الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187الرجوع إلى "الرسالة"

الانسان، فى الأدبين العربى والانجليزى

Share

إذا ما استقر الإنسان فى موطن آمن ، وارتقت عقليته لم يعد يكتفى بتوفير حاجاته الجسدية واتقاء قوارع الطبيعة ، بل بدأ يفكر فى نفسه ومنشئه وغايته، لم يعد يكتفى بقبول الحياة على علاتها ومداراة غوائلها ، بل راح يتساءل عن ماهيتها وغايتها وما بَعدَها ، وأجاب عن تساؤله ذاك بما تتيح له عقليته البدائية من تفسيرات فطرية ، بعضها صادق وأكثرها وهمى ؛ ثم ما يزال كلما ترقى فى مدارج الفكر يعاوده الشك من حين إلى حين فى تلك التفسيرات ، ويثور على عقائده المتوارثة ، ويتناولها بالتعديل والتهذيب ، فيكون من ذلك الدين والفلسفة

ويشارك الأدبُ  الدينَ والفلسفة فى التعبير عن تأمل الإنسان فى نفسه ، وتساؤله عن نشأته ومصيره ، فيحفل الأدب شيئا فشيئاً بآثار تفكير الانسان فى الحياة والموت، وافتخاره بقوته وسيادته ، وجزعه من ضعفه وقصور حيلته ، واعتدَاده بمبتدعاته فى مجال العلم والفن والصناعة ، وارتياعه من تضاؤل آثاره تلك جميعاً إزاء قوى الطبيعة وأبعاد الكون ؛ وتصطبغ تأملاته تلك فى عالم الأدب بصبغة البشر والتفاؤل حينا ،وبصبغة التشاؤم والقنوط حينا ، حسب ما يسود المجتمع من عوامل الحيوية والثقة بالنفس والاقبال على أسباب المتعة والحبور ،أو دواعي الاتخذال وسقوط المهمة وفتور العزيمة ، وحسب ما يخالج الأديب الفرد من بشر ملازم أو طارىء ، وتشاؤم مصاحب أو عارض .

فتأمُّل الانسان فى نفسه ، وتساؤله عن مكانه فى الكون ، واهتمامه الدائب بسبر قواه و امتحان قدرته واستكناه غاياته ومراميه ، كل هاتيك من أظهر ميزات المجتمع المتحضر والأدب الحي . وقد كان ذلك الاهتمام الملِحّ بالانسان: قواه وطباعه ومواطن ضعفه ، ومفاخره ومعايبه ومصائره ومطامحه ، من أبرز

ظواهر الحضارة الاغريقية وخصائص الأدب الاغريقى والفنون الاغريقية ، ففيها تنويه بالجمال الانساني وترسم بالبطولة الانسانية ، وفيها بجانب ذلك عرض لنقائص الانسان ومغامزه ، وفها إشادة بما تمهد له الحياة من أسباب المجد والابتداع والتمتع والسرور ، وتصوير لما تفرضه عليه من هوان وصَغر وقهر وآلام ، وما تبسط له من فجاج الحرية وماتكبله به من مشعبات القيود وليست مواضيع الدرامة اليونانية المتعددة فى صميمها إلا موضوعا واحدا: هو اصطدام مطامع الانسان بصرامة الأقدار

ولحفول الأدب الاغريقى على ذلك النحو بدراسة الانسان ، سميت الآداب الاغريقية أو الكلاسية عامة منذ عهد النهضة الأوربية " بالانسانيات "، فان الاطلاع عليها لم يكن كشفا للعالم القديم فقط، بل كان كشفا للنفس الانسانية ذاتها ، تلك النفس التي كانت قد أهملت فى العصور الوسطى أشد الاهمال ، وازدريت شر الازدراء ، بتأثير الكنيسة التي ذهبت فى تضليل العقول مذهبا بعيدا ، فزعمت الانسان شريراً خاطئاً بالطبع ، وعلمت الانسان أن فيه نزعة من الشيطان ، لايذهب مسها عنهم إلا العصا فى الصغر، ودوام التندم والاستغفار فى الكبر . وهكذا عكست الكنيسة بجهالتها غاية الدين الذى لم يأت إلا لتوطيد ثقة الانسان بنفسه وتمكين اعتقاده بحاضره ومستقبله ، فلا غرو خمد الأدب فى تلك العصور ، إذ لا أدب ولا حياة إلا حيث للإنسان ثقة بالانسان

وقد ورث الأدب الانجليزي فيما ورث عن الأدب الاغريقى تلك النزعة الإنسانية ، وحفل كما حفل أدب اليونان بتمجيد الإنسان من جهة ، والأسى لتلاعب الأقدار به من جهة أخرى : فمواضيع روايات شكسبير الكبرى كهملت وعطيل وما كبث هى مواضيع الدراما اليونانية فهى تدور حول أبطال أو عظماء نالوا من المجد وشرف المحتد وفضائل الشجاعة والقوة والعقل شأوا عظيما ، ولكن كل مزاياهم تلك تذهب هدرا من جراء مغامز فى شخصياتهم تتسلل منها أصابع القدر إلى سعادتهم فتنغصها، وإلى مجدهم فتثله ، ورواياته بجانب ذلك تعج بشتى الدراسات للطبائع الإنسانية ، التى تثير الروعة والإكبار تارة , والشفقة والأسى مرة ، والاحتقار والاشمئزاز حينا ، والسخر والضحك طورا .

وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث فى الأدب الانجليزي ألفينا نفس ذاك العراك المستمر بين النفس الإنسانية الجادة فى تحقيق مطالبها ومطامحها ،وإثبات شأنها وخطرها ، وبين القدر الصارم .

القوانين السادر فى جبروته . لم يزد بعد تقدم العلم وتذليل قوى الطبيعة إلا تجسما واستفحالا . وقد نقله هاردى من عالم الرواية التمثيلية التى تدور حول الأبطال والملوك ، إلى القصة المقروءة التى تدرس المجتمع العادى ، وتتناول أوساط الناس ودهماءهم ،وليست " تس " الفقيرة إلا نظيرة " أوفيليا " المنعَّمة ، ولا " يهود المغمور " فى طموحه إلى القوة إلا قريع "مكبث " المشهور فى تطاوله إلى العرش : مطامح إنسانية ، وآمال فى المتعة والسعادة ، وأقدار ماضية تعترضها وتبطش وهي عمياء بطش جبارين

وقد كال الموت ولن يزال عدو الانسان اللدود ، وبلاءه الأكبر ، واللعز الأعظم الذي استغلق على فهمه ، ووقف له بالمرصاد كأ نما يسخر من كل ما يبنى وما يجمع ، ويتهكم بكل ما يأتى وما يدع ، ويقنعه فى ذروة نجاحه ومجده وسعادته بعبث سفيه وإدراكه ومن ثم امتلأت الآداب بذكر الموت وصولته وإزرائه بالحياة والأحياء ، وإتيانه على الجبابرة ، وتسويته بين العلية والسوقة ، وبين العالم والجاهل ، وتمزيقه شمل الألاّف ، وتعفيته لآثار السرور والفوز بوصل الأحبة ، وعبثه بحور العيون وبياض الأجياد والنحور . وقد تفنن الخيام فى رباعياته وفى صوغ هذه المعاني وتحليتها بالصور الفاتنة المنتزعة من الطبيعة ومن الجمال الانساني ، ومن مجالس الصفو والشراب

وبجانب الموت تمثلت الرهبة لعينى الانسان في مظاهر الطبيعة  الرائعة، وقواها المصطرعة، وفجاجها المترامية، ومخلوقاتها  المقتتلة في سبيل الغلب والبقاء، وصممها عن آلامه وأشجانه،  وغفلتها عن أفراحه وأتراحه، ومضيُّها على عاداتها حسُنتْ به  الحال أو ساءت، وخلودها على رغم فنائه، وطيها جيلا من الناس  بعد جيل ،فامتلأ الأدببذكر ذلك كله. ومن جميل أمثلته  مقطوعة هوجو "الطبيعة والانسان" التى يقابل فيها بين شباب  الطبيعة وشيخوخته ونضارتها وجفاف عوده، وبقائها ووشك  ذهابه، ويتنبأ بقيام جنازته بين معالم أعيادها، وبمضيه غير ماسوف  عليه منها، ولا محسوس فقدانه.

وقد كان شكسبير معنيا بالموت موكلا بالتفكير فيما بعده ، يُنطق بذلك أبطاله كهملت ، الذى يتأمل فى الموت فى خلو ته ، ويؤم المقابر حيث يرى الحفارين يعبثون بالجماجم وحيث يشهد دفن حبيبته فى ريعانها . ولا يمل شكسبير ذكر الموت والبلى ،

حتى في شعره النسيبى ، الذى يتسم لذلك بمسحة الحزن والكآبة . ولشيرلى مقطوعة رائعة فى الموت سارت بعض أيياتها مسير الأمثال ، وهى تطابق فى شتى المواضع معانى رباعيات الخيام . ومن أحسن أشعار التأمل فى الموت فى الانجليزية قول كيتس ، وقد كان لضعف بنيته مايزال متمثلا شبح الموت: " حينما يخامرنى الخوف من أن أقضى قبل أن أجنى كل تمار عقلي الوافرة ، وقبل أن تحويها الكتب المكدسة كما تحوى البيادر المحصول الناضج ؛ وحينما أشاهد على وجه الليل المرصع بالنجوم رموزاً من الغمائم لرواية تجرى فى علْو ، وأذكر أنى ربما لا أعيش حتى أرسم ظلا لها بيد الالهام السحرية ؛ وحينما أشعر يا جميلتى الوشيكة المضىّ أنى لن أراك بعدُ ، ولن أنعم بتلك القوة الساحرة : قوة الحب الأعمى ، عند ذلك أقف وحيداً على شاطئ الدنيا الرحيبة ، وأفكر حتى يصير الحب والمجد هباء "

- وتمثلت رهبة الطبيعة لأدباء الانجليزية فى البحر وهياج أوادّيه واصطخاب عواصفه ، واطراد ثورته وبعد غوره . ومن روائع آثار الشعراء فى هذا الصدد أبيات تنيسون التى نظمها وقد قصد البحر مفكراً مهموماً ، يبغى العزاء عن فقد صديق له حميم ، ومنها قوله: " تكسر أيها البحر على صخورك الباردة الكالحة ، وطوبى لابن الصائد إذ يتصايح هو وأخته لاعبين ، وتمضى الجواري المنشآتُ إلى مرافئها بسفح التل . ولكن من لى أنا بمصافحة تلك اليد التي غابت، وذلك الصوت الذى سكت". واستعار شلى رحب البحر وشدة أسْرِه وصرامة صروفه ، للتعبير عن صرامة الزمان وبطشه بالانسان . قال يخاطب الزمان: " أيها البحر الذى لايُسبر غوره ، والذى أمواجه السنون ، والذى قد غدت أواذيه أجاجا . من ملح دموع الانسان ، والذى يطوى في مده وجزره أطرافَ الإنسانية، ويبشَم من فرائسه وإن يكن ما يزال يعوى طلباً لسواها فيلفظ بقاياها على شطوطه غير الكريمة ولا الوثيرة "

واسترعت تفكير الأدباء أحوال المجتمعات التي رضيها الانسان لنفسه مُقاماً وما يداخلها من نقائص لا يخلو من بعضها مجتمع أو جيل ، وما فى بعض أنظمتها من تقييد للحريات وهضم لحقوق بعض الأفراد أوالطبقات ، فنددوا بتلك المساوىء ونادى بعضهم بإصلاح تلك المفاسد التي تهبط بالانسان عن رتبته التى هو جدير بها فى الكون ، وتعترض سيره إلى ماينشده من كمال ؛ فكان منهم رَادةُ حركات النهوض والاصلاح ؛ يل نادى بعضهم

بفض المجتمع والعودة إلى الطبيعة. وبمثل تلك الكتابات  الاجتماعية تحفل كتابات فلتير وروسو. وقد كانت هذه النزعة  ضئيلة المظهر في الآداب القديمة؛ أما في الآداب الحديثة فهى  تتعاظم وتشتد جيلا فجيلا. فالنقد الاجتماعي والحض على  الاصلاح غرض حديث من أغراض الأدب يضارع غرضه  القديم من التعبير عن الجمال والافصاح عن الشعور الفردى

فالتفكير فى شأن الإنسان ماضيه وحاضره ومستقبله من                                                         مميزات الإنسان المتحضر المثقف، وهو لا يكف عن هذا التفكير                                           طوال حياته؛ ولا تزال أشباح الماضي والمستقبل والحياة والموت                                        ماثلة أمامه؛ يكوّن لنفسه فى شأنها فلسفة تختلف عمقاً واتساعاً                            وإقناعاً، وتختلف فى مدى قربها من اليقين والجزم، أو قيامها على                                 الشك والرفض. على أن هذا التفكير الإنساني يفرض نفسه                                    فرضاً شديداً على كل أديب أو كل مثقف أو كل إنسان، فى فترة                      خاصة من فترات حياته، بل أزمة من أزمات وجدانه، يشتد                                   فيها تفكيره فى نفسه وبنى جنسه، ويحفزه إلى التساؤل والثورة                                 على الحياة الإنسانية حادث نفسانى يؤثر فيه أثراً عميقاً: من                               خيبة أمل أو إخفاق حب أو موت عزيز، فتتَّسم آثار الأديب                                 فى تلك الفترة بالتمرد والتشاؤم والكآبة؛ وقد يحاول إصلاح                               العالم دفعة واحدة ويدعو الناس إلى حياة جديدة تصورها له                                 أحلامه، ثم ما يلبث أن تخلف الحقائق المتحجرة ظنونة وتثبط                                       هياجه وتروض جماحه، فيُعدل حياته بما يلائم ظروف الحياة                          الإنسانية البطيئة التغير الوئيدة الخطى، فتعود آثاره الأدبية مشرقة                                بالبشر متغنية بمباهج الحياة بدل الامعان فى التفتيش عن معايبها

ولسريان الحيوية فى دماء الشعب الانجليزى وغلبة التفاؤل علي أمزجة أبنائه ، كان أدباؤه إذا راعتهم نقائص الحياة الانسانية وشرورها ، وأحزَنهم ضعف  الإنسان وشقاؤه ، لم يلبثوا أن يتحولوا عن ذلك الجانب الأسود من الصورة إلى جانبها الأبيض ، ويطلبوا العزاء بما فى الحياة من جمال عما فيها من قبح ، فيشيدون بمقدرة الانسان على الجلاد وبراعته فى الابتكار ، وبطولته وماضيه الحافل بالعظائم ، ويترنمون بمفاتن الطبيعة وما يصيب الانسان عندها من رخاء بال وراحة نفس ، ويطلبون السلوى قبل كل شىء بممارسة فنهم الذى يصور تلك الحياة ويحكيها حكاية

تروى من نفوسهم مالا ترويه الحقيقة الواقعة ، يصور آلامها تصويراً يخفف وقع تلك الآلام عن نفوسهم ، ويحكى مفاتنها ونعمها التى فاتتهم حكاية تشفي صدورهم . فتمثيل الأديب للحياة فى فنه يشعِره كأنما قد أحاط بتلك الحياة وتمكن من أعنتها ، ويكسبه ثقة بنفسه وإيمانا بقدرته على الابتداع والاتيان بجديد من عنده .

فتنيسون حين فقد صديقه الحميم سالف الذكر توفر على إنشاء قصيدة طويلة فى ذكراه، ولكنها لم تقتصر على ذكراه بل امتدت إلى شتى نواحي الحياة وشملت نظرته العامة إليها ؛ وشكسبير حين مرت به أزمته النفسية الكبرى باخفاق آماله فى الحب والصداقة ، نفّس عن صدره بمآسيه الكبرى ، وفيها لا نرى الانسان ألعوبة عاجزة فى يد الأقدار ، بل نرى من آثار بطو لته مايملؤنا روعة ويُبقى أمامنا نور الأمل؛ وورد .زورث حين تبددت أحلامه فى المجتمع الانساني الفاضل الذى خال الثورة الفرنسية منجلية عنه ، مرت به غيمة قنوط عابسة لم يقشعها عنه إلا تَعزّ يه بمحاسن الطبيعة وقضائه الوقت متفيئا ظلالها مصوراً آثارها فى شعره . وفى عبادة الجمال الطبيعى والانسان كان كيتس بجد مفزع روحه بما يتكنفه من بأساء الحياة وما يمض عيشه من فتكات الداء

ومن أبدع الأشعار التى تعرض جانبى الصورة ناصعهما                                    وحالكهما، وتجسم ضعف الانسان وفناءه، وتمجد قوته                                  وعبقريته، مقطوعة شلى المسماة " أوزيما ندياس المصرى" وفيها                                   يقول:" قابلت مسافراً من أرض قديمة قال: تقوم فى الصحراء                    ساقان من الحجر ضخمتان عديمتا الجذع، وقد ارتمى بجانبهما                              وجه مهشم يكاد يغور فى الرمال، تنطق تقطيبته وشفته المعوجة                   كبرياء وعظمة هادئة، بأن المثَّال قد أجاد قراءة تلك الصفات                  التى ماتزال حية مطبوعة على ذلك الحطام الجامد،وقد فنيت اليد                        التى صورَّتها والقلبُ الذى غذاها، وقد لاحت على القاعدة هذه                                 الكلمات: اسمى أوزيماندياس، ملك الملوك. انظروا إلى آثارى                  أيها الجبابرة وأَقِروا يائسين، وليس بجانب ذلك شئ باق، قد          أحاطت بذلك الحطام الهائل المهدم رمال موحشة منبسطة جرداء                        تمتد إلى مالا نهاية"؛ فهنا وصف شائق أخاذ لعظمة الملك وبراعة                          الفنان، وتصوير رائع لسطوة الموت وبطشة الفناء

وفى الأدب العربى نرى تزايدَ هذا الاهتمام بالإنسان نشأته وأحواله ومصيره ، بِتزايُدِ حظ العرب من الحضارة والثقافة : ففى الأدب الجاهلى وفى صدر الإسلام لا نعثر إلا بالأبيات المتفرقة يتأمل فيها الشاعر فى ضعف الانسان وقصر حياته ، وتلاحق همومه , واتصال آماله برغم ذلك ، وشدة إقباله على الحياة وتغاضيه عما وراءها . وفيما عدا تلك النظرات الخاطفة والمواعظ العارضة , لا يكرث الشعراء أنفسهم كثيراً بالتساؤل فيما كان وماسوف يكون ، بل لكل منهم شأن يغنيه من حاضره ؛ فمتغزل عا كف على هواه مترنم بليلاه ، ومفتخر يشيد بمجد نفسه ومكان قبيلته ، ومداح مجتهد فى استدرار صلات الأمراء ، وهجاء ممعن فى إثخان غريمه . ومما أثر عن متقدمى الشعراء فى التأمل فى حال الانسان قول القائل :

مَنَعَ البقاء تقلبُ الشمس     وطلوعها من حيث لاتمسى

وقول الآخر :

ألا تسألان المرء ما ذا يحاول ؟

             أنحب فيُقضى ؟ أم ضلال وباطل ؟

ويتزايد التفكير فى خَلق الإنسان وغايته كلما انتشر العلم والفلسفة: فترى فى شعر بشار وأبى نواس وأبى تمام من آثار ذلك فوق ما نجد فى شغر الأخطل والشماخ وجميل ، حتى يبلغ ذلك التفكير مداه بنضج العلوم والفلسفة فى القرنين الثالث والرابع ، ويبدو ذلك واضحاً فى آثار شعراء العربية الكبار : ابن الرومي والمتنبى والشريف والمعرى : لكل من هؤلاء فلسفة إنسانية منثورة فى أنحاء . شعره ، ونظرة إلى الحياة تلائم طبعه ومذهبه : فابن الرومي يرى الحياة فرصة من الجمال الطبيعى والإنسانى يجب أن تغتنم ، ومتعة للحس والروح يجب أن تباكر . والمعرى يرى حياة الناس شقاء وشراً متصلا ٠ والشريف يرى مثله الأعلى فى الفضيلة والمعالى . والمتنبى يرى الناس سواما يحرّ فيهم القتل ويحق لمثله أن يسود فيهم ويعتلى ، فلسان حاله قوله :

ومن عرف الأيام معرفتى بها   وبالناس روَّى رمحه غير راحم

كما أن جماع فلسفة المعري قوله :

فأف لعصريهم : نهار وحندس            وجنسى رجال منهم ونساء

والحق أن المعرى كان أشمل هؤلاء جميعا نظرة ، وأنفذ شعراء العريبة جميعاً فكرة ، وأشدهم شغلا بالحياة،  وعناء بأمر

الإنسان والأحياء عامة ، وتفكيرأ فى ماضى الإنسان ومستقبله ، .وتبصراً فى أحوال مجتمعاته ودياناته ، وله فى كل ذلك من مستنير الأفكار المصبوبة فى جزل الألفاظ والأساليب ما ينزله أرفع مكانة بين الشعراء المفكرين ، على ما يشوب تفكيره فى أكثر مواضعه من مسحة التشاؤم القاتم المغرق الذى هو وليد عصره المضطرب ، وحياته الكئيبة، وبنيته السقيمة ، وأعصابه المرهفة.

وفيما عدا المعري نرى أدباء العربية عامة أقل عناء بشؤون الانسان وشغلا بالحياة وغايتها من أدباء الانجليزية ؛ وهم أكثر منهم قبولا للحياة على علاتها . ورغبة فى اغتنام متعاتها والتغاضى عن سوآتها ، وأقل تمرداً ولجاجاً فى الأزمات النفسية . والأديب العربى أكثر تحدثاً عن نفسه وعاداته وآدابه ولباناته منه عن الإنسان عامة ؛ وهذه النزعة السمحة الراضية ترجع إلى عوامل أهمها طيب المناخ الذى يبعث البشر والثقة ، والإيمان الدينى . الذى بعثه الإسلام فى نفوس أبنائه وبثه فى مجتمعهم ، والإسلام أكثر تغلغلا فى حياة معتنقيه وتسرباً فى أرواحهم وتجسما فى مظاهر مجتمعهم من غيره من الأديان . هذا إلى أن الحكم المطلق لم يكن يسمح للأدباء بنقد المجتمع والنظم نقدا جريئاً، وإنما كان يروضهم على الاندماج فى ظروف الحياة المحيطة بهم ، والتعود على اجتناء خيرها واتقاء شرها ، كما قال الشاعر:

وإن امرأ أمسى وأصبح سالما        من الناس إلا ما جنى لسعيد

فلم يكن أدباء العربية يطيلون الوقوف بمهامه الشكوك ومضايق الأزمات النفسية ، بل سرعان ما كانوا يشيحون عما يطوف بهم من خيالاتها علماً بأن من أطال الفكر فى الحياة وغايتها ، والانسان ومصيره ، أقامه الفكر بين العجز والنصب ، كما قال المتنبى ، وحين كانت تطيف بهم تلك الحالات النفسية العابسة ، ويثير شجنهم وجزعهم ما يلاحظون فى حياة الإنسان ومجتمعه من نقص وشر ، لم يكونوا يتأسَّوْن كما يتأسى شعراء الانجليزية بمحاسن الطبيعة ، فقلما أعاروا محاسنها التفاتاً ،كما أنهم قلما اكترثوا لفجائعها وأهوالها ، ولو كانوا يتعزون بذكر البطولة الإنسانية ، فما يكاد يكون لها فى آدابهم أثر؛ أو بتاريخ الأمم العظيمة ، فما كانوا يذكرون من أمرها إلا غرور مشيديها وتقويض الزمان لأركانها،ولا بالتأمل فى مخلفات فنون تلك الأمم ، فما كانت توحى إليهم إلا بضعف الإنسان وبطلان مساعيه .

وقد التفت المتنبى إلى شرقى الأمبراطورية الاسلامية المترامية فقال :

أين الأكاسرة الجبابرة الأولى           كنزوا الكنوز فما بقين ولابقوا ؟

من كل من ضاق الفضاء بجيشه       حتى ثوى فحواه لحد ضيق

والتفت إلى غريبها فقال :

أين الذى الهرمان من بنيانه ؟  ماقومه ؟ مايومه ؟ ماالمصرع ؟

تنخلف الآثار عن أصحابها     حيناً ويدركها الفناء فتتبع

إنما كان أدباء العربية إذا جزعوا لضعف الانسان وقصر مدته وشرور مجتمعه ، يجدون مفزعهم من الحزن والقنوط فى " الفضيلة الاجتماعية ": فى الأخلاق القديمة التى تكسب الإنسان حسن الأحدوثة الموروث حبها عن العرب الأقدمين ، وتنجيه من شرور المجتمع الذى لا يد له يإصلاحه ، والذى لا تنال شروره عادة إلا من يستهدف لها بسوء فعله ، وتكسبه رضى ربه وتضمن له عقبى الدار . ومن ثم زخر الأدب العربى بروائع الحكم ونبيل التمدح بمكارم الأخلاق ، وهذا باب من أشرف أبواب الأدب العربى وبه يمتاز على غيره ، ومن محاسن ما فيه من ذلك قول إياس بن القائف :

إذازرت أرضاً بعد طول اجتنابه     فقدت صديقى والبلاد كما هيا

فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا      كفى بالممات فرقة وتنائيا

وقول الشريف :

لغير العلا منى القلى والتجنب                                                                                                                                                          ولولا العلا ماكنت في العيش أرغب                                                        

غرائب آداب حبانى بحفظها                                                                                             زمانى،وصرف الدهر نعم المؤدب

فالعرب كانوا منذ جاهليتهم أمة اجتماعية ذات ميل غريب إلى الاجتماع ، وفضيلة اجتماعية أصيلة ، واستعداد متمكن للتحضر والتعاون . وأن يكونوا أمة مصلحة ، يأنسون بالاجتماع ويتفاخرون بحسن الجوار وسيادة العشيرة وخدمتها معاً ، ويشتغلون بمتعات تلك الحياة الاجتماعية عن طول الندب لنقائص الحياة وشوائبها ، وطول التشكك والتحير فى منشأ الكون ومنتهاه ، وميلهم الطبيعي ذاك واضح الأثر فى شعر شعرائهم . وفضيلتهم الاجتماعية تلك هى مرجع ازدهار العمران فى كل بلد وطئوه ، حالما وطئوه ، على حين نشر الأغريق الخراب فى شرقى البحر الأبيض حين هبطوه ، واستغرقوا قروناً طويلة فى الاستقرار

وتشرب الحضارة ،

اشترك في نشرتنا البريدية