الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 125 الرجوع إلى "الثقافة"

الايمان بالحضارة

Share

نشرت إحدى المجلات الأمريكية مقالا المستر إيفور جوردان بالعنوان المتقدم رد فيه على موجة التبرم بالحضارة الحديثة ، التى تطغى على الكثيرين من الكتاب والمفكرين . ويرى المستر جوردان أن الحضارة الحديثة ليست كسبا هينا ، بحيث يبحث فى أمرها بهذه السرعة ، وبحيث يزعزع الإيمان فيها مجرد صدمة ما ، مهما تكن من العنف ؛ فالحضارة فى نظره ليست مسئولة من مشكلات العالم الحديث ، بقدر ما يسأل عن هذه المشكلات الانسان المكون من فكر وتصرفات . وهو يعلل هذه النقطة

الغامضة قائلا : " إن السيارة الفخمة الأنيقة لا يمكن أن تلقى عليها التبعة إذا ما اصطدمت بشجرة لجهل السائق " فالحضارة الحديثة التى قامت على خلاصة تفكير عباقرة سبقوا عصورهم مثل هذه السيارة . والإنسان الحاضر بتفكيره وتصرفاته التى لم يجد عليها شئ منذ منتصف القرن الثامن عشر هو هذا السائق الجاهل الذى يقود السيارة .

وينتهى المستر جوردان من هذا الحديث ليثير حربا ضد المشتغلين بالتربية وبالنفس فيقول : " إن رجال العلم ، قد خطوا بالمادة خطوات جبارة ؛ على حين أن المشتغلين بالانسان قد قصروا عن اللحاق بهم ؛ فهم لم يصنعوا بعد الانسان - أو السائق - الذى يقود هذه السيارة الفخمة الأنيقة ، ونتج عن ذلك تلك الصدمات المدمرة التى يعانيها ذلك المبتكر العجيب الرائع .

ولعلى القراء يذكرون أننا لخصنا يوما فكرة تشابه هذه الفكرة ، هى التى عرضها ه . ج . ويلز فى كتابه عن مصير الانسانية (the fate of homo-sapiens) وعاد إلى إيضاحها فى كتابه New World's Order ، نظام العالم الجديد ؛ فقد نادى ويلز فى هذا الكتاب بما أسماه إعادة التوجيه للبشرية ( ١ ) . وأشار إلى ما أسماه عدم التلاؤم بين الانسان والمدنية الحديثة ؛ وقد كانت دعوته هذه سببا فى عاصفة قوية من النقد حمل لواءها بعض الكتاب الإنجليز الذين أصروا على أن الانسان ليس هو المسئول عن المشكلات الحاضرة ، وإنما المسئول الوحيد هو الآلة أو " العصر الآلى " .

فما أشبه الدعويين لولا فرق واحد هو أن ويلز متشائم . أما صاحبنا هذا فيعتقد أنه حتى لو ظل الإنسان كما هو فان الحضارة الحديثة ستستطيع أن تكيفه على هواها بعد عدة صدمات ، كما يستطيع الجاهل أن يسير بالسيارة الفخمة بعد أن تنبهه الصدمات إلى أخطائه .

اشترك في نشرتنا البريدية