قرب) مدينة (زبيد ) حرسها الله وسائر بلاد الإسلام (أهلها باقية على اللغة الفصيحة) إلى الآن ، ولا يقيم الغرب عندهم أكثر من ثلاث ليال خوفا على لسانهم . . " ١ ه
وإذا علمنا أن الفيروزابادى أقام فى زبيد زهاء عشرين عاما وتولى قضاء الثمن كله أمدا طويلا يتبين لنا أن عبارته
تلك لم تكن إلا عن خبرة ودراية ، وانها مبنية على اطلاع خاص .
أما السيد محمد مرتضى فهو يمانى الطينة زبيدى المدينة ، فشهادته فى هذا الباب تعتبر عيانية . ومن هنا يفهم أن اللغة العربية المعربة فى ذلك الموضع من اليمن عاشت إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجرى . ولا يبعد ان تسكون باقية إلى عهدنا هذا . فلو عنى بعض أهل الفضل بقصد هذا الموضع من بلاد الثمن ليقف على جلية الأمر هناك لأسدى إلى التاريخ والأدب خدمة تذكر فتشكر .
هذا وإنما ذكرنا كل هذه الأمثلة متسلسلة فى الزمن ليقف القارىء الكريم على ما تطورت إليه هذه اللغة الكريمة فى بقاع الجزيرة العربية والجزيرة الفرانية والديار المصرية . وما آلت إليه حالها اليوم من انحصار المعربة فى نطاق الكتابة والشعر وتدوين العلوم ، واحتلال اللغة العامية سائر المواطن الآخرى . والآمال معقودة على أن نشر التعليم بين عامة الامة وخاصتها كفيل بأن ينهض باللغة المعربة إلى رفيع مكانها وسابقي عزتها .

