كنا نعلم منذ زمن أن في الشرق الأوسط بترولا ، وآبارا عظيمة تدر ملايين القناطير من هذا السائل العجيب ، بعضها في إيران ، وبعضها في العراق ، بل وبعضها في مصر كنانة الله ، سبحانه وتعالي ، في أرضه . أجل كنا نعلم هذا ،
ونحمد هذا العلم ، لأن تلك الآبار قد جعلتنا _ من الناحية البترولية - اثناء هذه الحرب العالمية في حال أرقى وأكرم مما كنا في الحرب الماضية . ولكنا ، مع علمنا هذا ، لم نكن في الأيام الحالية ، نفكر كثيرا في بترول الشرق الأوسط ، لأننا ألفنا وجوده ، وشغلنا عنه من شئون هذه الحرب ، ما هو أجل خطرا وأعظم إزعاجا للخاطر . ثم اضطررنا في الأشهر - بل في الأسابيع - الأخيرة أن نلتفت مرة أخرى إلى بترول الشرق الأوسط وإلى التحدث عن بتروله وأنابيبه وآباره . فإن الشرق
الأوسط هو شرقنا ووطننا ، و تلك الأنابيب ستخترق ديارا وأقطارا اشتهر ذكرها في البيئات العربية ، وترددت أسماؤها في حديث الأدب العربي منثوره ومنظومه . فما أجدرنا نحن أيضا أن نقف لحظة لكي نلقي بنظرنا علي موضوع البترول هذا ، الذي أخشى أن يكون اليوم شاغلا لتفكير أولى الأمر في بريطانيا وأمريكا ، اكثر مما يشغلنا نحن أبناء الشرق الأوسط .
وفي لندن اليوم وفد أمريكي عظيم على رأسه نائب رئيس دولتها ؛ يتحدث مع أولى الأمر هناك في شئون عديدة ، ليس أقلها خطرا شئون الشرق الأوسط عامة وشأن البترول بوجه خاص .
فإن أمريكا تبدي اهتماما عظيما بالشرق الأوسط ، كما ذكرت في حديثي الماضي . ومن أهم ما تعنى به مسألة
البترول ولابد لي أن أحاول إيضاح طبيعة هذا الاهتمام ، والظروف المختلفة التي تحيط به .
وأول ما يذكر به القارئ من شئون البترول ، أن إنتاج هذه المادة الخطيرة مركز في أيد قليلة ، وتشرف عليه هيئات محدودة ؛ وقبيل هذه الحرب كانت رعايا الولايات المتحدة تستخرج ٦١ % من مجموع بترول العالم من أرض الولايات المتحدة ، وتستخرج 9 % من أراض أجنبية ، فيكون مجموع إنتاجها ٧١ % من بترول العالم .
تليها المصالح البريطانية الهولندية ) وقد اتحدث هذه المصالح منذ الحرب الماضية ( ومجموع ما تنتجه يعادل ١٥ % وروسيا ١١ % وباقي الدول 4%.
الأمر الثاني ، الذي لا بد أن نذكره ، هو أن نميز بين موارد البترول وإنتاج البترول . فإن الإنتاج إنفاق واستهلاك وتبديد ، أما الموارد فهي المخزون المدخر في الخزائن الباطنية . وقد لا يكون هنالك علاقة بين الموارد المودعة في باطن الأرض وبين المستخرج منها كل عام .
- ومن المسلم به بوجه عام أن المصالح الأمريكية قد أسرفت في استخراج البترول ، يليها المصالح البريطانية الهولندية ، تستخرج باعتدال وتدبير ، قد يوصف بأنه تقتير . وتحت تصرف البريطانيين ، كما سنري ، موارد عظيمة للبترول في الشرق الأوسط لم تمس إلي اليوم ، وقد أدى هذا التدبير إلي قيام شيء من سوء التفاهم بين حكومة الشاه في إيران وبين شركة البترول الإيرانية البريطانية ، عام ١٩٣٢ ، لأن هذا التقتير في الإنتاج كان معناه أن يقلل نصيب الحكومة من المال الذي يدفع لها سنويا عن استخراج البترول ، بعد أن تكون الدولة قد نظمت مواردها ومشاريعها الاقتصادية والإصلاحية على أساس دخل ثابت يجيئها من تلك الشركة .
وقد رأي كثير من الأمريكيين هذا الفرق الكبير بين وسائل الاستغلال الأمريكي والبريطاني ، فأخذوا
ينادون بأن موارد البترول في أمريكا وشيكة النفاد ، وأنه لابد للمصالح الأمريكية من إحراز موارد جديدة في أقطار جديدة . تعالت هذه الصيحات بعد الحرب الماضية ، وترددت على مر السنين من غير انقطاع ، ثم عادت فاشتدت مرة أخري إبان هذه الحرب التي تنفد فيها موارد البترول بسرعة لم يسبق لها مثيل
الأمر الثالث الذي يسترعي انتباهنا هو الاختلاف الكبير بين الموارد الأمريكية والبريطانية ، فإن الشركات الأمريكية تستخرج أكثر بترولها من أراضي الولايات المتحدة ،فمواردها والحالة هذه في متناول يدها ، أما الجزر البريطانية _ بل وأكثر الممتلكات المستقلة - فخالية تماما من البترول . والموارد التي تملكها الشركات البريطانية موزعة بين أرجاء العالم ، وبعضها في أمريكا ، وبعضها في إيران والعراق ، وبعضها في جزر الهند الشرقية ، التابعة لهولندا ،
وبعضها في رومانيا ، أي أنها واقعة في أكثر الأحيان في أقطار ترفرف عليها راية أجنبية ، ومهما كان لبريطانيا في تلك الأقطار من نفوذ أدبي أو سياسي ، فإن الشركات تدفع مبلغا من المال لا يستهان به لحكومات تلك البلاد نظير استغلال البترول فيها . وفوق ذلك فإن وجود هذه الموارد بعيدا بآلاف الأميال عن أرض بريطانيا يجعل استيراد البترول أمرا كبير الكلفة ، وفي وقت الحرب محفوفا بالأخطار .
الأمر الرابع الذي يهمنا ذكره عن البترول أن المصالح الأمريكية كلها في أيدي شركات مستقلة ، وليس للحكومة سلطان عليها ؛ وهذه الشركات يبلغ عددها اليوم زهاء الستين شركة ، وكانت فيما مضي مركزة في عدد قليل منها ، أهمها من غير شك شركة ستاندرد التي أوشكت في وقت من الأوقات أن تكون المهيمنة المسيطرة على إنتاج البترول في أمريكا كلها ؛ ثم صدر أمر الحكومة الأمريكية بتجزئة هذه الشركة إلي أجزاء عديدة تزيد على
الثلاثين ، وكلها قد تحمل اسم ستاندرد ، ولكن كلا منها منفصل عن الآخر تمام الانفصال
أما الشركات البريطانية فإن أكثرها شديد الاتصال بشركة شل ؛ وتسيطر على شركة شل وجميع الشركات الأخري الحكومة البريطانية نفسها ، فإن لها ممثلين في مجلس إدارة كل شركة من الشركات ، وذلك طبقا لسياسة وضعتها الحكومة البريطانية منذ عام ١٩٢٢ ،
عندما اتضح لها أن إنتاج البترول أمر له من الخطر ، ومن المساس بكيان الدولة ، ما يجعل من اللازم أن يجعل تحت عين الدولة وبصرها ، وأن يكون لها في شئونه الكلمة النافذة، أضف إلي هذا أن الشركات البريطانية تعمل في أقطار أجنبية ، في أكثر الأحيان ، ولا بد لها من آن لآن أن تحتاج إلي مساعدة الدولة . على أن الحكومة البريطانية لم تحاول ان تتدخل في شئون هذه الشركات إلا بأيسر قدر تتطلبه الظروف والأحوال . ولا شك أن سياسة الاعتدال في الاستغلال ، وتدبير موارد البترول في بعض الجهات ، بحيث لا يستنفد إلا ببطء شديد ، التي تسير عليها الشركات البريطانية ، هي بعض نتائج هذا الاتصال بالسلطات الحكومية
ولابد لنا أن نذكر أن الشركات الأمريكية أكبر عددا من البريطانية ، ورغم عددها الكبير فإنها تمثل مصالح مالية واقتصادية كبيرة ؛ ولهذا لم يكن بد من أن تكون لها كلمة قوية ونفوذ لا يستهان به في دوائر الحكومة الأمريكية . فبعض هذه الشركات يقدر رأس ماله بنحو مائة مليون من الجنيهات ، ودخله السنوي ببضعة ملايين
وذلك في بلاد يقال عنها إن الدينار يعبد فيها من دون الآلهة جميعا ، وإن القيم كلها تخضع للمقياس النقدي دون سواه من المقاييس .
هذه هي الاعتبارات الأربعة التي لا بد للقارئ أن يستوعبها لكي يدرك الأسس التي تبني عليها سياسة البترول في الشرق الأوسط . ولم نرد هنا أن نذكر بما للبترول من
عظيم الخطر في الاقتصاد القومي والحربي ، ولكيان الدول الكبيرة ، فقد سبق أن عولج هذا الموضوع في " الثقافة " مرارا .
ونريد الآن أن ننتقل إلي النظر في بترول الشرق الأوسط ، وسيجد القارئ هنا خريطة، مستقاة من صحيفة أمريكية ، توضح كثيرا من الأنباء والإشارات التي كثر ورودها في الصحف أخيرا عن مشروعات البترول .
تقوم باستغلال البترول في الشرق الأوسط - كما هو واضح مما تقدم - شركات بريطانية وأمريكية ، وهناك كذلك بعض مصالح أخرى أقل خطرا ، ولا تقوم حكومات البلاد الأصلية لا بالبحث عن البترول ، ولا باستخراجه ، ولا بتكريره أو بيعه ، لأن الشركات التي تقوم بهذا ذات رأس مال ضخم ، ولديها من التجارب والدراية الفنية ما يجعلها اقدر على القيام بهذا الأمر من اية حكومة ، والذي تفعله الحكومات هو أن تمنح شركة من الشركات امتيازا دون سواها باستخراج البترول في مساحة من الارض واسعة الأرجاء ، في مقابل مبلغ من المال تقدمه الشركة للحكومة ؛ وهذا المبلغ يتقرر عادة بالنسبة إلى كل طن من
النفط يستخرج من الأرض . وقد يكون هذا المبلع زهاء نصف دينار لكل طن . وإذا استغل البترول استغلالا حسنا ، استولت الحكومة على مبلغ لا يستهان به من المال . ونذكر هنا علي سبيل المثال أن حكومة العراق قد بلغ إيرادها من البترول عام ١٩٤٠/٣٩ مليونين وخمسين الفا من الدنانير . وأمكن للحكومة في تلك السنة أن تستدين من شركة البترول مليونا آخر بغير فائدة . ولو أن بريطانيا توسمت في إنتاج البترول في العراق لزاد إيراد الحكومة العراقية علي هذا المبلغ كثيرا ؛ فإن في العراق ، وفي كثير من جهات الشرق الأوسط ، أقطارا واسعة قد منحت الشركات امتيازا لاستغلالها ، ولكن البترول فيها لا يزال قابعا إلي اليوم في باطن الأرض . وهذا الأمر ينطبق على الجزء الأكبر من أقطار الشرق الأوسط .
والنشاط البترولي في الشرق الأوسط ينقسم إلي أربعة اقسام ، بحسب الجهات التي يتصل بها والشركات التي تعمل في كل قسم منها ؛ وسنورد هذه الأقسام هنا علي الترتيب الذي جاء في الخريطة المدرجة هنا .
فأولها الشركة العربية الأمريكية ، وهي تمثل مصلحة أمريكية خالصة ، ويتناول امتيازها جميع الأقطار الموضحة الممتدة من البحرين وخليج العجم إلي حدود العراق والحجاز واليمن وحضرموت وعمان ، وتشتمل علي اقطار صحراوية وواحات ، وأكثرها واقع في المملكة العربية السعودية . ولم يستغل بعد من هذه المساحة العظيمة سوي جزر البحرين التى كانت فيما مضي تخرج اللؤلؤ والدر ، فأصبحت اليوم تخرج البترول أيضا . وهذه هي المنطقة التي أثارت الضجة حول خط الأنابيب الذي يخترقها من الخليج الفارسي إلي البحر المتوسط .
الإقليم الثاني : يشمل أرض العراق ، وهي ميدانه الرئيسي ، ولكن له فرع في عمان والأقطار المجاورة لها .
والمصالح صاحبة الامتياز فيه بريطانية بنسبة(53 %) ، وأمريكية ( 23.75% ) ، وفرنسية (23.75%)، ولم يبدأ
الاستغلال في كل هذه المساحة إلا في بلاد العراق الشمالية ، وتمتد منها أنابيب تحمل البترول إلي طرابلس وحيفا .
الإقليم الثالث : هو الحقل الإيراني العظيم ، وهو الذي تعمل فيه المصالح البريطانية وحدها ، وهو الذي يشتغل أكثر من أي إقليم آخر في الشرق الأوسط ، بل هو خامس جهات الإنتاج في العالم كله . والشركة الإيرانية البريطانية لا تريد ان يستغل البترول في الشرق الأوسط . بحيث ينافسها ويعوق تقدمها
الإقليم الرابع : الكويت ، والامتياز فيه مناصفة بين الشركة الإيرانية وبعض الشركات الأمريكية ، ولكن هذا الإقليم ، ورغم غناه بالنفط ،لم يستغل بعد ، ولم يستخرج منه قنطار واحد من البترول .
والشركات الأمريكية التي تعمل في الشرق الأوسط هي ثلاث شركات فقط ، وهذا يترك خمسا وخمسين شركة في الولايات المتحدة ، لا دخل لها في هذه المشاريع كلها .
الثاني ولذلك كانت ثائرتها عندما قررت حكومة الولايات المتحدة أن تغني خطا من الأنابيب بأموال الحكومة لا بأموال الشركات . طولة ألف ميل يمتد من الخليج الغارسي إلي البحر المتوسط ، وتبلغ عفقات إنشائه نحو مائ مليون دولار ، قرأت تلك الشركات ان في هذا تدخلا من الحكومة في شئون البترول ، ومحاباة لبعض الشركات ؛ وتهديدا لمصالح البترول المستخرج من الآبار الأمريكية . ولا تزال هذه الضجة قائمة ، حتى يقضي البرلمان الامريكي برأي فيها .
أما في بريطانيا ، فإن المحادثات التي تجري هنالك اليوم ستنناول من غير شك مصالح البترول البريطانية ، ومبلغ التعاون بين المشروعات الأمريكية ؛ والنشاط البريطاني الموجود اليوم . وكذلك لابد ان تكون هنالك اعتبارات خاصة بمد أنابيب البترول في أراض مثل شرق الأردن وفلسطين ، وبينها وبين الإنجليز عهود ومواثيق .

