الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 272 الرجوع إلى "الثقافة"

الانسان المعجز

Share

يشغل " الإنسان " في عقول الباحثين والمفكرين مكانا محترما لايدانيه في الاحترام مكان الحيوان والنبات . وليس ذلك للكرامة الإنسانية ذاتها ، فالعلم لا يعني بالكرامة بقدر ما يتوخي الحقيقة ويبحث عن الأصول . ولكن لأن البحث أثبت إلي الآن أن مشكلة الإنسان أعوص من غيرها من مشاكل الحيوان والنبات .

والإنسان في هذه الدنيا وجد بعد ان وجدت ، وسيفني قبل ان تفني . وقد عاشت الدنيا طويلا ، ولا نعلم في أي فصل من فصول الحياة هي ، لأننا لا ندري نسبة ما عاشت إلى ما يمكن أن تعيش . وقد قيل إنها بلغت الآن من العمر ملايين من السنين ، وقد لا تزال مع ذلك في طفولتها ، وقد تكون في ميعة الصبا وشرخ الشباب ، وقد تكون أنوثتها إنتهبت من أمد طويل وأشرفت الآن على العقم ، وقد تكون قد بلغت من العمر أرذله فهي الآن عجوز شمطاء ، لكن الغيب يخفى معارف وجهها ، فهي ما تزال " الدنيا إن أقبلت أسعدت ، وإن أدبرت ولي معها الهناء .

على أن عمر الإنسان يختلف عن ذلك ، والبحث في كم ألف سنة أخري بعيش قد تناوله المفكرون . وقد عاش إلي الآن في زعم البعض مئات الالوف من السنين ، وإن كان العلم لا يسرف كثيرا في الأرقام ولا يعتد إلا بالحقائق . ومن الحقائق تلك الحفريات من عظام ومحار وأداة . وقد اثبت بعضها انه كان قبل عشرات الالوف من السنين اناس يعيشون في أوربا ، وانه كان قبل مائة سنة غيرهم أقل منهم مرتبة في البشرية ؛ لأنهم كانوا ، في وصف العلم ، على صورة الحيوان ، وإن ارتفعوا في التفكير عن مستواه ، واتخذوا من صنع أيديهم أدوات .

وقد قسم الجيولوجيون عمر الأرض إلي ازمنة ، ولا أزعم معرفة هذه الأزمنة وعصورها . ولكني قرأت أنه وجدت في الزمن الثالث ادوات ، يظن ان الإنسان استخدمها . وليست الأدوات في ذاتها بالتي تدل علي وجود

الإنسان فقد يكون الإنسان عاش في ازمنة بليي ما خلفته من حفريات من امد طويل . وفي الأشياء ما لا يدل عليه وإن كان من الممكن ان يكون استخدمه قبل ان يلم بالمبادئ الأولية لصناعة الأدوات البدائية .

والعلم على كثرة ما كد في البحث من اذهان لم يهتد إلي أصول نشأتنا " الحيوانية " ، وكل ما اهتدي إليه على سبيل التخمين هو اننا من فصيلة في عالم الحيوان كانت في مراحل تطورها الأول تحمل كل امارات الحيوانية " ، لكنها كانت اكثر استعدادا وقابلية للتقدم فتقدمت وبلغت هذا العلو الكبير الذي يتربع فوقه إنسان اليوم المتمدين ، وإن كان ما زال يحتفظ " بحيوانيته " لتأدية وظائفه الإحيائية .

وعلي كل حال فقد بات الإنسان ما بات ، وثبت أنه على رغم حيوانته خير السلالات . وقد تخصص في الحيوان ما يخدم تخصصه غرضا واحدا ، وتخصص النوع البشري فيما يخدم كل الأغراض . فالسمكة إخصائية في العوم ، والطائر إخصائي في الطيران ، والحصان إخصائي في الجري . بيد أن الإنسان قد بني بين هذه الأنواع الأخصائية أصلها وأكملها ، فهو فيها إخصائي في المخ .

والتطور الذي أشرنا إليه الآن قد كان تطورا حضاريا ، فكيف كان إذن تطوره في الخلقة ؟ إنه يقال إن حصان اليوم ذا الحافر خرج من حصان الأمس ذي أصابع الرجل الخمس . ولكن كيف انقلبت أصابع الرجل الخمس إلي حافر ؟ فهذا لم يفسره العلم إلي اليوم التفسير الشافي ؛ وكذلك الحال في الإنسان . ومهما تكن الصورة التي تدرج بها اجدادنا في تطورهم ؛ فإن الميل الطبيعي إلي الارتقاء التدريجي في الإنسانية لا يبدو جليا كل الجلاء إلا في المدة الوجيزة التي تتناول مائة ألف السنة الأخيرة . وهي الفترة التي يمكننا فيها أن نتتبع تطور الإنسان البدائي إلي إنسان اليوم المتحضر .

وقد بحث داروين ولامارك في أصل الأنواع ، لكنه لا الداروبنية ولا اللامار كية قد وضحت التوضيح الكافي كيف نشأ على سبيل المثال الهيكل العظمي للحيوانات

الفقرية من الهيكل الغضروفي المرن الذي كان لأسلافها وقد ابتكر البحث شيئا شيئا اسمه الفيتالزم Vitalismكنظرية لقوة فعالة من قوي الحياة ، وتساءل : الا يمكن ان يرجع هذا التطور من ذي أصابع الرجل الخمس إلي ذي الحافر ، ومن الهيكل الغضرفي الرن إلي الهيكل العظمي - إلا يمكن ان يرجع هذا التطور إلى الفيتالزم ، او تلك القوة الفعالة من قوي الحياة ؟

على ان البحث لم يصل في تلك المسألة العويصة إلي نتيجة تغني بحال ، وما تزال مشكلة الحياة في المشاكل التي تكتنه وقد تظل بلا جواب . لكن شيئا لا يصد الباحثين فيها عن البحث والتماس الجواب .

والذي يهمنا الآن هو نشأة الإنسان في ذاته ، أي من طريق التناسل ، ومبادئ ذلك معروفة إجمالا . فكل حيوان وكل نبات وكل إنسان قد ولده أبوان ، وورثاه صفاتهما من الاستعدادات والخواص . فالفرس تلد أمهارا ، وثمرة البلوط تنبت شجرة البلوط ولا تنبت غيرها ، والهرة لا تلد كلابا ، والكلب الذئبي لا يلد كلبا من فصيلة برنار وكذلك الحال في الإنسان .

فالأبوان الزنجيان لا يلدان إلا اطفالا زنوجا ، والأبوان الأشقران من أوربي الشمال الخلص تولد أطفالهما على غرارهما .

وهذه النشأة تثير مسألة من أهم المسائل ، وهي مسألة وراثة الاستعدادات والخواص . وقد كانت إلي عهد قريب لا تستند إلا إلى ملاحظات ومشاهدات قائمة على الاعتقاد . أما اليوم فالبحث فيها علم من العلوم . وهو في العلوم أحدثها واصغرها سنا ، وقد صادفت البحث فيه عقبات كان اعظمها ما يتعلق بالإنسان . ذلك ان الإنسان في وسعه ان يري النوعين الآخرين ويراقبهما أجيالا متتابعة ، وان هذين النوعين ( الحيوان والنبات ) ينفردان تقريبا بتوريث كافة مميزاتهما . فالآرانب البيض الخلص ذات الشعر الأملس تنجب في الجيل التالي ارانب علي غرارها ، والأرانب السود ذات الشعر الخشن تفعل ذلك ايضا ، فإذا تزاوجت هذه وتلك أنجبت أولا خليطا يجمع هذه الميزات الأربعة .

بيد أن الإنسان يختلف في هذا عن الحيوان والنبات

بأنه لا يورث ذريته كل مميزاته ، وانه يورث من المساوي أكثر من المحاسن . فقد انتهى الباحثون والأطباء من دراسة حالات مفردة في الأسرة الواحدة إلي حقائق كان معظمها يتناول استعدادات بشرية شينة تتوارثها الذرية ، كالإستعدادات المرضية والشواذ الجثمانية . فأمراض العين والصمم والدم والقلب والأمراض العقلية والقماءة وكثير غيرها من حالات المرض والانحطاط قد امكن تعقبها أجيالا عديدة في أسر عديدة تناولها الفحص

على أن أول ما جمع من الملاحظات الدقيقة قد كان في ميدان المواهب البشرية الإيجابية . وأول من شق الطريق في هذا الميدان المترامي الذي تصعب الإحاطة به فرنسيس جالتون ؛ فإنه قبل أن يوجد بحث منظم في مسألة الوراثة رتب إحصاءات لما يتصل ب ٤١٥ رجلا نابغا من صلات الرحم . وقد وجد أنه في الثلاثمائة الأسرة التي ينتمي إليها هؤلاء  النوابغ ١٠٠٠ رجل بارز ، وأن لمائة رجل نابغ في في المتوسط ٣١ أبا و ٤١ اخا و ٤٨ ابنا و ١٧ جدا و ١٤ حفيدا ذوي شأن .

وقد فهم جالتون النبوغ فهما جعله يتوقع نابغة في كل أربعة آلاف نفس عاشوا في وقت واحد . لكن ما توقعه كان أقل من الواقع كثيرا . وقد توقع في مائة الاب الذين أنجبوا مائة من المشاهير نسبة قدرها ٢٥ في الالف من من النابغة ، فكان ان وجد ١٧ نابغة . وهو فرق كبير جدا بين المتوقع والواقع ، يدل دلالة صريحة على اثر الوراثة . وقد جاءت نتائج البحث بعد جالتون مصدقة لما انتهى إليه ؛ وعزز هذه النتائج مجموعة من الملاحظات أظهرتها اختبارات الذكاء والمقابلة بين الشهادات الدراسية للآباء والأبناء مع استبعاد عنصري التعليم والتربية ، ومراعاة القوي العقلية الفطرية فحسب . وقد ظهر أن الأبناء الذين يولدون من آباء ضعاف العقول ( وهم كثير في الغالب ) هم. في كثرتهم الغالبة ايضا ضعاف عقول ؛ كما ظهر من عدة حقائق واقعة ان الوراثة في الذكاء والأنحطاط الذهني ليست بنسبة واحدة .

ومجري الوراثة في بعض الكفايات الممتازة معقد

لأن هذه الكفايات تكون أحيانا على صور مركبات أو طائفة كاملة مجتمعة من المواهب ، مثال ذلك العبقرية الموسيقية : فهذه الموهبة السامية التي تبدو كأنها وحدة لا تتجزأ ، خليقة بالتأمل الدقيق أن تتحلل إلي عدة مواهب مفردة . فالحساسية لما بين درجات النغم من تفاوت إن رفعا ، وإن خفضا ، والتأثر بالتوافق والتنافر ، والفطنة إلى تتابع النغم ، والشعور بالإيقاع - كل أولئك مواهب من مكونات العبقرية الموسيقية . فإذا ورثها عبقري موسيقى ابنا أو أبناء له مجتمعة كما ركبت فيه ، ومعها غيرها ، امكن أن يكون هذا الابن أو هؤلاء الأبناء نوابغ في الموسيقى . وأسرة باخ في ذلك مضرب المثل

وليتصور المرء كم من المواهب والخواص المختلفة يجب ان تتوفر في إنسان ليكون زعيما اقتصاديا . فالنشاط في العمل ، والمقدرة علي التنظيم ، والمثابرة العنيدة ، والاستمرار ، والإقدام الوثاب الذي يرجح الحذر الواعي في حالات كثيرة ، ليست كل ما يلزم الرجل لتجعل منه نابغة ينشئ

مجهوده الشخصي مؤسسة صناعية كبرى او بتعهد مثل هذه المؤسسة ويديرها إدارة ناجحة . بل إنه يجب ان تتوفر فيه قبل شئ تلك الملكات التي تطوع له جمع المال ؟ كالادخار ، وحسن التصرف بالأموال ، والتمييز الفطري بين ماهو جيد وما هو رديء من رؤوس الأموال ، وتحسين  فرص الكسب ، والقدرة علي الإعلان ، وإرادة السلطة والسلطان

والآن ننساءل كيف يحدث التوريث وتتم الوراثة في هذه الملكات والاستعدادات والخواص .

نحن نعلم أن كل كائن حي وكل إنسان يخلق من خلية واحدة ؛ من شئ لا يري بالعين المحردة لكن ملايينه بل بلابينه تؤلف جسمنا البشري . وهذه الخلية الواحدة المؤلفة في الواقع من خلية من ملايين الخلايا المنوية ، وأخري من الخلايا البيضية - خلايا الآنثي - تسمي خلية البيضة المخصبة أو الخلية الأولى أو اللاقحة Zygote . وهذه تستقر في الرحم وتنقسم في غشائه الواقي وسائله الغذائي إلي انصاف خلايا ، والانصاف إلى الأرباع وهلم حرا . فتتكون

أخيرا كتلة من الخلايا تأخذ هي أيضا في الانقسام كل خلية بمفردها ، فتنمو هذه المؤلفة بأسرها ، وتتكاثر وتقطع كل مراحل تطورنا الجنيني المعروف إلي ان يخرج الجنين بشرا سويا .

هذا بالإجمال ما يقع . لكنه لا تكفي في تفهمه مجرد الإشارة ، فالمعلوم أنه على أثر تخصيب بيضة الآنثي تنعزل أثناء عملية الانقسام الخلاوي طائفة صغيرة من الخلايا المخصبة في مكان تنشأ فيه فيما بعد اعضاء التناسل ، وتظل هناك دون ان تشترك في عملية التخصص العام ودون ان تأخذ هي أيضا في الانقسام . وعملية التخصص هذه هي التى تنشئ في الحسم خلايا الدم والياف العضل وانسجة العظام الخ فبينما نأخذ سائر خلايا الجنين في هذه العملية تظل تلك الطائفة الصغيرة التي اشرنا إليها محفوظة على حالتها الأصلية للتناسل المقبل وصمان استمرار جبلة النواة الجرثومية أو مادة الوراثة . وتظل هذه المادة بعيدة عن التأثر بأي تغيير يصيب الحسم ولو كان بعيد المدي . فقد تبتر ساق إنسان فلا يمنع ذلك ان يأتي أولاده إلى العالم كاملي الخلقة والأعضاء .

هذا تفصيل بعض ما يجري في ذلك العالم الصغير الذي يزحم رحم الأمومة ، فكيف يحدث انه لا يشبه الأطفال أبويهم أو بعضهم البعض شبها تاما ؟ وكيف يختلف الأخوة بعضهم عن بعض في وراثتهم لخواص الوالدين واستعداداتهما فيرث أحدهم كل المزايا ويرث الآخر كل التوافه ، وتتوزع بين الجميع صفات الايوبن توزيعا غير متساو  إذ كان مرجعه إلي الحظ وإلي الصدفة وحدها ؟

هذه وغيرها من المسائل لا يطوع لنا نطاق " الثقافة " تناولها في مقال واحد ، وقد عالجها ضمن كتاب شامل باحث ألماني فذ ، كانت فيه تمهيدا لموضوع جليل هو مستقبل الحضارة ومستقبل الفن الآلي - بل مستقبل الإنسانية جمعاء وبشر المستقبل " هو اسم هذا الكتاب الذي عارض به البحاثة العظيم جونتر جريندل  Guenthea gruendel كتاب سينجلر المشهور " سقوط الغرب " وسنعني بآرائه كلما سنحت الفرصة على صفحات هذه المجلة ؛ فهو كتاب غني بطرافته ، مدعم بالأدلة ، خال من التزويق     محمود الدسوقي

اشترك في نشرتنا البريدية