نشرت إحدى المجلات الأمريكية مقالا المستر إيفور جوردان بالعنوان المتقدم رد فيه على موجة التبرم بالحضارة الحديثة ، التى تطغى على الكثيرين من الكتاب والمفكرين . ويرى المستر جوردان أن الحضارة الحديثة ليست كسبا هينا ، بحيث يبحث فى أمرها بهذه السرعة ، وبحيث يزعزع الإيمان فيها مجرد صدمة ما ، مهما تكن من العنف ؛ فالحضارة فى نظره ليست مسئولة من مشكلات العالم الحديث ، بقدر ما يسأل عن هذه المشكلات الانسان المكون من فكر وتصرفات . وهو يعلل هذه النقطة
الغامضة قائلا : " إن السيارة الفخمة الأنيقة لا يمكن أن تلقى عليها التبعة إذا ما اصطدمت بشجرة لجهل السائق " فالحضارة الحديثة التى قامت على خلاصة تفكير عباقرة سبقوا عصورهم مثل هذه السيارة . والإنسان الحاضر بتفكيره وتصرفاته التى لم يجد عليها شئ منذ منتصف القرن الثامن عشر هو هذا السائق الجاهل الذى يقود السيارة .
وينتهى المستر جوردان من هذا الحديث ليثير حربا ضد المشتغلين بالتربية وبالنفس فيقول : " إن رجال العلم ، قد خطوا بالمادة خطوات جبارة ؛ على حين أن المشتغلين بالانسان قد قصروا عن اللحاق بهم ؛ فهم لم يصنعوا بعد الانسان - أو السائق - الذى يقود هذه السيارة الفخمة الأنيقة ، ونتج عن ذلك تلك الصدمات المدمرة التى يعانيها ذلك المبتكر العجيب الرائع .
ولعلى القراء يذكرون أننا لخصنا يوما فكرة تشابه هذه الفكرة ، هى التى عرضها ه . ج . ويلز فى كتابه عن مصير الانسانية (the fate of homo-sapiens) وعاد إلى إيضاحها فى كتابه New World's Order ، نظام العالم الجديد ؛ فقد نادى ويلز فى هذا الكتاب بما أسماه إعادة التوجيه للبشرية ( ١ ) . وأشار إلى ما أسماه عدم التلاؤم بين الانسان والمدنية الحديثة ؛ وقد كانت دعوته هذه سببا فى عاصفة قوية من النقد حمل لواءها بعض الكتاب الإنجليز الذين أصروا على أن الانسان ليس هو المسئول عن المشكلات الحاضرة ، وإنما المسئول الوحيد هو الآلة أو " العصر الآلى " .
فما أشبه الدعويين لولا فرق واحد هو أن ويلز متشائم . أما صاحبنا هذا فيعتقد أنه حتى لو ظل الإنسان كما هو فان الحضارة الحديثة ستستطيع أن تكيفه على هواها بعد عدة صدمات ، كما يستطيع الجاهل أن يسير بالسيارة الفخمة بعد أن تنبهه الصدمات إلى أخطائه .
