الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 644 الرجوع إلى "الثقافة"

الامام ابن حزم والحب

Share

كان الحاجب المنصور بن أبي عامر من كبار الغزاة فى تاريخ الإسلام ، وفي طليعة رجالات الأندلس المعدودين ، وحماتها الذائدين عنها والموفرين عليها حقوقها ، والمنصرفين إلى تأييد ملك المسلمين بها ، وتثبيت أركانه ، وما أحسب في ذلك شكاً ولا خلافاً ؛ ولكن هذا الفاتح القهار والغازى الظافر والبطل النجد قد تورط في خطأ أملته عليه إملاء وفرضته عليه فرضاً ودفعته إليه دفعاً طبيعة موقفه التاريخى من ناحية ، وطمووحه ومطامعه من ناحية أخرى ؛ فقد استطاع بحذفه ولياقته ودهائه وسياسته أن يستأثر بالسلطة والنفوذ ، ويحجر على الخليفة الشرعي هشام الثانى ، ويستبد بالأمر دونه ، وقضى على المنافسين ، وأزالهم من طريقه بأساليب قاسية ماكرة ، وحقق بذلك الكثير من أهدافه ؛ ولكنه أضعف فكرة السلطة الشرعية ، وأزال هيبتها من النفوس وجعل الاجتراء عليها والاستخفاف بحقوقها أمراً ميسوراً غير مستنكر ؛ فلما مضى لسبيله وعجز الدين جاءوا بعده عن أن يسدوا مسده ويقوموا مقامه ، ساءت الأحوال واضطربت الأمور ، واستشرى الفساد ؛ وإذا ضعفت المبادئ وعجزت الرجال وقلت الكفايات فغير غريب أن تعم الفوضى ، ويسود الظلام ، وتنطلق الشهوات من عقالها ، وتتحرك المطامع والأهواء ، وتكثر عوامل الهدم والتدمير والإبادة والخراب . وللمؤرخ الذي يطالع أخبار هذه الفترة المحزنة الشاحبة في تاريخ الأندلس بهوله ما يشاهد فيها من انتكاس الأخلاق وفساد الطبائع ، والتواء النفوس ، ومشاهد الغدر والخيانة والخسة والنقص ، والقسوة والنذالة ، حتى يكاد يسوء ظنه في السواد الأعظم ، كما يقول أبو تمام في بيته المشهور :

إن شئت أن يسود ظنك كله فأجله في هذا السواد الأعظم

ومثل هذا المؤرخ لا بد أن يستروح ، ويستشعر شيئاً من السرور والطمأنينة ، ويعاوده جانب من الثقة بالنفس البشرية حينها بواجه في ذلك العصر المعتل شخصية عفة نبيلة قوية صريحة سامية محلقة مثل شخصية الإمام أبي محمد على بن حزم ، العالم الفقيه الذى ملأ طباق الأرض علماً ، والفيلسوف المتأله

الذى اشتهر بقوة الجنان ، وحدة اللسان ، حتى قيل فيه : " كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف الثقفي شقيقين " .

هذا الإمام الجاد الصارم الذي يقول فيه ابن حبان نابغة مؤرخي الأندلس وكبيرهم : " إنه حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وما يتعلق بأذبال الأدب مع المشاركة فى كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة " قد أخرج للناس كتاباً فى وصف الحب ، ودراسة أطواره ، وتحليل عوارضه وأحواله ، بعد من الآثار البارزة فى تراثنا الأدبى ، ومن حقنا أن نفخر ونعتز بأنه من بين مفكرينا الكبار وفقهائنا الأعلام ، من وجد الحب جديراً بالدرس خليقاً بالبحث والتحليل ، فقد كان معظم الفلاسفة والمفكرين من عهد الفلسفة اليونانية إلي القرن التاسع عشر يرون الحب من المسائل التى لا يصح لهم أن ينزلوا من عليائهم إلى الكلام عنها وتناولها بالملاحظة والدرس والتعليل ؛ ولعل أول من خالف هذا التقليد وشد عن تلك السنة من بين هؤلاء الفلاسفة هو الفيلسوف الألمانى اللامع الجرئ آرثر شوبنهاور ؛ فقد خص الحب بفصل شائق حافل من فصول كتابه العظيم المسمى " الدنيا فكرة وإرادة " وتبعه فى ذلك تلميذه ومتقبل آثاره الفيلسوف إدوارد فون هارتمان ؛ فقد عقد في كتابه القيم " فلسفة اللاشعورى " فصلاً بديعاً عميقاً عن الحب الجنسى ، اقتفى فيه آثار شوبنهاور وأربى عليه بعض الملاحظات النافذة ، والتحليلات الموفقة ؛ وأكبر ظنى أن هذين الفيلسوفين الجليلين قد مهدا السبيل وانارا الطريق لبحوث العلامة النفسى الكبير فرويد الذى جعل الحب الجنسى حجر الزاوية فى بحوثه وفلسفته .

وكتاب " طوق الحمامة " ليس كتابا عن الحب فحسب ، وإنما هو كذلك كتاب اعترافات أو ترحمة ذاتية للعلامة ابن حزم ؛ فقد ذكر لنا فيه الكثير من أحاديث نفسه ، ودخائلها وخفاياها ، وما انتابها من أزمات وشدائد ، وما هزها وهالها من حوادث ووقائع ، ومن خلال وصفه لنفسه وتحدثه عن نوازع قلبه استطاع أن يشرف بنا على عصره ،

ويقدم لنا وثيقة نادرة عن أحواله وآدابه ، وأخبار رجاله ونسائه قل أن نعثر على مثلها فى مراجع الأدب والتاريخ .

ويكشف لما هذا الكتاب النادر عن صفاء نفس ابن حزم ، ورهافة حسه ، ورقة شعوره ، وقوة عواطفه ، وعمقها وصدقها ، ومتانة عقيدته ، ومضاء إرادته ؛ ونستطيع أن نتبين منه لماذا كان هذا الرجل العظيم القلب والعقل وزيراً يعتمد عليه فى علاج المشكلات ، ومؤلفاً من أغزر المؤلفين إنتاجاً فى تاريخ التأليف الإسلامى ، وفقيها إماماً ، ومناضلاً ثابتاً فى نضاله . لا تلين قناته ولا تصدع صفاته ، ولم يكن الإمام ابن حزم محباً عميق الحب مشبوب العاطفة فحسب ، وإنما كان كذلك صديقاً صحيح الرد ، صادق العهد ، جديراً يقول المتنبى :

خلقت ألوفاً لو رجعت إلي الصبى

لفارقت شعبى موجع القلب باكياً

وقد ألف هذا الكتاب استجابة لدعوة صديق كان على ما يظهر من أعز أصدقائه عليه وآثرهم لديه ، وأشار إلى ذلك في مقدمته بقوله : " وكلمتني أعزك الله أن أصنف لك رسالة فى صفة الحب ومعانيه ، وأسبابه وأغراضه ، وما يقع فيه وله ، على سبيل الحقيقة ، لا متزيداً ولا متفنناً ، لكن مورداً لما يحضرنى على وجهه . وبحسب وقوعه ، حيث انتهى حفظى . وسعة باهى . فيما أذكره ، فبادرت إلى مرغوبك . ولولا الإيجاب لما تكلفته . فالأولى بنا مع قصر أعمارنا الا نصرفها إلا فيما ترجو به رحب المنقلب وحسن المآب غداً ، والذى كلمتنى فلا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتى وأدركته عنايتى . وحدثنى به الثقات من أهل زمنى ، ودعنى من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا ، وقد كثرت الأخبار عنهم ، وما مذهبى أن أمضى مطية سواى . ولا أعلى بحلى مستعار " .

وقد التزم ابن حزم فى كتابه هذه الحدود ، واقتصر على ذكر مشاهداته وتجاربه ، وما سمعه ممن يوثق به من أصحابه . ولم يجعل الكتاب معرضاً لأخبار العشاق المتداولة ، وقصصهم المألوفة . كما صنع غيره من الذين تصدوا للتأليف فى هذا الموضوع ، مثل داود الأنطاكى فى كتاب " تزيين الأسواق فى أخبار العشاق ، وغيره من مؤلفى الكتب الذين يعمدون إلى جمع الأخبار . وحشد الأشعار ، بغير تفريق

ولا تمييز ، ولا تعليل ولا تحليل . أما ابن حزم فليست هذه طريقته ، وله من شخصيته الممتازة وتجاربة المستفيضة ومشاهداته الكثيرة ما ينأى به من هذا السبيل المطروق ، ويجنبه هذه الخطة المبتذلة .

وقد أوقف ابن حزم الفصل الأول من كتابه للكلام عن " ماهية الحب " والحب عنده لا تدرك ماهيته بالفكر ، وإنما تدرك بالتجربة ، وهو يقول فى ذلك : " الحب أوله غزل وآخره جد ، دفنت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ؛ ولعله قد نظر فى ذلك إلى قول المتنبى : إلام طماعية العادل     ولا رأى فى الحب للعاقل

وقوله : " لهوى النفوس سريرة لا تعلم " ويذهب ابن حزم إلى أن الحب اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة فى هذه الحقيقة فى أصل عنصرها الرفيع ؛ مما تناسب من النفوس اتصل ، وما تخالف منها انفصل ؛ فسر النماذج والتباين فى المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال ، والشكل يستدعى شكله . والمثل إلى مثله ساكن ؛ فللمجانسة عند ابن حزم عمل محسوس وتأثير مشاهد ، والتنافر فى الأضداد ، والموافقة في الأنداد ، ويؤيد ذلك ابن حزم بقوله : " لو كانت علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص من الصورة ، ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى ، ويعلم فضل غيره ، ولا يجد محيداً لقلبه عنه ، ولو كان لمواقفة فى الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه ".

فالحب إذاً استحسان روحانى وامتزاج نفسانى ، ويروى لنا ابن حزم أن أبقراط افتم حين وصف له رجل من أهل النقصان بحبه ؛ فقيل له فى ذلك : "ما أحبنى إلا وقد  وافقته على بعض أخلاقه " .

ويعتقد ابن حزم أن المحبة لا تصح إلا بعد كثرة المشاهدة وتأكد الألفة ، ولا يكتم شكه في مسألة الحب من أول نظرة ، وهو يقول في ذلك : " إنى لأطيل العجب من كل من يدعى أنه يحب من نظرة واحدة ، ولا أكاد أصدقه " ولا أجعل حبه إلا ضربًا من الشهوة ، وأما أن يكون فى ظنى متمكنا من صميم الفؤاد نافذاً في حجاب القلب فما أقدر ذلك ، وما لصق بأحشائى حب قط إلا مع الزمن الطويل ، وبعد ملازمة الشخص لى دهراً ، وأخذى معه في كل جد وهزل ، وكذلك أنا فى السلو والتوق ؛ فما نسيت وداً لى

قط . وإن حنينى إلى كل عهد تقدم لى ليخصنى بالطعام وشرفى بالماء ، وقد استراح من لم تكن هذه صفته ، وما مالت شيئاً قط بعد معرفتى به ، ولا أسرعت إلى الأنس بشئ قط أول لقائى له ، وما رغبت الاستبدال إلى سبب من أسبابى مذ كنت ، لا أقول فى الألآف والإخوان وحدهم . لكن فى كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك وما انتفعت بعيش ولا فارقنى الإطراق والأنعلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة ، وإنه لشحى يعتادنى وولوع هم ما ينفك يطرقنى ، ولقد نقص تذكرى ما مضى كل عيش استأنفه ، وإنى لقتيل الهموم في عداد الأحياء ، ودفين الأسى بين أهل الدنيا ، والله لمحمود كل حال لا إله إلا هو " .

وعند ابن حزم أن هذا الحب الصادق الذى يسير على مهل ويتولد بطول الامتزاج يلائم رأيه فى أن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوى ، وأن ما يقع من أول وهلة إما هو مجرد استحسان جسدى .

وقد عقد فى كتابه فصلاً عنوانه أن من أحب صفة فى محبوبه لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها ؛ وبعد أن روى أمثلة تعزز ذلك مستمدة من مشاهداته ومعلوماته شفعها بقوله : " دعنى أخبرك أننى أحببت في صباى جارية لى شقراء الشعر ، فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر . ولو أنه على الشمس أو على الحسن نفسه ، وإنى لأجد هذا فى أصل تركيبى من ذلك الوقت ، لا تؤاتينى نفسى على سواه ، ولا تحب غيره البتة ، وهذا العارض بعينه عرض لأبى رضى الله عنه ، وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله ، وأما جماعة خلفاء بنى مروان رحمهم الله ولا سيما ولد الناصر منهم فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة لا يختلف فى ذلك منهم مختلف " فإمامنا العلامة كان من الذين يحبون الشقراوات ، وكذلك كان المرحوم والده ، ونلاحظ هنا طريقة ابن حزم ، فهو يصف العارض من عوارض الحب ثم يستدل عليه بالشواهد ويؤيده بتجربته الخاصة .

وفي الفصل الذى يتكلم فيه عن " البين " يقول : " دعنى أخبرك أنى أحد من دهى بهذه الفادحة ، وتعجلت لى هذه المصيبة ، وذلك أني كنت أشد الناس كلماً وأعظمهم حباً بجارية كانت فيما خلا احمها نغم ، وكانت أمنية التمنى ، وغاية الحسن خلقاً وخلقاً وموافقة لي ، وكنت أبا عذرها ،

وكنا قد تكافأنا للودة ففجعتنى بها الأقدار ، واحترمتها الليالى وهي النهار ، وصارت ثالثة الترب والأحجار ، وسنى حين وفاتها دون العشرين سنة ، وكانت هى دونى فى السن ؛ فقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابى ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها .

وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن ، ولو قيل الفداء لفديتها بكل ما أملك من مال وطارف وبعض أحزاء جسمى العزيزة على مسارعاً طائعاً ، وما طاب لى عيش بعدها ، ولا أنست بسواها ، ولقد عفى حبها على كل ما قبله وحرم ما كان بعده ، ومما قلت فيها :

مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت        وسائر ربات الحجال نجوم

أطار هواها القلب عن مستقره          فبعد وقوع ظل وهو يحوم

وفى الكلام عن " الهجر " يقول لنا هذا الرجل المجرب والحكيم الطين الذى عرف الدنيا وخبر الناس : " لقد وطئت بساط الخلفاء ، وشاهدت عاضر الملوك . ثم رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه ، ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء وانبساط مديرى الدول ، فما رأيت أشد نبجحاً ولا أعظم سروراً بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبة عنده . ووثق بميله إليه ، وصحت مودته له ؛ وحضرت مقام المعتذرين بين أيدى السلاطين ومواقف المتهمين بعظم الذنوب ، والمتمردين الطاغين . فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدى محبوب غضبان ، قد غمره السخط . وغلب عليه الجفاء ؛ ولقد امتحنت الأمرين وكنت فى الحال الأول أشد من الحديد ، وأنفذ من السيف ، لا أجيب إلى المدينة ، ولا أساعد على الخضوع ، وفى الثانية أذل من الرداء ، وألين من القطن ، أبادر إلى أقصى غايات التذلل لو نفع ، وأغتنم فرصة الخضوع لو تجمع ، وأتحلل بلسانى وأغوص على دائق المعانى ببيانى ، وأفنن القول فنونًا ، واتصدى لكل ما وجب الترضى .

وموجز القول أن فى كتاب " طوق الحمامة " نظرات فلسفية قيمة وتحليلات نفسية  ثمينة ، وخبرة بالناس والحياة واسعة شاملة ، مع السرد الممتع والعرض الشائق ، وقد يسر ذلك لابن حزم ثقافته العالية ، ونشأئه الارستقراطية ، وقوة عواطفه وأحاسيسه ، وكثرة تجاربه ومشاهداته .

اشترك في نشرتنا البريدية