في حياة الإمبراطور مرقس أوريليوس مسألة شائكة لا يزال يدور حولها البحث ، ويختلف الرأي ويشتد الجدل ، وهي موقفه من الاضطهاد الذي اصاب المسيحيين في عصره . وقد حاول بعض المؤرخين أن يشكوا في صلة الإمبراطور بحوادث الاضطهاد التي وقعت في مدينة ليون ، ولكن يظهر أنه من الثابت ان مرقس أوريليوس قد اقرها - كما يقول ماثيوار أنولد وهو أحد المعجبين بالإمبراطور الفيلسوف . والواقع أن جانبا مما أصاب المسيحية في عصر الاباطرة المصلحين من أمثال تراجان وانطونينوس بيوس ومرقس أوريليوس كان يرجع إلي تصورهم الخاص المسيحية التى كانوا يحاولون إطفاء نورها وإخماد انفاسها ؛ كانوا يرونها من الناحية الفلسفية شيئا سخيفا لا خير فيه
ولا غناء ، وكانوا يعتقدون انها من الوجهة الأخلاقية تقري بالفساد وتبعث على الشر والإجرام أما من الناحية السياسية فكانوا يرونها هادمة الدولة مفككة لعري المجتمع . وكانت الفكرة الغالبة هي ان المسيحيين جمعية سرية تعمل في الخفاء لتحقيق اغراض مريبة ، وكانت جمهرة الشعب الروماني لا تشك في ان هؤلاء المسيحيين كفرة ملاحدة يستحلون المحرمات ولا يتورعون عن أكل لحوم البشر ، وكانت الديانة الرومانية من ناحية اخري بغيضة إلى نفوس المسيحيين ، يمقتونها اشد المقت ولا يكتفون في معارضتها بالمقاومة السلبية الصامتة ولا يمتنعون عن تقدم القرابين فحسب ، بل يحرضون غيرهم من الطوائف على ان يسلك مسلكهم ، ولا يقتنعون بترك تماثيل الآلهة ، بل يعمدون إلي إسقاطها من فوق القوائم
التي ترتكز عليها ؛ ولذا كان الرومانيون يمقتون المسيحيين ويسيئون بهم الظن ، وكانت الاجتماعات التي يعقدها المسيحيون مثارا لا عاجيب الروايات وغرائب الظنون في الأوساط الرومانية . وكانت كراهة الشعب الروماني المسيحيين من القوة والتأصل بحيث كان يجد الحكام والأمراء صعوبة كبيرة في كبح جماحها وصد تيارها الجارف ، وكان من السهل ان تنتقل هذه الآراء والمعتقدات من العامة إلى الخاصة . وقد يعجب الإنسان كيف ان تعاليم سامية كتعاليم السيد المسيح تستهدف لمثل هذا التصوير الخاطيء والعرض الشوه . ولكن السبب الحقيقي لذلك
هو أن المسيحية كانت روحا جديدة في العالم الروماني ، وكان مقدرا أن هذه الروح الجديدة ستزلزل قواعده وتحلل كيانه ، وكانت هذه الروح الجديدة في العالم الروماني تشبه الروح الدمقراطية في العالم الحديث ، ومثل كل روح حديثة ينفر الناس منها في مستهل أمرها نفورا غريزيا لأنها تليح لهم بعالم جديد مجهول ، ولا يجب ان تلقي الروح الجديدة شدة ومقاومة من العالم الذي يشعر شعورا غامضا خفيا
بأنها ستقلبه رأسا على عقب وتقوم على أنقاضه ، وكانت الدولة الرومانية شديدة الحرص علي نفوذها وتقرير سلطانها ، فهي لا تسمح بأن تقوم في داخل حدودها وبين بصرها وسمعها جماعة تتحداها ، وتخلع طاعتها ، وتخرج عليها . وكان الإمبراطور مرقس أوريليوس يحكم مركزه حامي التقاليد الرومانية والقيم على الدولة وشؤونها ، ولم يكن في وسع مرقس اوربليوس بحكم نشأته وتقاليد قومه أن يري المسيحية على حقيقتها ، ويقدر ما في أدابها من سمو وتسامح وإنسانية ؛ وكان حتما عليه ان يراها شيئا مناقضا للنظام
هادما للمجتمع ، فواجب الدولة مقاومته وكسر شوكته والقضاء عليه ، وهو أول من يفرض عليه الإشراف على ذلك رعاية للأمانة وصيانة الملك ولكننا نري برغم ذلك كله ان هذا الحكيم الفيلسوف العظيم القلب واللب قد أساء بعض الإساءة عن غير قصد إلي المسيحية ، وقد تفتقر هذه الإساءة لغيره ، ولكنه كان رجلا الكمال بغيته والحق طلبته ، فهو لا يقاس على غيره ، وبطلب منه ! كثر مما يطلب من سواه ، وقد يكون يرئ الساحة واضح العذر ، ولكنه مع ذلك كله كان سيء . الحظ في هذه المسألة ، وليست هي أول مسألة لازمه فيها سوء الحظ وتنكر له القدر ، فقد أساء إليه الحظ إساءة اخرى شابت صفو حياته
واستنفدت مقدارا غير يسير من حلمه الرزين وصبره الطويل وتجلده النمقطع النظير ، فقد كانت فارستينا زوجة الإمبراطور الصالح لا تفهمه ولا تقدره ولا تحبوه بعطفها . ولا تبادله الحب ، وكانت في باديء الامر تضمر له شيئا من الحب ، ولكنها سرعان ما ملت حكمته ، وسامتها جهامة ورعه ، وذلك الحزن الصامت الوديع الذي كان يلازمه ويغلب عليه ، وكانت فارستينا امراة رفاقة الجمال فاتنة جذابة ، كثيرة البدوات ، حادة الطباع ، وقد كثرت حول سمعتها الشائعات وتناثرت الاخبار السيئة . ويقول ربنان : إن البحث التاريخي الدقيق أظهر بطلان الكثير
من التهم التي قذفت بها وهو مع ذلك يري أن البقية القليلة من التهم التي لم يستطع التحقيق التاريخي تفنيدها من الخطورة بمكان ، وهي لم تقبل ان تشارك زوجها في ميوله ونزعانه ، وكانت تمقت أصدقاءه وصحابته ، وكان ذوقها يخالف ذوقه واتجاهها يناقض اتجاهه
وكان الإمبراطور يعرف ذلك ، ويشقي به ويحتمله صابرا محتسبا ، ولم تخذله هنا تلك النظرية العجيبة التى كان يحرص عليها ، وهي ان يري الأشياء كما يجب ان تكون لا كما هي عليه ، وسد أذنيه عن سماع أخبار السوء ، ولم يتحول عن خطته ، وظلت فارستينا " زوجته الصالحة الوفية العفية النقية ، ولم ينبذ هذه الاسطورة حتى بعد موتها ، وقد استطاع في اعوامه الأخيرة أن ينسي كل شئ ويغالط نفسه في كل الامور ويخدعها ، ولكنه لم يرتفع إلى هذه القمة إلا بعد معارك حامية وصراع داخلي رهيب . كان جوهر فلسفته الخضوع والاستسلام ونبذ كل شئ ، وكان لزاما عليه ان يحمل نفسه على توديع السعادة الدنيوية والمــــأوب الأرضية ليصل إلي هذه الحالة ، وربما لم يكن في مقدور البشر ان يقدروا مدى الآلام التي عاناها مثل هذا الرجل لبلوغ ثم هذه الحالة النفسية العجيبة البادرة !
وربتان يقول في هذا الصدد : " حقيقة ان توديع السعادة هو يد ، الحكمة وآكد طريق للظفر بالسعادة ويردف ذلك بقوله " لا شئ اعذب من السرور الذي يعقب تنازلنا عن السرور ، فهل الامر كذلك ؟ هذه مرتفعات قد لا تقوي علي السير في دروبها ، وربما كان إخواننا أصحاب الأمزجة الصوفية أقدر منا علي فهمها ! .
وقد ذكرت في المقال السابق نكبته بابنه كومودس ، ذلك الفظ الغليظ القلب المنتكس الطبيعة المجبول علي الاذي والشر . وقد المع في تأملاته إلي بعض ما عاناه منه في قوله : " ما الذي يستطيع ان يفعله شر الناس من الأعمال السيئة إذا ظللت مصرا علي العطف عليه والإحسان
إليه ، وإذا ترفقت في لومه حينما تلوح الفرصة وألقيت عليه في اللحظة التى يحاول فيها الإساءة إليك امثال هذا الدرس في غير غضب ( أعرض عن ذلك يا ولدي فقد ولدنا لغايات اخري ، إنك لا تسئ إلي وإنما تسي إلي نفسك ) وأبصره بلياقة المبادىء العامة التي تقضي بأن تكون هذه هي القاعدة وانه لا النحل بعمل عمله ولا الحيوانات التي تعيش في القطيع ، ولا انتنقصه أو أهينه ، بل اقول كل ما أقوله له بلهجة الوامق العاطف كانه صادر عن قلب لم تؤثر فيه مرارة الغضب ، ولا احدثه كأني معلم المدرسة ، أو لأ كسب إعجاب الحاضرين ، وإنما أستعمل نفس الصراحة التي أتحدث بها إليه حينما نكون منفردين
معا " ولكن هذه البلاغة الأبوية لم تصلح لسوء الحظ من شأن نجله كومودس ، وكانت تنتظره في سنواته الأخيرة آلام اخري ، وتجارب جديدة مرة شديدة ، فقد تخطف الموت اصدقاء طفولته وشبابه ، واصبح هؤلاء ، السادة الفطارف الذين جمعهم حوله أنطونينوس ونعم بصحبتهم مرقس أوريليوس على الأرماس ، واحس انه في جيل لا يفهمه ، وأخذ يطيل التفكير في الموت ، من ذلك قوله في تأملاته " لا تلعن الموت بل رحب به لأنه في عداد تلك المظاهر التي تريدها الطبيعة ، وانحلال كيانتا شئ طبيعي مثل الشباب والشيخوخة والنمو والنضج التام . . وإذا كنت في حاجة إلى تفكير خاص ليصلح ما بينك وبين الموت فما عليك إلا أن تفكر فيمن سيطوي الموت ما بينك
وبينهم ، فلا نفكر في مغاضبتهم والحملة عليهم ، وإنما خذ نفسك بحبهم واحتمالهم في رفق ولين ، ولكن برغم ذلك تذكر أنك لا تفارق قوما يشعرون بمثل شعورك ، والشئ الوحيد الذي يستطيع ان يجعلنا نستمسك بالحياة ويقيدنا بها هو تلك الصحبة المباركة ، صحبة من هم على شاكلتنا واشباهنا ؟ ولكن لما كانت الامور كما تري فانظر القصص الدخيلة التي تعانيها حتى لتنبعث منك هذه الصيحة : " أيها
الموت لا ترجيء قدومك خشية ان انسي نفسي
وأخذ يمعن في تحليل الحياة وتشريح أجزائها حتى أصبح الفرق يسيرا بينها وبين الموت ، ووصل عن هذا الطريق إلى التسامح العام وعدم الا كتراث الذي كان يلطف من حدته الإشقاق والاحتقار ، وكان الهدف الذي يرمي إليه هو " ان يعيش زاهدا مستسلما بين الرجال المزيفين الظالمين ، والطيبة الصادقة الوطيدة هي التي تقوم على الزهد في كل شئ والملل منه والتبرم به ، والإحساس بأن كل ما في هذه الحياة تافه حقير سطحي زائل ، وإذا بدت الدنيا للانسان أطلالا دارسة ورسوما عافية فماذا يبقى ؟ الشر والحقد والضغينة ؟ كلا فإن الأمر اهون من ان يستحق هذا العناء ، والقيام بالأعمال الشريرة يستلزم على الأقل الإيمان بما فيه من متعة والاعتقاد بالانتقام والطموح . ولكن الرجل الذي زالت عن بصره غشاوة الأوهام وعرف ان كل رغبة تنطوي علي حماقة لا يكلف نفسه مثل هذا العناء . ولقد وصل مرقس أوريليوس إلى ما يشبه الترفانة عند البوذيين
وفي العاشر من شهر مارس للسنة الميلادية ١٨٠ مرض الإمبراطور واستعد للقاء الموت الذي كان يطلبه ويدعوه ، وامسك عن الطعام والشراب ، واستدعي ابنه كومودس ورجاه أن يتابع الحرب القائمة حتى يصل بها إلى النهاية وفي اليوم السادس من مرضه استدعي أصدقاء . وخاطبهم بلهجته المألوفة وسخريته الخفيفة المهذبة وتحدث إليهم عن غرور الحياة وباطلها وعدم الا كتراث بالموت ، فتفجرت عبراتهم فقال لهم : " لماذا تبكون من أجلي ؛ لا تفكروا في غير إنقاذ الجيش ، وكل ما في الامر هو أنني أسبقكم . . فالوداع ! " وسئل : من يوصي بابنه ؟ فأجاب " اوصيكم به إذا وجدتموه جــديرا بذلك وأوصي الآلهة الخالدين " وحزن الجيش على فقده حزنا شديدا لأنه كان يعبده عبادة ، وكان الجيش يعرف المنحدر الذي
ستسقط فيه الدولة بعد موته ، وكان لا يزال به بقية تكفي لتقديمه نجله للجيش ، وقد مكنته براعته في الاحتفاظ بهدوئه رغم الآلام الشديدة التي يعانيها من أن يظل جلدا رزينا في تلك اللحظة القاسية .
وفي اليوم السابع شعر بقرب الخاتمة وكان لا يري غير نجله ، وأبعده بعد دقائق خشية أن تصيبه عدوي الرض وربما كان ذلك حجة ليريح نفسه من محضره البغيض ثم غطى رأسه كانه يحاول النوم ، وفي الليلة القادمة أسلم الروح ، ونقلت جثته إلى روما ودفن في مقبرة الإمبراطور هادريان ، وفي يوم الاحتفال بدفنه لم يكد يسفح عليه دمع ، فقد كان الجميع يعتقدون انه قد عاد إلى الآلهة التي أعارته الأرض حينا من الزمن ! وكان الذي تمكنه أحواله من اقتناء تمثال للامبراطور في منزله ولا يفعل ذلك يذم ويلام وكان جميلا من الناس ومشرفا للانسانية هذا الوفاء النزية والتقدير البريء لهذا الرجل الراحل العظيم
وقد ترك مرقس أوريليوس للانسانية كتابا يعد من اسمي الكتب التي كتبها القدماء ، وهو كتاب التأملات ، وليس هذا الكتاب مجرد مجموعة أفكار فلسفية أو خواطر أخلاقية صالحة الموعظ والتبشير والهداية والإرشاد ، وإنما هو قصة نفس كانت تنشد الحقيقة ، وتعني بمشكلات الحياة الكبيرة ، وتديم التفكير في معنى الحياة والموت ، وهو مناجاة مستمدة من ماساة حياة رجل كبير القلب ، راجح العقل ، لا يريد ان يذيع عقيدة أخلاقية ، أو أن يقدم لك مذهبا فلسفيا ، ولكنه مع ذلك يستولي عليك ويلمس قلبك
وقد انتهى إلي فكرة أن على الإنسان أن يخمد رغباته إذا أراد ان يكون سيد نفسه ، وهي نفس النتيجة التي انتهي إليها شوبنهاور والبوذيون ، وهي نوع من الاقتحار الداخلي وكبت للرغبات والميول والأهواء .
والوصية التي يوصينا بها الرواقيون والبوذيون
وشوينهاور ومرقس أوريليوس هي ان نعمل علي ان نكون كالأحجار التي لا تحس شيئا ، ولكن إذا كانت الاحجار لا تحس وبذلك تتخلص من الألم ، فهي كذلك لا تستشعر الحب ولا تعرف الإيمان . وقد كان قلب مرقس أوريليوس حافلا بالحب والعواطف الإنسانية الكريمة ، عامرا بالإيمان بعدالة الكون وقداسته ؟ وواضح أن هنا نوعا من أنواع التناقض ، ولكنه تناقض مقبول لانه أنقذه من جفاف الشعور ، وجمود الحس ، وقساوة القلب ، التى استهدف لها الرواقيون ؛ فقد حاولوا إخماد العواطف نزولا على حكم العقل ، وكان لزاما عليهم أن يخمدوا كذلك الحب والعطف ، أما مرقس أوريليوس فقد سلم بوجود حرية الإرادة ليستطيع الصفح عن الغير ، وكان يري كذلك ان الخير والشر طبيعيان كازدهار الورود في الربيع ؛ وهذا التناقض أفسد مذهبه الفلسفي ولكنه أفاض عليه روحا إنسانية
لم تنقذه من صرامة النسك وظلام الياس طيبة القلب وحدها ، وإنما لذلك الإيمان بقوة العقل الإنساني ، فهو يقول لنفسه في تأملاته : " اعمل على ان نتذكر على الدوام انك رجل وانك رومانى ، وليكن ديدتك ان تؤدي أعمالك في رزانة غير متكلفة وبانسانية وحرية وعدالة " ويقول كذلك : " إن السلطة المقدسة ليست سوى الروح والعقل الذين يملكهما كل إنسان " فإلهه هو الضمير الإنساني ، وليس له إيمان محدد فيما يخص الآلهة سوي هذا الإيمان ، وهو لا يؤكد شيئا ، ولأفكاره دائما وجهان : وجه يفترض وجود الله والرح ، ووجه اخر يفترض انهما غير موجودين " الدنيا إما ان تكون أخلاطا من
من الذرات تجتمع حينا ، وتفترق حينا آخر ، وإما أن تكون وحدة منسقة خاضعة لقوانين النظام والعناية ، فاذا صح الرأي الأول فلماذا اطلب البقاء حيث الطبيعة في فوضى والأشياء تخبط خبط العشواء في اجتماعها وتفرقها ؟ ولماذا اعني بأي شيء اخر غير عودتي إلى عنصر الأرض
في اسرع وقت مستطاع ؟ ولماذا اجثم نفسي المتاعب واسومها العذاب ؟ فلأ عمل ما أريد فإن عناصري ستتبدد وتتفرق ، ولكن إذا كانت هناك عناية فإني سأكبر حاكم الدنيا العظيم وأطمئن إلى رعايته وألوز بحماه ؟ ويقول في مناجاة أخري : " إعمل وتحدث وفكر كانك معرض للموت في كل لحظة من لحظات حياتك ، وماذا في الموت مما يروع ويهول ؟ إذا كان هناك الهة فانك لن تعذب لأنها لا تمسك بسوء ، وإذا لم يكن هناك آلهة أو كانت لا تحفل بالمخلوقات الفانية أمثالنا فإن عالما بغير آلهة ولاعناية إلهية لا يستحق
أن يعاش به " ولم يستطع مرقس أوريليوس أن يخرج من هذه الحيرة ويطمئن إلى حل لهذا المشكل ، وهذا هو مصدر مأساة حياته الأخلاقية ، فكان هناك صراع دائم في نفسه بين اليقين وبواعث الشك ؛ كان هذا اليقين الذي لا يفتأ يطارد الشك ويغاليه مصدر همه ونصبه وعذابه وآلامه . وقد ظل كذلك إلى النهاية بشك ويؤمن ويحارب إيمانه الشكوك ، وقد مات وهو في غمرة الهيجاء ونفعها المثار ، ولكنه لم ينهزم
وقد كان يسمو احيا إلى القمم العالية حيث الصمت الذي لا تصل إليه ضجة الارض وضوضاؤها ، والهدوء الذي لا تشوبه عواصف الاهواء والشهوات ، والحكيم الذي يظل متوقلا في تلك الأعالي والمرتفعات لا مفر له من ان يقضي على إرادة الحياة في نفسه ، وإذا قضى الإنسان على إرادة الحياة في نفسه فقد قضى كذلك على إرادة الفضيلة وإرادة الخير . وقد استطاع مرقس أوريلليوس ان يقمع أهواءه ، ويروض جماح نفسه ، ولكن نبع الحب والعطف ظل في نفسه عذبا فياضا ، يذكرنا بتلك الأسطورة التي تروي عن ساكياموني البوذا ، وذلك أنه في خلال السنوات الطويلة التي قضاها في الصحراء جالسا بغير حراك كانت عيناه معقودتين بالسماء ، وكان دائم التفكير
في الأبدية حتى قارب الوصول إلي الترقاتة ، وتصلبت مفاصل ذراعه المعدودة ، وطارت فوقه خطاطيف ، فلما رأته ثابتا لا يتحرك ظنته حجرا أو جذع شجرة فعششت في راحة يده ، وكانت تعود إليها في كل ربيع ، ولكنها في يوم من الأيام طارت لكي لا تعود مرة ثانية ، فلما عرف ذلك هذا الذي أخمد في نفسه كل رغبة ، وقع إرادة الحياة ، والذي اصبح لا يألم ولا يفكر ، واستمتع بهدوء الترقاتة عز عليه فراق الخطاطيف فظفرت الدموع من عينيه .
وهكذا القلب البشري - كما يقول الكاتب الروسي الكبير مرزكوفسكي - لا يصل إلي الهدوء المطلق . والحكمة الخالصة لانه لا يستطيع ان يحرم على نفسه الحب " وربما كان هذا الضعف هو مصدر قوته وآية مجده وعظمته

