الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 124الرجوع إلى "الثقافة"

البترول والحرب

Share

يزعم العلماء ذوو الخيال الخصب الواسع أن القنبلة التى تزن عشرة قناطير من الموار المخربة المدمرة ، والتى تفتك بالسفينة الضخمة ، وبالصرح المشيد ، والقصر المنيف ، تلك القنبلة - فى زعمهم - ما هى إلا وليدة الكرة من الصوان التى كان يترامى بها الناس " المتوحشون " فى العصر الحجرى القديم . وتستطيع أن تصدق هؤلاء الكتاب أو لا تصدقهم ؛ ولكننا لا نملك إلا التسليم بأن الحرب قد ازدادت على مر القرون فتكا وتخربيا وتدميرا . ومن أهم العناصر فى هذا الفتك والتخريب تلك المادة الطاهرة البريئة : البترول . ولقد كان العرب يعرفون هذه المادة ، ويسمومها النفط ( بفتح

النون المشدوة وكسرها ) ، وأحسبهم أخذوا هذا الاسم عن اليونان ، وقد نقله عنهم الأوربيون ؛ ثم غلبت التسمية الحديثة ( البترول ) ، أى زيت الصخر . وكانت العرب تعرف ما لهذه المادة من فائدة علاجية ، فكاوا يطلون به جلد الأجرب من الدواب ، ويستخدمونه فى السرج يستصبح بها ! ولقد يطلقون على المكان الذى يكثر فيه النفط اسم " النفاطة " ، كما يطلقون هذا الاسم على السراج نفسه ، أو على وعاء ضخم من النحاس يرى فيه بالنفط .

هذه المادة الطاهرة البريئة تتكون تحت أطباق الثرى ، وهى تتألف على وجه الخصوص من عنصرين : الكربون

والأيدروجين ، يتحدان مما فى باطن الأرض تحت ضغط شديد ، وعمق عظيم ! ثم لا تلبث القشرة الأرضية أن تتلوى وتنكسر ، فيتسرب هذا السائل الثمين ، إلى مستودعات باطنية ، تقربه من سطح الأرض ، بحيث ينفجر عند الحفر ، أو يسيل فوق الثرى من غير حاجة إلى حفر .

كان البترول إذا معروفا منذ الزمن القديم . ولكنه لم يكن سلعة تجارية ذات خطر ، ولم يكن المستخرج منه إلا مقدارا زهيدا . وفى منتصف القرن الماضى كان لا يستخرج منه فى العالم كله سوى مقدار يعادل عشرين ألفا من هذه الصفائح التى نعرفها جميعا . . وكان الفحم وحده مادة الوقود التى تسيطر على الصناعة ، وتولد القوة ، وتدفع السفن ، وتسير القاطرات . ثم أخذ إنتاج البترول يتزايد بسرعة مطردة ، وللولايات المتحدة فضل السبق فى هذا الميدان ؛ حتى بات اليوم من أعظم السلع خطرا ، ومن المواد التى تتناحر الدول على إنتاجها والسيطرة على مواردها .

لسنا بحاجة لأن نفصل الكلام عن الأغراض العديدة التى يستخدم فيها البترول , وحسبنا أن نشير إلى أن هناك طريقتين لاستخدامه : الأولى أن يستخدم كمادة وقود لتوليد البخار ، وبذلك يحل محل الفحم فى تسيير السفن أو القاطرات ! وفى هذه الحالة تظل القوة الدافعة هى البخار ، وفى هذه الحالة ينحصر الأمر فى إحلال مادة محرقة بدلا من مادة أخرى .  ولكن حتى فى هذه الحالة يكون للبترول مزايا كثيرة على الفحم ! ذلك أنه يحتل من السفينة حيزا أقل مما يحتله الفحم ، وهو أيسر فى التعبئة من الفحم ، وتستطيع السفينة أن تقطع مسافة أطول وتحمل بضاعة أكثر مما لو كانت تحرق فحما .

على أن الوسيلة الثانية لاستخدام البترول هى أجل خطرا وأكبر أثرا ؛ ذلك أن اختراع الآلات ذات الاحتراق الداخلى أدى إلى استخدام البترول فى صوره العديدة كوسيلة للدفع والتحريك بدلا من البخار . وقد

تعددت الآلات والمخترعات التى يستخدم فيها البترول ؛ فمنها ما يحرق بترولا ثقيلا ، ومنها آلات دقيقة لا بد لها من البترول المكرر السريع التبخر . ويعلم القارئ من غير شك أن الطائرات هى أهم المخترعات التى لا بد لتسييرها من البترول المكرر .

وبديهى أن منافع البترول فى وقت السلم أجل وأعظم منها فى وقت الحرب ؛ ولكننا الآن سنقصر الحديث على الحرب وما للبترول فيها من أثر بعيد ، وماله أيضا من أثر فى السياسة الدولية ، التى تتجه نحو الحرب ، أو تحاول الابتعاد عنها .

لقد أحدث استخدام البترول ثورة هائلة فى حرب البحار ؛ فجميع السفن الحربية على اختلاف ضروبها وأشكالها وأحجامها لا تستطيع أن تقوم اليوم بأى عمل حربى ذى شأن ما لم تكن مسيرة بالبترول . ولو أن السفن الحربية اليوم كانت تكتفى باستخدام الفحم لكان فى دخانه الأسود الكثف ما يدل على مكانها ، فتسعى إليها القطع المعادية ، فلا تستطيع الإفلات منها . ولكن الميزة الكبرى لاستخدام البترول فى السفن الحربية أنه مكنها من أن تقطع مسافات بعيدة ، وأن تعبر المحيطات الواسعة ، دون أن تحتاج إلى التزود بمقدار آخر فوق ما أخذته من قاعدتها . والبترول خفيف الوزن ، ولذلك استطاعت السفن الحربية أن تحمل مدافع أكثر عددا ، وأضخم حجما مما كانت تحمله فيما مضى . وقوة الاحتراق الداخلى أشد دفعا من قوة البخار ؛ ولهذا  اكتسبت سفن الحرب سرعة تفوق سرعتها القديمة ، واستخدمت فيها آلات ومحركات أقوى مما كان يستخدم فى الأزمنة السابقة .

ولئن كان البترول استحدث ثورة فى حرب البحار ، فإنه قد خلق حربا جديدة لم يكن لها وجود من قبل ، الا وهى حرب الجو ؛ ولقد ظهرت الطائرات فى الحرب العالمية سنة ١٩١٤ ؛ ولكن الحرب الجوية فى ذلك الزمن لا تقاس إلى ما هى عليه اليوم . فاليوم بات

سلاح الطيران سلاحا شديد الخطر ، ويوشك أن يكون أهم أسلحة الحرب جميعا ، وهو يمتاز بالمرونة والسرعة الهائلة ؛ ومن الممكن استخدامه فى البحر وفى الجو ، وفى الحروب البرية أيضا ؛ هذا عدا استخدامه فى نقل الجنود ومهاجمة المدنيين ، وخلف خطوط العدو ، وفى تدمير المصانع وطرق المواصلات ، وقواعد السفن . والذين ينادون أحيانا بأن سلاح الطيران لا يكسب حربا ، يريدون بذلك أن استخدامه ضد المدنيين وفى تدمير المنازل لا يأتى بفائدة حربية ؛ ولكن علينا ان نذكر أن لهذا السلاح وظيفة رئيسية فى ميدان الحرب نفسه ، وفى الحروب البرية والبحرية . وليس من الممكن أن نتصور الحرب الحديثة من غير سلاح الطيران ؛ كما أننا لا نستطيع أن نتصور سلاح الطيران من غير التحكم فى موارد بترول ضخمة . فلقد ازدادت الأساطيل الجوية عددا ، وازدادت قوة وسرعة وضخامة ، وتضاعف استهلاكها للبترول ، بل لأجود مستخرجات البترول . والطائرة التى تكتفى بنوع من البترول متوسط الجودة ، لا تستطيع أن تبلغ السرعة أو القوة التى تضمن لها الفوز فى القتال الجوى .

ومن أجل السلاح الجوى وحده لا تستطيع دولة اليوم أن تغامر بالاشتباك فى حرب ، دون أن تضمن حاجتها من البترول ؛ وإلا كانت هزيمتها محققة . ولقد كانت قلة البترول الصالح للطائرات فى إفريقية الشرقية والحبشة ، من أكبر الأسباب فى سرعة انهيار الامبراطورية الإيطالية . ولم تغن الجيوش الجرارة ، ولا الحصون المنيعة ، بعد أن نفذ المخزون من البترول ، وانقطع الوارد من هذا السائل الثمين .

كذلك استحدث البترول فى الحرب البرية ثورة لا تقل خطرا ولا عنفا عما استحدثه فى الحرب البحرية . ولقد كان الناس من قبل يقولون إن الجيش يزحف على معدته ، أى أن نجاح الحروب البرية متوقف على حسن إمداد الجيوش بالزاد . أما اليوم فإن الجيش يزحف على

البترول ، ولولاه لاستحال إمداد الجيش ، لا بالطعام والشراب وحدهما ، بل وبالذخيرة والعتاد الحربى . ولقد سمعنا فى هذه الحرب عن جنود تتقاتل بالأسنة فى بعض الجهات ؛ فظن البعض أن الحرب الحديثة فى النهاية لا تختلف كثيرا عن الحروب القديمة ؛ ولكن حرب الأسنة هذه لا يلجأ إليها إلا فى حالات فردية ، وفى المراحل الأخيرة من القتال ؛ ومن المسلم به أن المدار فى الحرب لا يزال إلى اليوم قائما على الجنود البرية عامة وعلى المشاة خاصة ؛ فهى التى تستولى فى النهاية على المواقع ، وتحتلها ، وتحيط بالعدو وتأسره ، ولكن حرب المشاة قد تطورت تطورا هائلا ؛ وأصبحت ظاهرة " المشى " التى هى أساس هذه التسمية ، خاصة بالمراحل الأخيرة من القتال ؛ فلقد كان يعاب على المشاة دائما بطء الحركة ، وصعوبة نقل الجيش من جزء من الميدان إلى جزء آخر ، وبطء حشد الجنود فى المكان الملائم ؛ وقد زال هذا كله من الحرب الحديثة . فأصبح المشاة لا " يمشون " إلى الميدان ولا وراء الخطوط ؛ بل تحملهم السيارات المصفحة وتنقل إليهم الزاد والذخيرة والعلاج ؛ فمع كل جيش قطارات من السيارات تلازمه أينما ذهب ، ومن ورائه قطارات من السيارات تمونه وتخدمه ، وهى فى حركة دائما ما بين الميدان وبين جهات الامداد .

ولقد ظهر فى الحرب الماضية أن سلاح الفرسان ليس بذى خطر عظيم ، وابتكرت الدبابات للمرة الأولى ، وكانت أول الأمر بطيئة الحركة ؛  ولكنها اليوم ازدادت سرعة وقوة ؛ وهكذا حلت الدبابات محل الخيل ؛ وهى من أضخم أدوات الحرب وأثقلها وزنا ، ومن أشدها استهلاكا للبترول . ولا بد لها من سيارات تمدها به ، إذا أرادت أن تقطع مسافات بعيدة .

وفى الحروب الماضية كان استطلاع أنباء العدو وحركاته موكولا إلى وحدات صغيرة من المشاة ، تسير بسرعة متسترة بالظلام أو بالشجر أو بالصخور ، ثم ترجع

عدوا إلى قواعدها . أما اليوم فان هذا العمل تقوم به السيارات الخفيفة والموتوسيكلات ، ولا بد لهذه جميعا من البترول .

وهكذا نرى أن الجيش حقيقة يزحف اليوم على البترول . ولابد للدولة التى تريد أن تفوز - بل تشتبك - فى حرب حديثة أن تضمن مواردها منه .

وفى العالم أقاليم كثيرة تنتج البترول ، ولكن هنالك أقطارا شاسعة خالية منه تماما . فأمريكا غنية بالبترول غنى مفرطا . ومن أكبر العوامل فى فوز الحلفاء فى الحرب الماضية وفرة البترول عندهم ، وقلته عند اعدائهم . ولا تزال أمريكا إلى اليوم تنتج ما يزيد على ثلاثة أرباع الانتاج العالمى كله . وبريطانيا اليوم تعتمد الاعتماد كله على ما تستورده من أمريكا ؛ لأنها برغم مواردها الكثيرة فى آسيا ، فان أمريكا أقرب إليها ، وطريق المحيط الأطلسى أقل تعرضا للخطر من طريق البحر المتوسط ؛ والجزر البريطانية نفسها خالية من البترول ، اللهم إلا ما قد تستخرجه من الفحم ، وهو مقدار قليل على كل حال .

وقارة أفريقية لا تكاد تنتج بترولا ؛ والجهة الوحيدة التى لا تخلو من البترول هى مصر ، وإنتاجها وإن لم يكن كبيرا فإنه يفى بكثير من الحاجات المحلية وقت السلم . أما سائر قارة إفريقية فخال تماما من البترول . ولا بد أن يكون لهذا أثره فى الحرب الدائرة فى صحراء ليبية ، لأن الجنود الإيطالية والألمانية لا بد لها أن تستورد كل قطرة تحتاجها من هذا السائل العزيز الذى لا غنى عنه .

وللجيوش البريطانية فى الشرق الأوسط موارد أخري من البترول ، تفوق المورد المصرى عشرات المرات . ذلك أن إنتاج مصر يبلغ نحو مائتى ألف طن ، وإنتاج حقول إيران والعراق يزيد على خمسة عشر مليونا من الأطنان . وإذا امتنع الوارد من العراق بسبب الحالة هناك ، فان حقول إيران أكبر إنتاجا من حقول العراق ، وهنالك موارد عظيمة للبترول فى البحرين ، و كذلك فى

الهند وجزر الهند الشرقية ؛ وهذه الأخيرة من أكبر حقول البترول فى العالم وأوفرها إنتاجا .

فليس على الجيوش البريطانية فى الشرق الأوسط أن تخشى فقرا فى البترول . أما الدول الأخرى فان اليابان وإيطاليا لا تملكان من هذه المادة شيئا ، ولابد لهما أن تحصلا عليها من بعض الأقطار الأخرى ، وكانت اليابان تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على حاجتها من البترول ، وهى اليوم تحاول شراءه من جزر الهند الهولندية ، وقد نجحت فى هذا بعض النجاح .

أما إيطاليا فلا بد لها أن تعتمد على حليفتها القوية للتزود بما تحتاجه من البترول ، وقد استطاعت ألمانيا أن تنمى مواردها من البترول الصناعى المستخرج من الفحم ، وكذلك استولت على كثير من البترول المدخر فى البلاد التى احتلتها . ولكن أكبر مورد لها اليوم هو من غير شك حقول رومانيا ، وهى رابع أو خامس أقطار العالم فى إنتاج البترول ، ويزيد ما يستخرج منه هناك على ثمانية ملايين طن ، ولكن يقول كثير من الخبراء إن هذا المقدار لا يكفى حاجات الحرب ، وإن ألمانيا قد تضطر إلى مغامرة جديدة للحصول على مورد بترول جديد . فان استطاعت أن تحصل من روسيا على ما تحتاجه بطريق البيع والشراء أو السلفة ، وإلا فقد تضطر إلى الالتجاء لوسيلة أخرى . وروسيا أغنى دول أوربا جميعا فى البترول ، ويزيد إنتاجها السنوى على سبعة وعشرين مليونا من الأطنان . ومن السهل اليوم نقله إلى ألمانيا بطريق البحر الأسود .

ولا بد للدول المحرومة من البترول مثل اليابان أن تفكر طويلا قبل الاقدام على مغامرة حربية جديدة ، وهى لا تزال بعد مشتبكة فى حرب طاحنة فى الصين .

وهكذا نرى البترول عاملا كبيرا لا فى تسيير الحرب وحدها ، بل فى تسيير دفة السياسة الدولية , وفى توجيه الخطط الحربية .

اشترك في نشرتنا البريدية