الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 385الرجوع إلى "الرسالة"

الانتحار

Share

سيدي الأستاذ الجليل رئيس تحرير مجلة الرسالة الغراء: يبالغ بعض الكتاب مبالغة غير معقولة في التنويه بما بين  الانتحار وبين المشاعر السامية من صلات، حتى لقد قال أحد  الشعراء العصريين:

وحدثت نفسه عيسى بقتلهما ... وكاد أحمد يقضي غير مذكور

وفي أعداد الصحف الأخيرة رسائل لكثيرين من الأدباء  ينظرون فيها إلى الانتحار كأنه بعض فضائل المنتحر، وذلك  بمناسبة انتحار أدبيين من أدباء الإسكندرية شملتهما رحمة الله.

ولقد نشرت كبرى الصحف اليومية أن أحدهما لم يمت منتحراً  بل كان يجرب مسدسه فانطلق. والقول منسوب إلى رجال من  أسرته في الذروة العليا من المجتمع المصري الكريم.

وسواء أكان ذلك أم كان غيره فإن الفاضل فاضل والنابه  نابه بسبب أعماله وأقواله الطيبة لا بسبب انتحاره، والانتحار  إن كان سبباً للإشفاق والرثاء، فما يصلح أن يكون سبباً للإعجاب  ولا يجوز اعتباره عذراً عاذراً

ينسب إلى أحد الحكماء قول أظن الحكمة في عكسه.  وهذا القول هو أن الناس لا يموتون بل ينتحرون، وهو يعني  أن الموت الطبيعي إنما يكون نتيجة لخطأ

وأحسب القول الصحيح أن المنتحرين لا ينتحرون بل  يموتون، لأن الانتحار لا يقع إلا والمرء مسلوب الحيوية فاقد  التدبير فهو في حكم الميت حين اختار لنفسه الموت

على أن العرف لا يقف عند هذا الحد من تقديره، وبعض  القوانين تنظر إليه نظرة أقسى

ومهما تكن النظرة إليه فإن التغاضي عن استنكاره يوشك أن

يكون أذى لطائفة يبلغ بها العجز مبلغ التفكير في الانتحار للكاتب في نجواه أن يجامل أفراداً ولكن عليه ألا ينسى أن  المقال المنشور موجه إلى سواد القراء لا إلى نفر من الأصدقاء  والأهلين، وأن المقال المنشور يجب أن يصف شعور الكاتب  نفسه نحو الحياة لا شعور من فارقوا الحياة نحوها

فإلى الذين قرءوا كلمة الأديب عبد العزيز سالم في العدد  الأخير من الرسالة بعنوان   (الأدب والانتحار)  تلك الكلمة التي  تعقد العلة بين الأدب وبين الانتحار وتحذر الأدباء من هذا  المصير، إليهم أقول:  

يا شاكياً عنت الدنيا وقسوتها ... دع لي الشقاء ودع لي فسحة الأجل

وإليهم أقول:

لو مدَّ عمر الكون في عمري ... لرميت هذا العمر بالقصر

وإليهم أقول:

انشق نسائمها فلم يك راحل=عنها لينتشق النسيم عليلا

أسأل الله أن يطيل أعمارهم وعمري وأن يهبنا التدبير  للخروج من المآزق من غير هذا الطريق، ولا أسأل الله رد القضاء  ولكني أسأله اللطف فيه

اشترك في نشرتنا البريدية