الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 599الرجوع إلى "الثقافة"

البترول والشرق العربى

Share

... الشرق العربى مورد هام من موارد البترول ، وأهميته الكبرى ترجع إلى حد بعيد إلى هذا البترول الذى أضحى محور الحياة الاقتصادية ، وبالتالى ترتبت عليه الحياة السياسية والاجتماعية . وإلى البترول يرجع السر فى تكالب المصالح الغربية على الشرق العربى ، كما يرجع السر فى تنافس تلك المصالح الدولية وتسابقها إلى حيازة قصب السبق فى منابع ذلك الفيض البترولى الذى تقوم عليه الحضارة السلمية ، كما تقوم عليه الحضارة الحربية ..

ومن مناطقه الهامة فى هذا الشرق مناطق الخليج العربى ( الفارسى سابقا ) ، وهى الكويت والبحرين ، كما يوجد فى العراق ومملكة آل سعود ومشيخة قطر وغيرها ، ومنذ شهور اكتشف فى ( شبوه ) فى جنوب الجزيرة العربية ، وكان لهذا الاكتشاف أهمية بالغة فى محور الحياة الاقتصادية فى هذا الجنوب ، إذ اهتمت له حكومات حضرموت وعدن واليمن بالغ الاهتمام ، وانتهى الأمر بتولى شركة أمريكية أمر بترول شبوه الذى ينتظر أن يدر على جنوب الجزيرة كثيرا من الخيرات والبركات ...

والملحوظ أن منابع البترول تظهر فى الشرق العربى فى المناطق الجرداء ، فيضيف ذلك موردا هاما وأهمية بالغة

للحياة فى هذا الشرق ؛ إذ أن أكثر البلاد التى يوجد فى أرضها فقيرة من الناحية الزراعية أو تكاد ، وهذا المورد يشجع فيها العمل ويعمل فيها على إصلاح أحوالها الاقتصادية ورفع مستواها الأدبى والاجتماعى .

... ومنذ زمن بحث الجيولوجيون الأوربيون أرض البحرين ، ثم يئسوا بعد أن استيقنوا من خلو صحاريها وأراضيها الرملية من النفط . وقد تسلمت إنجلترا منهم هذا القرار الهام واعتقدت معهم ألا سبيل لوجود البترول فى جزر البحرين ؛ فلما أراغ بعض العمليين أن يلفتوا نظر بريطانيا إلى أن تلك الأراضى العربية البحرينية يوجد بها كنز عظيم من البترول ، إذا قام البحث والتنقيب على نطاق واسع ، لم يجدوا أذنا صاغية ؛ لأن بريطانيا كانت قد صدقت ما جاء به الجيولوجيون من خلو البحرين من البترول ، فلم تعر هذه الأقوال انتباها ؛ بيد أن ( الميجر فرانك هومز ) أعد عدته وقام يواصل أبحاثه وتنقيباته فى جزر البحرين بعد أن رحل إليها يحدوه الأمل فى الثروة والكنز المأمول ، وقد لاقى فرانك صعوبات كثيرة فلم يحقق مشروعاته التى كان يحلم بها ، لولا أنه دون كل ما وصل إليه من أبحاث وتقارير ، وآب إلى لندرة واتجه صوب

الجيولوجيين بطرق أبوابهم ليؤكد لهم وجود النفط فى تلك البلاد العربية ، ولكن جهوده ذهبت مع الرياح تتناقلها من فضاء إلى فضاء ...

وسخت بريطانيا فى منح الامتيازات لأمريكا التى قام منها ( المستر إندرومالون ) وصدق ما ذهب إليه فرانك ، ثم تحول الامتياز من شركة المستر إندرومالون إلى شركة ( ستاندر أويل أوف كاليفورنيا ) ، ولاقت الشركة كثيرا من النجاح فى الحصول على البترول وتتالت عليها الأرباح من كل جانب ، فلفت هذا نظر بريطانيا فأسقط فى يدها وتحسرت واتهمت نفسها بالتبذير ، حيث رأت أنها كانت سخية فى منح الامتيازات للشركات الأمريكية طبقا لتسليمها بما ذهب إليه الجيولوجيون ، وتبين لها حينئذ خطأ زعمهم ؛ أما فرانك هومز ، فلم يخرج من المعترك خاسرا ، بل قد امتلأت جعبته أيضا بما برق فى عينيه وبما قضى الأعوام يحلم ويرسم الخطط والأخيلة المتباينة من أجله وفى سبيله ..

ولقد قامت فى البحرين معامل كبيرة لتكرير البترول ، ولضخامتها وعظم شأنها مد خط بترولى من المملكة العربية السعودية إليها للتكرير ، وقد استطاعت أن تقوم بتكرير ما يربو على ثلاثين ألف برميل من النفط فى اليوم الواحد ..        والكويت من أهم مصادر البترول فى الشرق العربى ، ويهتم بها الإنجليز من هذه الناحية كثيرا ، كما يهتمون بالبحرين وغيرها ، وأعظم منطقة له فيها هى منطقة ( البرخان ) ، وتعتبر أعظم بقعة لإنتاج البترول فى جميع أنحاء المعمورة ، وكان اكتشافها فى عام ١٩٣٨. وفى مؤتنف صيف ١٩٤٦ أنشىء خط أنابيب منها ، كما تم مركز للتحميل والشحن فى ( الفحيحيل ) ، وعملت تسهيلات شتى للتخزين فى ( الأحمدى ) ، وقد أخذ معمل التكرير فى الفحيحيل على عاتقه تموين الكويت بالبنزين والكيروسين وما إلى ذلك ... والفحيحيل ميناء الشحن البترولى فى الكويت الذى يأخذ من خزانات النفط فى البرقان ، أما الأحمدى فهى المدينة الرئيسية للبترول فى الكويت العربية .

وإنتاج الكويت من البترول يربو على أربعين ألف برميل فى اليوم الواحد ، وينتظر كما حقق الخبراء أن يصل إلى مائة وعشرين ألف برميل يوميا ، ثم إلى أبعد من ذلك

كلما بدت للوجود آبار جديدة مع دوام البحث والتنقيب فى تلك الأراضى العامرة . وكان ( المستر جلبر - عضو البعثة الأمريكية الفنية ) قد قدر وجود البترول فى أرض الكويت فى حدود خمسمائة مليون برميل . ومما يدلنا على تقدم الإنتاج البترولى فيها أنه كان فى عام ١٩٤٧ ثمانين ألف طن وفى عام ١٩٤٨ ( ٦,١٢٩,٥٧٧ ) وفى العام الماضى ١٩٤٩ حوالى ١٢,١٨٣,٦٩٩ طن .

ويداعب شركة البترول اليوم أمل فى العثور على البترول على أعماق متباينة ، مما يزيد من أملنا فى الحصول على كميات عظيمة واكتشافات جديدة وربح وافر . على أن ( شركة دارسى ) بانجلترا لها نصف حقوق امتيازات شركة الزيت الكويتية ، كما توجد أيضا شركة مباحث الخليج الأمريكية .

... ويقترح صديقنا الكويتى الأستاذ النابه عبد العزيز حسين على المسئولين فى الكويت إنشاء معهد للبترول هنالك ، دعاه إلى ذلك استغناء شركة البترول فى الكويت عن العمال الكويتيين بالرغم من الاهتمام بالعمال الأجانب ، حتى من غير الأمريكان والإنجليز أصحاب الامتياز ، وبالرغم من الزيادة المطردة والتقدم الباهر فى إنتاج البترول ، كما دعاه إلى ذلك حاجة شركة بترول الكويت وشركة أمينويل ( شركة المنطقة المحايدة ) إلى المتعلمين والفنيين من الكويتيين ؛ نضيف إلى ذلك رغبة جنابه فى فتح باب نافع جديد لأبناء الكويت وفى العمل على رفع شأن الكويتيين ومركزهم فى شركات البترول التى تحتكر بترول بلادهم ، وتمرينهم على العمل والإدارة لمورد هام من موارد الحياة الاقتصادية فى أراضهم . ويقول : إنه ( يمكن أن يكون مركز هذا المعهد فى الأحمدى ، وذلك بالقرب من عمليات البترول المختلفة - حفر واستخراج ونقل وتكرير وشحن وإدارة وتنظيم العمل - فيتمرن الطلبة عمليا ونظريا بالقرب من مراكز الإنتاج ، ولا بد من الدروس النظرية كاللغة الإنجليزية والآلة الكاتبة وبعض معلومات نظرية عن البترول وشركاته والإدارة وغيرها ) .

... ويداعب اليوم جنوب الجزيرة العربية أمل كبير فى أن يكون مورد البترول فى شبوه سبيلا لازدهار حضرموت وما جاورها من البلاد العربية ، وخاصة بعد ازدهار ميناء

المكلا تبعا لإنتاج شبوه ، وشبوه هذه في حضرموت بلد فقير ، وهى تقع على خط عرض خمس عشرة ونصف درجة وعلى خط طول سبع وأربعين درجة ، ويذهب المستر هارولد إنجرامس (Harold Ingrams) فى كتابه عن (Arabia and  (the isles أن شبوه لها أهمية محلية خاصة بمنجم الفحم الذى فيها ، كما يذهب إلى أن شبام قد بدت أهميتها أهمية شبوه . نظرا لركود الحياة فى هذه الأخيرة ، وأهمية شبوه كانت تتوقف إلى حد بعيد على أهمية التوزيع التجارى ، ولكن هذه الأهمية فقدت حينما انتقل مركز التوزيع التجارى إلى طريق البحر .

على أننا نجد أن شبوه قد خلت من الحركة التجارية تماما فى هذه الأيام الحاضرة . ويذهب المستر إنجرامس إلى أن السبب فى ترحال الأهالى من شبوه إلى غيرها من البلدان كشبام هو الرمال الغازية ثم لتدهور الحركة الاقتصادية فيها . على أن تاريخ شبوه تاريخ كبير إذا ما علمنا أنها تقع فى شرق ( مأرب ) وفيها سد مأرب العجيب الذى يدور حوله محور تاريخ كبير ، كما يدور حول البلد الذى قام بين ظهرانيه . أما من جهة الطرق البرية ، فقد كان لشبوه شهرة كبيرة بسبب طريق للقوافل فيها ، وهو ذلك الذى ذكرته المس فريا ستارك Miss Freya Stark ( الآن السيدة فريا استارك ) فى بعض كتبها الضخمة عن حضرموت التى نالت بها الشهرة الكبرى لدى البريطانيين ولدى أبناء جنوب الجزيرة من العرب وغيرهم ؛ فإذا ما علمنا كل هذا وعلمنا أيضا أن البلدان والمدن والقرى التى تحف بشبوه فى جنوب شبه الجزيرة فقيرة فى أحوالها الاقتصادية والاجتماعية والأدبية ، أدركنا أن شبوه وبترولها ستكون له الأهمية الكبرى واليد الطولى فى تحويل جزء كبير من هذا الجنوب إلى جنة زاهرة ورفعه إلى مرتبة عظيمة والعمل على إشراكه ومساهمته فى المدنية الحديثة واقتباسه منها ما ينهض به وما يرفع من شأنه ..

وقد حصلت شركة شل منذ ما يربو علي عشرة أعوام على امتياز للبحث والتنقيب فى حضرموت ، وقد استطاع المنقبون أن يكشفوا بعض آبار البترول فى المنطقة الشرقية التى تقع بين حدود حضرموت القبطية وبين بلاد المهرة .      وإنما أستطيع الآن أن أقرن مسألة البترول وأهميته فى شبوه وبالتالى فى جنوب شبه الجزيرة ، بمسألة الأبحاث الأثرية

وثروتها ومسألة التاريخ وأهميته ؛ ذلك أن شبوه بلد به آثار ثمينة ونادرة ، كل منها يحتاج إلى درس وتنقيب واهتمام ، ولكن إلى اليوم تراها مهملة لا ينظر إليها ، وذلك ككل المناطق الحضرمية فى جنوب الجزيرة ؛ فهناك مناطق كثيرة غنية بآثارها المدفونة من عهد الحميريين والسبئيين وغيرهم ، كشف بعض المستشرقين قليلا جدا منها ، والكثير منها باق على حالته إلى اليوم لا ينظر إليه ، بسبب الخرافات المحلية والإبهام الذى خطته يد الأيام على بقاعها ، وبسبب عدم وجود التشجيع والشجاعة التى تكفى للتقدم فى هذا المضمار . ومما لا ريب فيه أن ازدهار شبوه ببترولها سيكون له كل الأثر فى تطلع الأنظار إليها وإلى آثارها وآثار ما جاورها من البلدان ، فضلا عن أن ذلك سيكون له أبعد الأثر فى مركز ( المكلا ) العاصمة الحضرمية وفى رفعها إلى ذروة الموانى العظيمة ، مما يؤثر بالتالى فى حياة الحضارمة وأبناء الجنوب العربى .

... أما البترول فى ( قطر ) فهو يوجد فى مكان يدعى ( دخان ) ، ويقال إن زنة النفط فيه هى ٤٠% ، وهى نسبة عالية بالطبع إذا قسناها بغيرها من النسب العربية . ولا شك أن تقدم إنتاج مشيخة قطر من البترول والعمل على تنميته وتعديله مما يبعث على الأمل يرفع هذه المشيخة العربية إلى مقام مرتفع من النضج المدنى والنضج الاقتصادى والاجتماعى فيها . وخاصة إذا علمنا أن شركة البترول قد عملت على إنشاء ميناء كبير فيها يدعى ميناء (أم سعيد) ، وقد بدأ فعلا التصدير من هذا الميناء الجديد فى خواتيم العام الماضى عام ١٩٤٩ من مركز البترول فى ( دخان ) . ونحن لو تمعنا فى هذه المشيخة ألفينا أنها بلد صحراوى جاف عماله من الهنود ، أما قراها فيعيش سكانها على بعض الحرف الساذجة كالنجارة وصيد الأسماك وتربية الجمال . أما وقد ارتقى إنتاج الزيت فيها فإن السكان أقدموا على العمل والنشاط بعد ذاك الخمول ، وفتح أمامهم مجال واسع للتقدم والاشتغال . وأما امتياز البترول فى قطر ، فقد حظيت به شركة البترول الإنجلو الإيرانية المتحدة من شيخ قطر السابق الشيخ عبد الله .

والآن نرى أن الاهتمام البالغ بالشرق الأوسط والشرق العربى قد ازداد تبعا للبترول ذلك الذهب الأسود ، وأن

خريطة توزيع هذا الذهب فى العالم قد اختلفت وقامت فيها خطوط رئيسية هامة لم تكن مرسومة على صفحتها قبل الحرب ، مما يدعو إلى القول بأن البترول قد صار محققا ، بل حقيقة واقعة أنه مصدر كبير من مصادر الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى بلدان العالم العربى ، مما يضطرنى إلى التنبيه إلى أهميته وتحويل الأنظار كبيرها وصغيرها إليه واتخاذه سلاحا رهيبا هاما من الأسلحة السياسية ، فضلا عن أنه السلاح الحاد فى عالم الاقتصاد .

... إن العالم العربى اليوم وهو قابع فى شرفه فى أمس

الحاجة إلى كل سلاح ؛ إن كان قديما جدده وقوى بنيانه ، وإن كان جديدا تعهده بالرعاية والتشييد ؛ إن كان ماديا انتبه إليه وقوى دعائمه ، وإن كان معنويا مهد سبيله وبعث بواعثه ، ليتعاون القديم والحديث من الأسلحة من رمح ومدفع وسهم وذرة ، وليتلاءم المادى مع المعنوى من ثروة وروح وإنتاج وشعور ، فى سبيل إشادة بناء سياسى عظيم يوجه سياسة الشرق العربى إلى سبيل الرشاد والسداد والصواب .

اشترك في نشرتنا البريدية