ما أسرع ما ينسى الإنسان . وما أكثر ما تعين العادة على النسيان .
إن نعمة الله الكبرى ، نعمة الهواء ، ينساها المرء بما اعتادها ، فلا يذكرها إلا إذا هو شرق ، أو إذا أصابه داء فاختنق .
ونعمة الله الأخرى ، نعمة الماء ، لا يذكرها ذاكر ما دام على البحر الطامى ، أو تحت المطر الهامى . وإنما يذكرها من الناس رجل ضل في صحراء ، فعندئذ يتكشف له لأول مرة معني الماء ، حين يصيبه الجفاف في جسمه وفي حلقه وفي لسانه ، فعندها يتلمسه من أنداء الصباح ، يلعقه على الحجر ، ومن فوق الصخور ، قطرات لا تكاد تبل لسانا أو ترطب حلقا .
ولكن الهواء والماء ، وتربة هذه الأرض ، وشعاعة هذه الشمس ، من نعم الله البسيطة الأولى . وأنعم الله درجات ، وهي نعم أربع ، لا تكون الحياة إلا بها . من أجل هذا جعلها الله لا تنفذ إلا أن يبدل بهذه السنن القائمة سننا أخري .
يتجدد . فالهواء يذهب به الحريق ، ويذهب به تنفس الإنسان والحيوان ، وتنفس النبات ، ولكن لا يلبث ان يعود به اخضرار الزرع في وقدة السماء . والماء قد يذهب به ري الناس والحيوان ، واستفاء الزروع ، ولكن تعود به سحب ترجيها الرباح .
وهذه النعم الأربع تكفي لا شك للعيش ، ولكنه عيش لا طراوة فيه ، ولا سرعة . فهو عيش بطئ ساذج كعيش آبائنا الأولين ، عيش إبراهيم وموسي .
وهذا العيش الحاضر ، هذه المدنية الحاضرة ، لم تقم على هذه النعم الأربع وحدها ، نعمة الهواء والماء والتربة والضياء . وإنما قامت على نعم ثلاث أخرى ، ليست في هذا الرخص ولا هذه البساطة ، ولا في هذه السهولة وهذا التيسر . تلك نعمة الحديد والفحم والبترول . فهذه أسس المدنية الحاضرة . والمدنيات صنوف وأنواع . وهي أسسها كما هي كاتنة ، وكما ترجي . وهي ليست بالنعم التي لا تفني . وهي ليست من النعم التي إذا فنيت بعثت من
الكثرة ، ومن التحصل السهل ، بحيث نسي الناس أنها كأ كثر الأشياء للفناء . ولقد دخلت هذه النعم في حياة الناس ، وفي عادة الناس ، حتى لم يدر بخلدهم أنه قد يكون يوم تنقطع هذه النعم فيه . فلما انطلق الصوت من أمريكا في هذه الأيام ينذر بفناء زيت البترول ، لم يفهم رجل الشارع معني لما يقولون . وصار الناس ، من غير الخبيرين ، بين مصدق ومكذب وقال بعضهم إنها حيل الساسة . وقال بعضهم إنها حيل التجار ، والواقع الحق أنها أسلوب الطبيعة في العبث بالأفهام .
فالطبيعة تدع الجسم الحي ينمو وبنبسط ويقوي . حتى إذا استتم بماء ، واستتم بسطة ، واستتم قوة ، جاءه الفناء من حيث يدري ولا يدري . وكذلك هي تفعل بالمدنيات ، وبهذه المدنية الحاضرة . فهي قد سهلت لها سبيل الوجود ، ثم سبيل البسطة ، فسبيل القوة . ولكنه وجود موقوت ، وبسملة موقوته ، وقسوة موقوته ، لأن بناء كل هذا على موقوت : على الحديد والفحم والبترول .
وهم إخوة ثلاثة ولدتهم الطبيعة . فهي أنجبت الحديد أولا وطال بها العقم ، حتى إذا بلغ منها اليأس او كاد ، أنجبت الفحم . ومضي الزمان فإذا بالفحم يخور ، وتتراءي آخرته على البعد ، فأنجبت الام ولدها الثالث : البترول وقال الناس إن في هذا الولد الثالث لعوضا للطبيعة عن ولدها الثاني إذا ما ذهب . وتربص الناس بهذا الولد الثاني أن يذهب . فاذا بالثالث هو الذي تظهر عليه أعراض المرض وينذر بالفناء . ولكن أيهما كان الذاهب أولا فلا بد للسابق من لاحق ، والموت حق على الثلاثة أجمعين . لو ذهب البترول ، كيف يكون حال الدنيا ؟
يكون حالها ما كان عام ١٨٥٩ . فسلوا الأباء ، وسلوا الأجداد ، وسلوا التاريخ كيف كان الحال عند هذا العام ، حتى وفيما تلاه من أعوام حتى ختام القرن الماضي .
ففى هذا العام ، عام ١٨٥٩ ، خرق ادربك Drake الأرض أول حرق ليبحث عن الزيت . كان هذا بمدينة
تيتو سفيل Titusville ، بمقاطعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة . وكان عمق الخرق الذي خرقه سبعين قدما أو نحوها . ومن بعد ذلك العام زادت هذه الخروق عدوا ، وزادت عمقا . أما العمق فقد زاد من سبعين قدما إلى عشرة آلاف قدم ، أما العدد فقد بلغ في الولايات المتحدة وحدها عام ١٩٣٥ مبلغا هائلا : ٣٤٠٠٠٠ بئر كلها تعمل وتنتج.
وقد بلغ ما أنتجته الولايات المتحدة من زيت البترول عام ١٩٣٥-٩٩٠ مليون برميل . والبرميل يحتوي عشر صفائح من صفائح الجاز العادية . وبلغ إنتاجها عام ١٩٣٦-١٠٨٩ مليون برميل . وفي هذا العام تبعتها في الإنتاج روسيا ، فقد بلغ إنتاجها ١٩٣ مليون برميل ، أي ما بين الخمس والسدس مما أنتجته الولايات .ثم فنزويلا ، فقد بلغ إنتاجها ١٥٣ مليون برميل . أما رومانيا فكان إنتاجها ٦٦ مليون برميل . وتتبعها إيران بـ ٦٢ مليون برميل . ويذكر إيران تذكر الأمم الشرقية الأخرى : العراق والبحرين . أما العراق فقد كان إنتاجه ٣٠ مليونا ، أي نصف إيران . وأما جزيرة البحرين فـ ٣,٦ مليون أن نحو 1/2 العراق . أما المانيا فأنتجت 3.3 مليون برميل ، ويذكر ألمانيا تذكر اليابان ، وقد أنتجت ٤ ر ٢ مليون برميل . والعالم كله أنتج في ذلك العام ١٧٨٠ مليون برميل .
وقد بلغ إنتاج الولايات المتحدة ثاني ما أنتجه العالم من الزيت وهاك جدولا به ما أنتجت كل أمة منسوبا إلى ١٠٠ :
الولايات المتحدة روسيا فنزويلا رومانيا العراق الهند الشرقية المكسيك
٦١,١ % ١٠,٩% ٨,٦% ٣,٧% ٣,٥% ٢,٩% 2.3%
العراق . . . . . بولندا كندا مصر
١,٧% ...... ٠،٣% ٠,٠٨ % ٠,٠٧%
ومصر تجيء في الذيل ، وليست بآخر الذيل ، فإنتاجها في ذاك العام بلغ ١٥٥٥٠٠٠ برميل .
والفرض المعقول أن ما ينتج من البترول إنما ينتج للاستهلاك ، وبقدر الاستهلاك . وقد جاءت الحرب بالألوف من الطائرات ، والألوف من الدبابات ، والألوف من السيارات ، مصفحة وغير مصفحة . وفيما وراء خطوط القتال جاءت الحرب بالعدد العديد من المكنات وكل هذا يأكل الزيت أكلا . وكأنما يزيد آبار الزيت إنتاجا ، ويزيدها استفراغا . والزيت إن كان سلاح الحرب ، فهو بعد الحرب سلاح السلم الأقوي .
من أجل هذا أخذت كل أمة تضع يدها في جرابها تتحسس ما بقى ويبقى لها من تلك المؤونة التي تغذي الحياة في حربها وسلمها . ومن أجل هذا سمعنا النذر تقري تحذر عافية التفاد . وجاءت الصيحة الأولى من أمريكا . ولا عجب . فهي المنتج الأول للبترول ، وهي المستهلك الأول له . وصناعها ومدينتها واقتصادها أكثر استبعادا على البترول من سواها من الأمم . وأرفقت صبحتها بخطوة عملية خطتها في سبيل السيطرة على منابع أخري خارج حدودها لتعوض على نفسها شيئا من الهبوط في آبارها . وخطت هذه الخطوة ، على غير المألوف ، حكومتها . أم أن الحكومة الإنجليزية في مثل هذا في إيران سبقتها ؟ ! وعلي كل حال فقد طلعت حكومة الولايات على العالم بأنها نوت استغلال الشاطىء العربي للخليج الفارسي ، بما في ذلك الحسا وجزيرة البحرين والسواحل العربية السعودية ، ونوت مد أنابيب للبترول من شاطئ الخليج الفارسي إلي شاطئ البحر الأبيض ، وتتولي هي إقامتها ونفقتها . وحجتها في ذلك تقلص رصيد الزيت في آباره في الولايات .
فالذي يعنينا من هذه الكلمة كم رصيد الريالات ،
وكم رصيد الأمم . وهل حقا هذا الزيت ، مقوم المدينة الحاضرة ومزجيها ، إلي نفاد ؟
إن الولايات المتحدة أنتجت ، فاستهلكت ، في عام ١٩٠٠ نحو ٦٣ مليون برميل . وفي عام ١٩١٠ نحو ٢٠٩ مليون برميل . وفي عام ١٩٢٠ نحو ٤٧٣ مليون برميل . وفي عام ١٩٣٠ نحو ٨٩٨ مليون برميل . أما في عام ١٩٤٠ فقد أنتجت واستهلكت ، أو استهلك معها العالم ، نحوا من ١٣٤٥ مليون برميل . ولا شك ان هذا الرقم زاد باشتداد الحرب القائمة .
فإذا أنت علمت أن مستهلك الولايات في عام ١٩٤٠ هو ١٣٤٥ مليون من البراميل ، وعلمت ان مقدار ما حسبوا من رصيدها في الأرض في ذاك العام هو ١٨٤٨٣ مليون برميل . أدركت بعملية قسمة بسيطة أن هذا الرصيد لن يكفي أكثر من ثلاثة عشر عاما أو نحوها .
والذي يقال في الولايات المتحدة يقال في كل أمة أخرى . فهذا هو جانب الصورة الأسود .
وللصورة جانب آخر أقل سوادا . فالزيت الذي يخرج من الآبار ليس كل ما في الآبار . فالذي يخرج منها يقدر بخمس ما فيها ، والباقي يبقى في رمال تلك الآبار ، فلا يكون سبيل إلا انتزاعه منها بالطرق المعروفة الحاضرة . فالعالم منذ اكتشف البترول إلى الآن حصل من هذه الآبار . . ,٢٥ مليون برميل ، ولا يزال يتخلف في رمال هذه الآبار 100000 مليون برميل . فهذا المقدار الهائل ينتظر ابتداع طرق جديدة ليفسح للإنسان في بقاء المدنية أملا جديدا .
وعدا هذا ، ففي الولايات المتحدة مليونان من الأفدنة يستحقل البترول فيها . وأهل الفن يقدرون احتمال وجود البترول في ١١٠٠ مليون فدان أخري . ومعنى هذا أن البترول يحتمل وجوده في مساحة أكثر قليلا من نصف أرض الولايات .
ولعل ما يقال عن الولايات ستجيز البحوث المستقبلة قوله ، عن سائر الأمم التي بها منابع للبترول .

