الأمراض العصبية والاضطرابات العقلية تزداد انتشارا في العالم اجمع زيادة تتمشي مع مدنية هذا العصر ، وتكون في المدن أكثر منها في الريف ، وفي البلاد الصناعية أكثر منها في البلاد الزراعية ، وما بلغت النظر في بلاد ان زيادة انتشارها جاءت فجأة في السنوات الأخيرة ، وأنها تسير بسرعة كبيرة ، مما يتزعج له الكثيرون لأنهم لم يألفوا ذلك في الماضي ، ولم تكن البلاد تتوقع هذه الزيادة ، فلم تعد الوسائل اللازمة والضرورية لمحابهة هذه الحالة ومعالجة هذه الأمراض والوقاية منها ، كما فعلت الأمم الآخر . ولذا تواجه البلاد مشكلة اجتماعية منزعجة ، وإني اعتقد أن في بلادنا ما يزيد عن ٥٠ ألف مريض عرض عقلي ، بينما المستنفيات المعدة لها لا تسع أكثر من أربعة آلاف مريض فقط ، والمصابون بالأمراض العصبية والاضطرابات النفسية أكثر من هذا بكثير ، ولا يوجد لهم في البلاد كلها مستشفي واحد ، كما ان طرق الوقاية منها معدومة بتاتا ، وهذا أمر من الخطورة بمكان عظيم
قلت إن هذه الأمراض تزداد انتشارا تبعا لتقدم المدنية ، وذلك لان المدنية الحديثة وحضارة هذا العصر محمل الناس أعباء ثقيلة هي فوق طاقة الكثيرين ، كذلك نجد الأمور والإنقلابات في هذه الايام نسير وتتغير بسرعة شديدة ، لا تدع للناس الفرصة الكافية لأن بألفوها أو بروضوا انفسهم عليها ، بينها في الأجيال السالفة كانت الأحوال تسير ببطء وعلى ونيرة واحدة ألفها الناس ، ورنسوا معيشتهم
عليها ، والتقلبات كانت قادرة الحصول ، كما أنه كان لكل شعب تقاليد وفلسفة وتعاليم وانظمة سياسية واجتماعية ثابتة نوعا ما وأما الآن فقد أصبح العالم مضطربا غير مستقر على حال ، كثير التغيرات والتقلبات ، واصح الكفاح لأجل المعيشة عسيرا بينما طرق التعليم والتربية لم تتغير كثيرا . وإذا كانت تلك الطرق في الماضي متفقة ومناسبة للاحوال في الأجيال السالفة ، فقد اصحت غير ملائمة لهذا العصر ، لأنها لا تؤهل الشخص لمجايهة ما ينتظره من كفاح ومنافسة ، ولا تعده يجعله قادرا على التمشي مع تقلبات الأحوال المستمرة بالسرعة المطلوبة
أقول هذا لأني أعرف جيدا أن الأمراض النفسية ناشئة عن خوف المريض من مواجهة الأمر الواقع والحقائق الراهنة . والتحليلات النفسانية تدلنا في كل حالة نخللها على أن خوف الشخص هذا يؤدي إلي محاولته الهروب نخلصا من المأرق الذي يجد نفسه فيه ، عوضا عن ان يجابمه ويقف أمامه وجها لوجه . ومحاولة الهروب هذه تتخذ صورة حالة مرضية ؛ تمثلا إذا أجبرت بنت على زواج رجل تكرهه ولأسباب نسبيا لا تقبله ، فإنها تواجه هذا الموقف بإحدي الطرق الأتية : إما أن نتحدي هذا الزواج وتقف أمامه معارضة وترفضه بشجاعة ، مهما كلفها ذلك ومهما كانت نتجته ، أو أنها تحين لأنها لا تأنس في نفسها المقدرة على مثل هذا الموقف ، وفي هذه الحالة قد يخلق عقلها مرضا عصيبا يكون حائلا بينها وبين هذا الزواج تخلصا من هذه الورطة . أو أنها تقبل ذلك الزواج متضررة وتغش نفسها على أمل أن تعتاد تدريجيا بعد الزواج على قبول من ترفضه الآن ، فإذا هي فشلت بعد الزواج في محاولتها ، وهذا ما يحدث غالبا ، فإنها تتعرض لأن تصاب بأمراض نفسية واضطرابات عصبية مختلفة ومتفاوتة الدرجات . فالطريقة الأولى هي طبعا طريقة صحيحة سليمة العاقبة ، بينما الطريقتان
الأخير كان تتضمنان هروب البنت من الأمر الواقع تخلصا منه بدون اي تدبير متعمد ، وذلك عن طريق ما نسميه العقل الباطن أو اللاشعور . وإليكم حالة إيضاحية :
استشارتي قريبا أحد الأباء في أمر ابنته التي تبلع من العمر ١٦ سنة ، وهو رجل ذكي محترم ، لكنه محافظ بل رجعي - وإن كان قد علم ابنته تعليما حديثا - أصيبت هذه البنت فجأة بنوبات دوار وإغماء شديد وقئ مستمر حال دون تغذيتها ، فاعتراها الضعف والهزال حتي أصبحت هيكل عظام لا تقوي على الوقوف بل ولا الجلوس في سريرها ، وفشلت محاولات كثير من الأطباء في علاجها . ولما فحصت تلك البائسة لاحظت على وجهها علامات القلق والاضطراب النفساني والرعب الشديد ، ولم أجد بأعضاء جسمها مرضا بيرر حالتها ، فواجهت والدها بقولي : " إن ابنتك لابد أن تكون قد خطبت حديثا لرجل لا تميل إليه ، وهذا أمر توقعته ورجحته ، ولم أسمعه من المريضة " فلم يرتح الولد لسؤالي ، ولعله اعتبره تدخلا مني فيما لا يعنيني وأجابني متضررا بأن ابنته قد خطبت حقيقة لرجل مسن وله أولاد من سيدة أخري ، إلا أنه رجل طيب القلب ذو جاء ، أما عن ميل أبنته لهذا الزواج فقد قرر أن هذا أمر لا يعنيها هي ، بل من خصائصه هو ، وأنه لذلك لم يستشرها فيه ، فنصحته بأن يقول لوالدة المريضة أن تهمس في أذنها بأن هذه الخطبة قد فسخت ، ولم يمض يوم واحد على ذلك حتى وقف القئ وابتدأت ال البنت تأكل وزالت نوبات الدوار والإغماء بغير احتياج إلي تعاطي أي دواء !
يتضح جليا من هذه الحادثة كيف أن مظهر المرض النفسي اتخذ شكل مرض جسمى ، وكيف انه كان وسيلة تحايل ابتدعها عقل البنت الباطن دون ان تشعر به أو تدركه ليخلصها من المأزق الذي فرض عليها فرضا ، فالبنت حين عجزت عن ان تجابه الامر الواقع والحقيقة
الراهنة حل اللاشعور مشكلتها بالهروب إلي حالة مرضية ، أنالتها ما تريد ، وهو عدم وقوع هذا الزواج ، ولكنها في سبيل ذلك دفعت ثمنا غاليا هو إصابتها بالمرض العصبي
وسنة الطبيعة واحدة لا تتغير فهي " كافح أو اهرب " وهي سنة تجري على الإنسان والحيوان على السواء . وليس من السهل شرح الطرق المتعددة التي يسلكها العقل في سيل هروبه هذا ، فكثيرا ما تكون الطرق معقدة وملتوية ، ويكفي ان القت النظر وانبه بقوة إلي ان السبب الأساسي في الأمراض العقلية والنفسية والعصبية هو عدم مقدرة المريض على تكييف نفسيته وفقا لظروفه واحواله الصعبة ، إما لصعوبة ظروفه او لضعف في نفسيته ، ومن ثم خوفه من مجابهة مشاكله ، فيهرب منها تفاديا من الحرج
لنأخذ الآن نوعا من الأمراض العقلية لنظهر اتباعها لنفس السنة ، وليكن ذلك النوع الذي يزداد انتشارا عندنا في السنوات الأخيرة وهو " العته المبكر أو جنون الشباب " ، يكون المريض به عادة منذ طفولته هادئا مؤدبا ، مطيعا لوالديه ومؤديا لواجباته ، خجولا قليل الاختلاط بالغير ، ميالا للعزلة ملازما لوالديه قلما يبارح المنزل ، لا ينقصه الذكاء بل ربما يكون متفوفا على أقرانه في الدراسة ، ولذا تجده محبوبا من والديه أكثر من إخوته الأشقياء مفضلا عنهم ، يمدحونه ويدللونه ويعدونه مثالا للطيبة ، ومن طباعه التي تلاحظ عليه أحيانا أنه عنيد فإذا صمم على شيء ما تشبث بفكره واستحال تحويله عنه ، ويكون تصرف والديه في الغالب مشجعا له على التمادي في خطته ( ولهم بعض العذر في ذلك لأنه عندهم مثل الطيبة ) وذلك لجهلهم حقيقة حاله ، بل قد يصعب عليهم إدراكها وتصديقها حتى بعد أن تشرح لهم ، وذلك أن علامات الطبية هذه التي يلاحظونها في ابنهم ويشجعونها فيه إن هي إلا علامات مرض عقلي . فيه . فهدوؤه وميله للعزلة دليل على انسحابه من عالم الحقيقة
الذي يهابه ويخشى ما يقتضيه من كفاح ، وتجده في سكونه وعزلته يبني لنفسه تدريجيا عالما خياليا تتحق فيه اماله العظيمة التي تعجز نفسه عن تحقيقها
وتزداد نفسه على مر الأيام طموحا لأن العلم يشجعه على ذلك ويزينه له والأهل يدفعونه إليه ، وتزداد في الوقت نفسه صعوباته وعقباته في سبيل النجاح ، فيزداد انسحابه من عالم الحقيقة وتكثر أحلامه ، ويهرب تدريجيا إلي حالة المرض التي يجد فيها خلاصه وتعزيته ، حتى إذا بلغ سنه بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين صار عرضة إلي أن أي صدمة نفسية عنيفة أو مجهود عقلي زائد أو مرض جسمي شديد يسبب له الإصابة بمرض العته البكر ، بل قد يصيبه هذا المرض ، ولو لم تنشأ هذه الأسباب وتصبح أحلامه وخيالاته حقائق يعتقد فيها ويؤمن بصحتها ، فنراه مثلا يعتقد أنه ملك أو وزير أو ثري أو نبى . الخ ، ويري رأي العين ما لا وجود له ، فمثلا يري أنه موضع تكريم الناس وتبجيلهم ويسمعهم يمتدحونه أو يعتقد أنهم يغارون منه ، ويراهم يضطهدونه ويحاربونه ويسخرون منه ، ويسمع أصواتهم تشتمه أقبح الشتائم الخ أي أن هذا المريض يصير في حالة حلم ويعيش تبعا لهذا الحلم دون أن يشعر بأنه مجرد حلم ، وبذا يكون هروبه من الحقيقة هروبا تاما
إذن فالأمراض العصبية والأمراض العقلية - على الرغم من اختلافها اختلافا كبيرا - متشابهة في طريقة تكوينها ونشأتها ، غير ان الهروب من الحقيقة الراهنة في حالة الأمراض العصبية يكون هروبا جزئيا يظل معه العقل صحيحا سليما ، بينما يكون الهروب في حالة الأمراض العقلية هروبا كليا كاملا تزول معه حالة التعقل . وإذا امعنا النظر قليلا وجدنا أن المريض يبدو عليه في الحالة الأولى أنه يحاول ان يضلل غيره ، ولكنه في الحقيقة يحاول ان يغش نفسه . والفرق بين المرضين قد لا يدركه كل إنسان لأن
معظم الأمراض العقلية ، إن لم يكن كلها ، يظهر في البداية فظاهر وعلامات الامراض العصبية ، ولا يستطيع ان يمتز بين النوعين إلا الطبيب الإخصائي ، ولهذا السبب تختلط تلك الأمراض على الناس ويخشى كل مصاب بمرض عصبى من أن مرضه سينتهي به إلي مرض عقلي ، وهذا خطأ محض ، فان الأصابة بالمرض العصبي تكسب المريض في الغالب مناعة تحصنه من الإصابة بالمرض العقلي
ويصح أن يقال بوجه عام إن المريض بمرض عصبي أو مرض نفسي يظل إلي حد كبير متصلا بالحقيقة الراهنة ، شديد الرغبة في التوفيق بين نفسيته والظروف المحيطة به ، على الرغم مما يجد في ذلك من صعوبة كبيرة تنشأ عن نزاع نفساني داخلي ، ويكون على إدراك تام بأعراض المرض عنده مجدا في الخلاص منها ، فيتلهف على العلاج ويعاون الطبيب المعالج ، ويسعى لتجربة جميع الوسائل التي يسمع عنها ويرجو أن تحقق له الشفاء . وعلى عكس ذلك تماما يكون المريض بمرض عقلي ، إذ انه يفقد الصلة بالحقيقة الراهنة ولا يستشعر رغبة في ان يوفق بين نفسيته والظروف المحيطة به ، وتظهر عليه اعراض المرض في صورة معتقدات وتصرفات مختلة لا يشعر بغرابتها ، ولذا لا يمكن تحويله عنها بالحجة ، كما أنه لا يقتنع بأنه مريض ، ومن ثم يكون علاجه صعبا لأنه إذا حاول الطبيب معالجته فلا يعاونه أقل معاونة
والاضطرابات النفسية والأمراض العقلية كثيرة الأنواع . وهناك عدة اسباب تعمل معا ، ويكون من شأئها اصابة الشخص بأحد تلك الامراض ، وقد شرحت فيما سبق السبب الأساسي الذي يجعل الشخص مستعدا لتلك الإصابة إذا ما صادفته في حياته بعض الأسباب الآخري ، مثل الأمراض الجسمية المتعددة والمجهودات العقلية والانفعالات الشديدة التى يتعرض لها الإنسان عندما تحل " كارثة أو بصيبه الفشل . وهذه الأسباب تعترض جميع الناس في
حياتهم ، لكنها لا تسبب الأمراض العصبية أو العقلية لهم جميعا . وإنما يصاب بها من الناس من تولد عندهم الاستعداد لها كما تقدم
ولكل مرض من تلك الأمراض أعراض خاصة وشكل بتميز به عن غيره . وشرح هذه الأمراض وأعراضها وكيفية نشأة كل منها ونموه بالتفصيل أمر لا يعنينا في مقال كهذا . لكن هناك أعراضا أساسية سائدة فيها جميعا ، يصح أن نقول كلمة عنها إتماما للفائدة ، فمن أهم هذه الأعراض أن المريض يكون مترددا في أعماله - يفكر كثيرا ويعمل قليلا - يكون خائفا على الدوام من أن يقدم على عمل فيخطي فيه أو يلام عليه أو يفتقد من أجله . ولما بتردد ولا يتخذ قرارا نهائيا في أي موضوع كان مهما كان تافها وإذا اتخذ يصعب عليه تنفيذه خوفا من المسئولية ومن كلام الناس ونقدهم ، يتوقع دائما حدوث الكوارث وحلول المصائب والأمراض به وعن يحبه ، حتى وإن كان يدرك جيدا أن ما يتوقع حدوثه غير معقول ، ولا يجد لمخاوفه تلك أي ميريز ، وإنما هو مجرد شعور بحس به ويضطرب له ومثل هذا المريض قد يكون سليم التفكير صحيح العقل بل ذكيا ونبيها ، غير أننا نجده بنقاد لشعوره وإحساسه وانفعال لانه أكثر مما ينقاد المنطقه وتفكيره السليم
واستيلاء الرعب والخوف عليه يزيده تفكيرا في نفسه ومرضه واشتغالا بحالته فيقل إنتاجه العملي ، ويشعر دائما بالتعب والضعف والعجز عن العمل ، فيصبح ضحية قوته التي تتصرف كلها لتعذيبه بالتفكير في ناحية واحدة تدور حول نفسه ومرضه ، تلك القوة التي لو انصرفت كلها او بعضها لتأدية عمل منتج لاراحت نفسه وبعثت فيها الثقة بمقدرتها ، وعند ذاك تتلاشي مخاوفه ويقف تردده فتزول الأعراض الآخر التي تصحب مرضه وتعذبه ويسير في طريق الشفاء
ويستنتج مما تقدم ان طبيعة الخوف ، وعدم الثقة بالنفس ، تكونان كامنتين في نفس المريض حتي ولو كان ظاهره يدل على عكس ذلك ، وتتجلي طبيعته وتنكشف حقيقته عند يا تهيا ظروفه لذلك ، ومثل هذا الشخص يكون استعداده لتفك الأمراض كبيرا ، وكذلك يكون الشخص الذي لم يعود نفسه مواجهة الحقائق بشجاعة ، فلما أن يقهرها ويفوز وإما أن تغلبه فيرضخ لها ويكيف حياته تبعا لنتائجها ، غير مستشعر خيبة الفشل ولا ضائق به صدرا ، ومن هنا يظهر اثر المنزل ونقلام الاسرة في الإصابة بتلك الامراض ، فان الطفل الذي ينشأ على الحرة والأقدام ومواجهة الحقائق بشجاعة وحلها حلا معقولا حاجما بغير خوف ولا تردد ، مثل هذا الطفل يشب رجلا اقل استعدادا لتلك الأمراض والاضطرابات وأكثر مقاومة لها
وليست تنشئة الطفل على تلك الصفات بالأمر الهين ، فهي تتطلب من الوالدين حذرا في سلوكهم نحو بحيث تكون معاملتهم له متفقة مع قواعد التربية وفي تصرافتهم ومعاملاتهم على مراي ومسمع منه . فأساليب التربية التي يستخدمها الوالدان ، ومن عهد إليهم بتربية الطفل معهما ، يجب ان تكون مشجمة له على الاعتماد على نفسه ، والاستقلال في لعبه ، والابتكار في اشغال البدوية ، فتستغل فاعليته (acthity) أكبر استغلال . كما أن الجو العائلي الذي يعيش فيه يجب أن تسوده المحبة والوفاق والهدوء ، ذلك لان معيشة الطفل في وسط الخلافات والمشاحنات المستمرة تجعله عرضة للاضطرابات النفسية وترسم في مخيلته صورا قد تكون لها اسوا الآثار في تصرفاتة المستقبلة ، وفيما قد يصيبه وهو كبير من امراض عصبية أو عقلية
