الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

الباشا أبو زر

Share

ليست هذه قمة رحلة فحسب ، بل هي أيضا قمة لرجل عاش تسعين عاما مختبئا وراء صخور الطور أشد مناطق سيناء وعورة وعزلة

في فجر أحد أيام شهر مارس سنة ١٩٣٧ غادرنا القاهرة في رحلة طويلة قاصدين سيناء ، وغرضنا الوصول إلى جبل سربال (١) من ناحية مشارفها الجنوبية عن طريق وادى حيران . وذلك بعد أن فشلنا في رحلة سابقة في الوصول إلى هذه الناحية بالالتفاف حول سربال من ناحية مشارفه الشمالية بوادي فيران لوعورة المسالك وصعوبة اجتيازها .

كنا خمسة في سيارتين ؛ فطوينا المسافة من القاهرة إلى السويس ، ومن السويس إلى بلدة أبو زنيمة في خمس ساعات ، وبعد راحة قصيرة استأنفنا السير نحو الجنوب واجتزنا سهل الرخاء وقطعنا عرض وادي فيران عند مصبه بخليج السويس ودخلنا سهل القاع المؤدي إلى مدينة الطور ، ثم مال بنا الطريق إلى الشرق ودخلنا وادي حيران ، وفي أحد الأخاديد أقمنا معسكرنا وقضينا ليلتنا .

في صباح اليوم التالي غادرنا المعسكر راجلين بعد أن تزودنا من الماء والطعام ما يكفينا يومين ، ثم أخذنا نرتقي هضبة الطور جهة الشرق من وادي الملاحة في اتجاه جبل سربال .

كان تقدمنا بطيئا والسير عسيرا ، وكنا كلما تخطينا عقبة واجهتنا عقبة أصعب منها وأشد وعورة ، وعاتينا شدة كبيرة في التصعيد في الجبال والهبوط إلى الوديان ، ولم يأت

علينا نصف النهار حتى كان قد بلغ بنا الإعياء حدا كاد يثنينا عن التقدم إلى الأمام ؛ فتوقفنا لنستريح بعد هذا العناء الطويل ، وأخذنا نتطلع إلى سربال أمامنا على مرحلة منا بقلوب واجفة خشية النكوص من غير أن نبلغ الغاية ونحقق الغرض . وفي هذا الوقت الحرج : ساعة الفصل بين التقدم أو النكوص لاح لنا في اتجاه سربال واد عميق ، تكسو مجراه وسفوحه خضرة وفيرة ؛ فجدد هذا المنظر فينا النشاط وبعث فينا العزيمة ، فتقدمنا نحو الوادي ونزلنا فيه ، وكان

الوقت قبيل العصر ؛ فراقتنا كثرة الشجر والعشب فيه ونضارته ، وتنوع المناظر وروعتها ؛ فابتهجت نفوسنا ، واطمأن خاطرنا ؛ فجددنا السير نبتغي قطع الرحلة الباقية قبل أن تغيب الشمس ويحل الظلام - ويظهر أن طريقنا منذ الصباح كان يتبع دروبا ومسالك غير مطروقة . فلم يصادفنا طيلة هذا الوقت إنسان أو حيوان ، حتى ظننا أن المنطقة خالية من السكان ؟ ولهذا كانت دهشتنا كبيرة عندما أبصرنا على غير انتظار قطيعا من المعز يرعي في بطن الوادي . وما أبصرتنا حتى نفرت منا وتفرقت في عرض الوادي

وطوله ، ثم شاهدنا بعض الصبيان والصبية من رعاة القطيع يتسللون محونا من بين الصخور ، ويقفون على كثب ينظرون إلينا نظرة توجس واستغراب ، ثم يتوارون مسرعين في الشقوق وخلف الجلاميد ، فداخلتنا الريبة من أمرهم ، وخشينا أن يلحقوا بنا أذي ؟ فحاولنا استدراجهم للتحدث إليهم ، ولكنهم أمعنوا في الابتعاد عنا وولوا الأدبار ، فاستأنفنا السير على حذر ، ولم نمض طويلا حتى النقينا وراء إحدي التنيات في مضيق من الأرض بشيخ يلبس قميصا قصيرا أبيض ، ويجعل في منطقته سيفا ، وهو يقف معترضا الطريق ، فبادرناه بالسلام مأخوذين فرد التحية ، وأخذ يتفرس فينا محاولا كشف حالنا ، ثم خاطبنا مستفهما عن هويتنا ووجهتنا ؛ فأجبناه أننا قادمون من مصر ، ووجهتنا المشارف الجنوبية لجبل سربال . فسأل : هل أنتم من رجال مركز الطور ؟ فأجبناه بالنفي ، فسأل : أين دليلكم ؟ فقلنا له إنما لا نصطحب دليلا في رحلتنا ، بل تهندي إلى الطريق بالخرائط التي نحملها ؛ فأنكر علينا هذا الوضع وقال : أخشى أن تضلوا الطريق وينقطع بكم الاتصال بالعمران فتهلكوا في هذا الخضم من الجبال ، ونصيحتي إليكم أن تعودوا من حيث أتيتم ولا تجازفوا بسلامتكم في هذا التيه العظيم ، وقد رآنا وهو يحدثنا منصتين لكلامه لا يبدو علينا قلق أو اضطراب أو خوف ؛ فلما انتهي من حديثه شكرناه على نصيحته ، وطلبنا منه أن يدعو لنا بخير في هذا المسعي الشاق إلي جبل سربال ؛ فتعجب من طلبنا وسألنا : هل أنتم من حجاج النصاري ؟ فأجبناه : بل نحن من الحجاج المسلمين ، فقال كيف ! إنكم إذا ضيوفنا في هذا الوادي وفي حمايتنا ، ثم إنه استوقفنا لحظة غاب فيها عنا ثم عاد إلينا بصحبه رهط من الشبان والرجال وقد تبدلت لهجته وأصبح اكثر لطفا وتوددا ، وقال : إن والدي الشيخ يدعوكم إلى مخيمه بالوادي الصغير ، فقبلنا الدعوة شاكرين ، واستقبلنا الشيخ وحده في ظاهر المخيم باشا مرحبا سهونا كمن يتوقع مكروها ، ثم قادنا إلى خيمة من الشعر فرشت أرضها بالبسط ، وجعلت فيها المساند من قماش من صوف مصبوع أحمر وأخضر مطوي على نفسه عدة طيات ، واجتمع حول الخيمة بعض الرجال ، ثم أوقدوا النار وعملوا القهوة في (بكرج) كبير وقدموها لنا في فناجين من الصيني الثخين .

كان مضيفنا شيخا هرما ، ضئيل الجسم ، محنى الظهر محيط بذقنه لحية خفيفة بيضاء ، وكان يتطلع نحونا مختلسا النظرات بعينين صغيرتين تقعان في وجه صغير شديد السمرة ، وكان يلبس قميصا طويلا من " البفتا " ويتدني بعباءة سوداء قديمة ، ويضع على رأسه العمامة والمريرة (المنديل والعقال) ويضع في إصبعه خاتما كبيرا من الفضة بفص من العقيق .

بعد نحو ساعة غابت الشمس فقدموا لنا الطعام في طبقين مستديرين واسعين من الخشب ، وضع في أحدهما الأرز المسلوق ، وفي الآخر الخبز وقطع اللحم ، وأخذ مضيفنا يقسم اللحم والخبز علينا ، ودعونا إلي طبق الأرز ، وبعد أن أكلنا دعا الشيخ أولاده الكبار لتناول ما بقي من الطعام معه ؟ فلم انتهوا من ذلك قعدوا حولنا ، وأخذنا وإياهم تتجاذب أطراف الحديث . وحانت مني التفاتة نحو الشيخ الهرم ، وكان جالسا بحواري مشغولا بنفسه عما يدور حوله ، مستغرقا في التفكير ، ففلت له : ما بالك لا تشترك معنا في الحديث ، فأجاب مأخوذا وبصوت خافت أجش : هل لا يزال الباشا أبو زر عندكم ؟ فضحك أولاد الشيخ لسؤاله . فقلت : هل تقصد حمد باشا الباسل ، فقال لا : بل أقصد الوالي أبو زر ، وبعد تفكير أدرك أحد الزملاء ما يعني ، فقال إنه يشير إلى عباس باشا الأول والي مصر ، فقد كان من عادته لبس الطربوش المغربي ذي الزر الطويل ، فأمّن الشيخ علي كلامه ، فقلت ؛ ولكن ما علاقتك بالباشا أبو زر ، فأجاب : بالله عليك يا أخي أصدقني هل لا يزال عندكم ؟ فقلت لا : بل مات من زمن بعيد ، فبان البشر على وجهه . وانفرجت شفتاه عن ابتسامة خفيفة حزينة بان من خلفهما صفان منتظمان من الأسنان العاجية البيضاء السليمة ، ثم شرع يروي لنا قصته مع الباشا أبو زر فقال : في عهد هذا الوالي طلبنا نحن أبناء العربان سكان الصحراوات للخدمة في الجهادية ، وبعد أن اجتمعت شراذم المجندين من سيناء في السويس واكتمل عددهم ، ساقونا إلي مصر وأنزلونا بمعسكرات الجيش بالعباسية ، وأخذوا يدربوننا على فنون القتال ، ومكثنا في هذا التدريب نحو السنة ، وكنت في أثناء إقامتي بالمعسكرات أعاني حالة نفسية شديدة لفرط الحنين لأعلى وعشيرتي ووطني ، وحياة البداوة التي كنت أعيشها فيه ، وكان من الصعب علينا نحن أبناء الصحاري أن نخضع

لقيود الحياة العسكرية وسكني المعسكرات في المدن ؛ فكنا دائما في عصيان وثورة علي نظام الحياة الجديدة التي لم نألفها في مواطننا ، وبعد أن تم تعليمي نقلت للحراسة في البرج رقم ١١ علي الطريق الصحراوي بالقرب من السويس ، فكان هذا النقل فرجا نزل من السماء أزاح عن نفسي بعض الكرب ، فكنت من أعلي البرج أري أرض سيناء حبيبة القلب ، واتنفس أريج هوائها ، وفي إحدي الليالي كانت نوبتي في الحراسة ؛ فشاهدت القمر يبزغ من وراء جبال سيناء ، ويشرق بنوره على الهضاب والربي ؛ فاهتاجت نفسي لهذا المنظر ، وانتفض جسمى ، وغاب عني عقلي ، وفي حركة عصبية أسندت بندقيني إلي جدار البرج وتعريت من سترة الميري وحذائه . وقلت يا واحد يا ديان ، وانطلقت أعدو بكل ما في جسمي من قوة نحو الشرق لا أحس بما افعل ، واجتزت أطراف مدينة السويس ودخلت أرض سيناء ، واعتليت هضابها ، واختفيت في أحد الوديان - حصل كل ذلك ولم تكن قد أشرقت شمس اليوم التالي ، ولما اطمأنت نفسي إلي عزلتي ، أخذت أفكر فيما سيلحق أهلي وعشيرتي من الأذي والمعرة بسبب هروبي ، وأخذت أراجع نفسي وأحاسبها على هذا الطيش ، وكدت أغير رأيي وأعود إلي البرج ، ولكن إرادة الله كانت الغالبة فقد التقيت في هذه اللحظة بأحد الأعراب مختبئا في الوادي ، وكان هو كذلك مثلي هاربا من الجندية ، فترافقنا وأخذنا طريقنا نحو بلاد الطور ، مبتعدين عن نجوع القبائل ودروب القوافل حتي وصلنا وادي إسلا (في أقصي الجنوب واحتمينا بإحدي العشائر هناك وأقمنا عندها زمنا ، ثم اقترنت منها بزوجتي الأولى ورزقت منها بولدي الأول ) صالح " هذا ، وأشار إلي رجل هرم يجلس معنا - ثم نزحت بعائلتي إلي هذا الوادي المجهول وأقمت به منذ ذلك الحين مختفيا لم أبرحه ولم أر الدنيا خارج جدرانه ، تعاودني في كل يوم ذكري هروبي ومسألة البحث عني ، فأخيل أن كل عرب سيناء قد حشدهم الميري ليتعقبوني وينقبوا عني . ويتقصوا أخباري ، فيتولاني الأسي والوجل من معرة الهرب من جهة ، ومذلة العودة مقبوضا علي من جهة أخري . ولما كبر صالح وأخذ ينتقل في المنطقة وينزل إلي مدينة الطور في المواسم ويتعرف أخبار الدنيا ،

بُحت له بهمي وقلقي ؛ فأكد لي أن الباشا أبو زر قد مات ، وأن الميري قد كف عن ملاحقتى ، فلم أصدقه ، وظننت أنه يخادعني . . ثم إنه تنهد ليفرج عن نفسه وسكت . فسألته عن عمره فقال : أربعون سنة ، فقلت له : كيف ذلك والباشا أبو زر قد مات من منذ نحو تسعين عاما ، فقال وهو يبتسم " طيب إذا خليها خمسة وأربعين " ثم ضحك وضحكنا ، واستدرك ابنه صالح وقال إن الشيخ لا يزال متزوجا ينجب أطفالا ، وهذا الصغير - وأشار إلى طفل لم يتجاوز الخامسة - إنه أصغر أبنائه من زوجته الخامسة ، ولا تزال على ذمته زوجتاه الثالثة والرابعة أيضا . وأما أمي والزوجة الثانية فقد توفيتا فتنهد الشيخ ونظر إلى ابنه مؤنبا معاتبا وقال : لا تذكرني بأمك يا صالح فقد كانت أعز نسائي إلي قلبي رحمها الله .

ثم إننا قضينا ليلتنا بالوادي بجوار مخيم الشيخ ، وفي السياح رأينا اختصار الرحلة والعودة إلى معسكرنا ، بعد أن تأكدنا من صعوبة الوصول إلى سربال من هذه الجهة أيضا .

اشترك في نشرتنا البريدية