الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الخامس عشرالرجوع إلى "الرسالة"

الباسمة، قصة مصرية

Share

سكت القوم وكأنهم ينصتون الى نغم سماوى جميل . وكأن النغم قد حملهم من الأرض الدنسة الى السماء الطاهرة ، واستمرت هى فى عزفها تهز أوتار القلوب هزا ضعيفا مطربا ، ثم أتمت عزفها والتفتت الى السامعين فاذا كل منهم مشدوه ، الهاه الطرب وأنساه النغم أن يظهر اعجابه أو سروره . ورنت ضحكتها العذبة الجميلة فتنبه السامعون ودوى المكان بالتصفيق الشديد .

كنت فى السامعين ولم أكن أعرف عنها الا أنها عذبة الابتسامة وضاحة المحيا ، يشع من نفسها سحر عجيب يملأ ما حولها حياة فرحة نشيطة . سألت عنها فقيل أنها تتكسب بعزفها هذا لتعول طفلها الصغير الوحيد . ورحت أسأل عنها هذا وذاك فعرفت أنها شخصية فذة ، شخصية نادرة عجيبة . مات أبواها وهى فى سن الطفولة ، وفقدت أقرباءها واحدا وراء الآخر حتى فقدت زوجها منذ زمن يسير . ولكن الغريب من أمرها أنها برغم هذا كله كانت مبتسمة ومتفائلة دائما . لقد صغرت الدنيا فى عينها ولم يسلمها هذا الاستصغار الى الالم أو الحزن أو اليأس . فهى لم تكن يوما ما تؤمل من الدنيا شيئا حتى يخيب أملها فيها . ثم هى لا توقن بشىء من أمر آخرتها كل ما تعرفه أنها تعيش وأن الحياة شىء بهيج يجب أن تستمتع بها كل الاستمتاع ، فمن يدرى لعل نهايتها قريبة ! بل لعل الوانا من العذاب تنتظرها بعد حين !

كانت شديدة الشغف بالطبيعة ، تخرج اليها كلما استطاعت تستنشق نسيمها واريج ازهارها ، وكانما تستنشق حياة جديدة فتزيد حيويتها ويزداد بشرها وسرورها .

منذ ذلك اليوم اصبحنا صديقين تزداد معرفة كل منا بالاخرى , يوما بعد يوم ، فيزداد لذلك حبنا ويستوثق رباطنا . ولقد صحبتها فى بعض محاولاتها الاخيرة ، فقد حاولت لتزيد كسبها ان تطرق ميدان الادب ثم ميدان الرسم تم ميدان التعليم فطرقتها جميعا واخفقت فى كل منها اخفاقا لا ذنب لها فيه . ولكنها كانت ترجع من كل خيبة وكأنها اول الظافرين وآخرهم ! ثم لا يلبث فشلها ان يستحيل سريعا الى أمل جميل وعزم وطيد .

وفى ذات يوم مرض ابنها مرضا شديدا فعاونتها على علاجه  والسهر على رغم أبائها ذلك على . وفي ليلة طاخية الظلام شديدة البرد اضطررت الى تركها بجانب وحيدها العليل . وفى الغد عدت اليها فوجدتها محمرة العينين تنفرج شفتاها عن ابتسامة ساخرة مرة مؤلمة . ترى ماذا حل بهذا الوجه الصبوح المستبشر الذى لم يقو الدهر على قلب ابتسامته أو تشويهها ؟ واتجه نظرى أولا الى الطفل ماذا حل به وأين هو ؟ وأخيرا علمت أن طفلها الوحيد الذى كان يربطها بالحياة فارق الحياة أمس مساء . فانهمرت دموعى على رغم ما حاولت من حبسها واحسست بفراغ حولى وكأنما نار الهبت رأسى وعينى ، فاخذت أبكى وابكى وظلت هى تكفكف عبراتى وتواسينى وكأنى أنا  الثكلى المكلومة . أيمكن أن تكون عديمة الاحساس ؟ كلا لقد عرفت من حساسيتها الشىء الكثير ، ولعل نظرة واحدة الى ذلك الوجه الجميل تقنع الناظر بالآلام التي تحاول اخفاءها .

كل المصائب التى توالت عليها لم تغير نوع ابتسامتها ، ولكن موت طفلها غير ملامح وجهها كلها . يا ليتها بكت ! ياليتها استطاعت أن تبكى !

وظلت نحو شهر فى صراع بين الحزن وبين طبيعتها المرحلة الضاحكة ، تحاول بكل ما أوتيت من ارادة وعزم ان تتغلب على مصابها فتبتسم كما كانت تبتسم ، ولكن ابتسامتها أصبحت مبكية مؤلمة تبعث الشفقة والالم بعد أن كانت تبعث المرح والحياة .

لقد لازمت فراشها منذ أيام وكانت متعبة مريضة خائرة

الاعصاب فذهبت اعودها يوما فلم أجد بالدار أحدا، سألت عنها مرتاعة، وأخيرا علمت أنها فارقت الحياة امس مساء، سألت ماذا حل بها وأى أمر جديد انتابها؟ فعرفت انها لم تصب بشى جديد، وانما فارقت الحياة وكانها الشمعة تحترق. فارقتها شيئا فشيئا وقد لاقت ربها وعلى فمها ابتسامة رضا وطمأنينة، مر اذ ذاك بخاطرى قول الشاعر الامريكى برانيت، ذلك القول الذى كانت تردده أثر كل فشل أو مصاب، والذى ظلت تردده كثيرا فى آخر أيامها : "هكذا عش، حتى اذا ما نادى منادى الموت لا تسر اليه كالعبد مسوقا الى سجنه، بل سر اليه بايمان ثابت، وطمأنينة تامة كمن يسحب غطاءه عليه ليستسلم الى حلم عذب جميل ."

اشترك في نشرتنا البريدية