الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1015 الرجوع إلى "الرسالة"

الباكستان أو باكستان

Share

من غرائب هذا العهد الأخير أن قد أخذ يتزلزل فيه ما كان ثابتا  متوطدا منذ القدم من قواعد النحو والبلاغة. فعادت بعض  مسائل النحو مما كانت تجمع عليه العرب وتتخذ فيه مذهبا  واحدا في العصور الماضية كأنف من الشمع في أيدي الكتاب، يلوونه  ويعبثون به كيف يشاءون. هذا يميله إلى اليمين، وذلك يعطفه نحو  اليسار، ثم يأتي الواحد فيتيامن به تارة ويتياسر به أخرى. من  تلكم المسائل مسألةٍ إدخال الألف واللام على الأعلام الأعجمية. فقد  أصبحنا نرى أخيرا أن الكتاب والأدباء من الناطقين بالضاد  يكادون لا يتفقون على مذهب فيها بعينه عند تعرضهم لذكر بعض  الأعلام الأعجمية التي ظهرت حديثا بظهور مسمياتها إلى حيز  الوجود، ومن تلك الأعلام اسم دولتنا الناشئة: باكستان

إنا لم نزل - ولا نزال - نقرأ كلمة     (باكستان)   ونتتبعها  فيما يكتبه الكتاب والأدباء في مختلف المجلات والجرائد العربية،  فلم نر من أمرها إلا عجبا!

في جريدة أسبوعية سيارة في القطر الجزائري، يستعمل  نائب مدير الجريدة كلمة     (باكستان)   فيعرفها بالألف واللام،  فيقول:   (ولا يزال فن يتنقل في ربوع الباكستان) . وأما  مدير الجريدة المفضال وصاحب امتيازها المسئول فلا يكتب اسم  وطننا - أينما كتب - إلا مجردا منها وممنوعا من الصرف،  فيقول:   (وانفصلت باكستان)  و   (وسكان البنغال وهي باكستان  الشرقية) ، و   (لأن باكستان هي الأول في البرنامج. . .)

وفي الرسالة الغراء يتفضل الأستاذ أبو الفتوح عطيفة فيتناول  القطر الباكستاني ببحثه الممتع في سلسلة بحوثه عن جميع الأقطار ولكنه لا يرضى أن يجعل لكلمة   (باكستان)   شكلا  واحدا معينا في جميع المواضع من مقالاته تفاديا - على ما نظن -  من سآمة القراء منه، فتارة يسبغ عليها جبة فضفاضة من الألف  واللام، وأخرى يجردها حتى تتنفس في الهواء الطلق وتستحم من  تعب الجبة

هذه بعض الشواهد على ما قلنا آنفا. فنسأل إخواننا الكتاب  والأدباء الأفاضل: لماذا هذا التشتت والاختلاف في مسألة كانت  أحرى أن تكون موضع اتفاق للجميع!

أما ما نعلم في هذه المسألة فهو أنه من الثابت المحقق - أولاً -  أن باكستان من الأعلام الأعجمية التي تمنع من الصرف أو  التنوين وذلك على قاعدة النحو القائلة بأن العلم يمنع من التنوين  أو الصرف  

(١)  إذا كان أعجميا غير ثلاثي ساكن الوسط (٢)  إذا كان مركبا مزجيا غير مختوم بكلمة ويه

وباكستان ولا شك علم أعجمي غير ثلاثي ساكن الوسط،  كما أنها مركب تركيب المزج من   (باك)  و   (استان)  ومعنى الأول  الطاهر، ومعنى الثاني الأرض أو البقعة، ومعنى المركب البقعة  الطاهرة. والمعلوم أن من عادة العرب أنها لا تعرف بالألف واللام  - في أغلب الأحوال - الأعلام الأعجمية التي تمتنع من  الصرف، مثل لندن ونيويورك وأمريكا وآسيا وليفر بول  وبتروغراد ودبشليم وبيدبا. . . بل ترسلها مجردة منهما. وأما  ما كان ينصرف من تلك الأعلام الأعجمية لكونه ثلاثيا ساكن  الوسط، فالعرب تارة تحليه بالألف واللام كالصين والهند، وأخرى  ترسله عاطلا كنوح وشيث، والأمر كله يقف على سماع القوم.

هذا من جهة قواعد النحو. والذي قد استخرجناه من  كتابات اللغويين المحققين والكتاب المتحفظين - حفظهم الله -  في هذا العصر، أمثال الأستاذ أحمد حسن الزيات في مصر،  والأستاذ محمد البشير الإبراهيمي في الجزائر، والأستاذ مسعود  الندوي في باكستان، فهو أن كلمة  (باكستان)   قد أغناها الله  عن التنوين وعن الألف واللام. ولا بد أن يكون عليه أساتذة

العراق والشام ممن لم نطلع على استعمال (باكستان)  في كتاباتهم  ذلك ما عندنا في هذا الباب، ويا حبذا لو يتفضل أحد

أساطين النحو والبلاغة في بلاد العروبة فيأتي بحكم قاطع في هذه  المسئلة، حتى لا تبقى باكستان موضع خلاف ونقاش بين  الكتاب والأدباء من الناطقين بالضاد، وهي دولة ناشئة  ميمونة ينبغي أن تأتى مؤلفة بين الجميع!

بهاول بور - باكستان

اشترك في نشرتنا البريدية