(تتمة ما نشر فى العدد الماضي)
وللبحترى فى ثنايا أبواب شعره أبيات كثيرة فى الحكم والأمثال، بعضها يدل على فطنة لبعض نواحى الحياة والنفس، وبعضها معان مطروقة كساها ثوباً قشيباً. فمن حكمة وأمثاله قوله:
أُرَاِقبُ صول الوغد حين يهزه اق ... تدار وصول الحر حين يضام
وقوله:
هو الحظ ينقص مقداره ... لَمِنْ وزن الحظ أو كاَلهُ
وقوله:
لولا التباين فى الطبائع لم يقم ... بنيان هذا العالم المجبول
وقوله:
ولستَ ترى عود القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرند
وقوله:
واليأس إحدى الراحتين ولن ترى ... تعباً كظن الخائب المكدود
وقوله:
كالكوكب الدُّرِّيِّ أخلص ضوَءهُ ... حلكُ الدجى حتى تألق وانجلى
وقوله:
تَنَاس ذنوبَ قومك إن حفظ ال ... ذنوب إذا قدمن من الذنوب
وقوله:
خلت جهلاً أن الشباب على طو ... ل الليالى ذخيرة ليس تفنى
وقوله:
أدَعُ الصاحب لا أعذله ... لاُ يسَمَّى بِعَقُوقٍ فَيعِقّ
وقوله:
وقديماً تداول العسر واليس ... ر وكلُّ قَذَّى على الريح يطفو
وقوله:
صعوبة الرزء تُلْفَى فى تَوَقِّعهِ ... مستقبلاً وانقضاء الرزء أن يقعا
وقوله:
أغشى الخطوبَ فإما جئن مأربتى ... فيما أُسَيِّر أو أحكمن تأديبى
إن تَلْتَمِس تَمْرِ أَخْلافَ الأمورِ وإنْ ... تلبثْ مع الدهر تسمعْ بالأعاجيب
وقوله:
كأنما شرف الشريف إذا انتمى ... جُرْمٌ جناه على الوضيع الأصغر
وقوله:
إذا مَحاِسِنى اللاتى أُدِلُّ بها ... كانت ذنوبى فقل لى كيف أعتذر
وقوله:
ما أضعف الإنسان لولا همة ... فى نُبْلهِ أو قوة فى لُبِّهِ
وقوله:
والشىءُ تُمْنعُهُ تكونِ بفَوته ... أجد من الشىء الذى تُعطاهُ
وقوله فى التأسى بمصارع الموتى:
إذا شئتَ أن تستصغر الخطب فالتفت ... إلى سلف بالقاع أُهْمِلَ نائمة
ومثل هذا كثير فى شعره. وعندى أن غزل البحتري في مجموعه أرق وأحلى وأكثر نصيباً من الوجدان الفنى من غزل أبى تمام. فمن قصائد غزله المشهورة قصيدته التى يقول فيها:
تمشى فتحكم فى القلوب بِدَ لَّها ... وتميس فى ظل الشباب وتخطر
وقصيدته التى يقول فيها:
ذو فنون يريك فى كل يوم ... خلقا من جفائه مستجدا
اغتدى راضياً وقد بتُّ غضبا ... ن وأمسى مولى وأصبح عبدا
وقصيدته التى يقول فيها:
أيها العاتب الذى ليس يرضى ... نم هنيئاً فلست أطعم غمضا
وهى رقيقة ومشهورة. ومن بديع غزله قصيدته التى يقول فيها: (ردى على المشتاق بعض رقاده) والقصيدة التى يقول فيها:
دنتْ عند الوداع لو شك بين ... دنو الشمس تجنح للأصيل
وفيها يقول:
وذَكَرَنيكِ والذكرى عناءٌ ... مَشابِهُ فيكِ بينةُ الشُّكولِ
نسيم الروض فى ريح شمال ... وصوبُ المزن فى راح شمولِ
والتى يقول فيها:
وجدت نفسك من نفسى بمنزلة ... هى المصافاةُ بين الماء والراحِ
والتى يقول فيها:
وهجر القرب منها كان أشهى ... إلى المشتاق من وصل البعاد
والتى يقول فيها (مِنِّى وصل ومنك هجر) والتى يقول فيها:
بات أحلى لديَّ من سِنَةِ النو ... م وأشهى من مفرحات الأمانى
والتى يقول فيها:
إذا ما الكرى أهدى إلى خياله ... شفى قرُبهُ التبريح أو نقع الصدى
والتى يقول فيها:
وفيهنّ مشغولٌ به الطرف هارَب ... بعينيه من لحظ المحب اُلمَخالِس
وهى ملاحظة فنية جميلة. والتى يقول فيها:
لم يُرْوَ من ماء الشباب ولا انجلت ... ذهبية الصبوات عن أيامه
وفيها يقول:
أُترِيكَ أحلامُ الكرى ذا لوعة ... كِلفَ الضلوع يراك فى أحلامه
والتى يقول فيها:
أأنتِ ديار الحي أيتها الربى ال ... أنيقة أم دار المها والنعائم
وأيامنا فيك اللواتى تَصَرَّمتْ ... مع الوصل أم أضغاث أحلام نائم
لعل الليالى يكتسين بشاشة ... فيجمعن من شمل النوى المتقادم
والبحترى شاعر وصاف بماله من شهوة تذوق المرئيات بجمال فنه، فإن الفنان يتذوق مناظر الطبيعة والمرئيات عموما ًكما يتذوق الطعام من له ذوق خاص فى الطعام والشراب؛ وقد لا يكون شره النظر أو قد يكون، كما أن الذى له ذوق خاص فى الطعام والشراب قد يكون شره البطن وقد لا يكون
ومن أجل شهوة تذوق الأمور بفنه أشك فى أن البحترى قد تعمد أخْذَ كل ما أخَذَ من، المعانى فقد تكون شهوة التذوق بالعاطفة الفنية هى التى ساقته إلى هذه المعانى سواء أكان قد اطلع عليها أم لم يطلع وهى على أى حال مفردات. ومن قصائده المشهورة فى الوصف قصيدة ووصف آثار الفرس الفنية التى يقول فى أولها (صنت نفسى عما يُدنَّس نفسى) وقصيدته فى وصف بركة المتوكل التى يقول فيها:
كأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى فى مجاريها
إذا علتها الصَّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
فحاجب الشمس أحياناً يضاحكها ... ورَيِّقُ الغيث أحياناً يباكيها
إذا النجوم تراءت فى جوانبها ... ليلاً حسبتَ سماَء ركِّبتْ فيها
ومن أوصافه المعروفة وصفه الشقائق فى الأبيات التي يقول فيها: (سقى أكناف الحمى من محلة) وقصيدته التى يصف فيها الربيع وآثاره وفيها يقول:
وقد نَبَّهَ النوروزُ فى غلس الدجا ... أوائلَ وردكن بالأمس نُوَّما
يُفَتَّقها برد الندى فكأنه ... يبثُّ حديثاً كان قبل مُكَتمَّا
وله قصيدته البائية المشهورة فى وصف صيد الفتح بن خاقان للأسد، والدالية التى فيها وصف لقائه (أى البحتري) الذئب فى البيداء، ويعاود وصف الربيع كما فعل فى قصيدته الرائية التى
يقول فيها: (ألم تر تغليس الربيع المبكر) والميمية فى وصف قصرى المتوكل الصبيح والمليح وهى التى يقول فيها:
حلل من منازل المُلكِ كالأنجم ... يلمعن فى سواد الظلام
وقصيدته فى وصف البيان وهى التى يقول فيها:
لتفننتَ فى الكتابة حتى ... عَطَّل الناس فن عبد الحميد(1)
وهى مشهورة. وله أوصاف أخرى منتشرة فى قصائده من وصف للنبات والطبيعة أو للحروب وآثارها مثل القصيدة الفريدة التى يقول فيها:
أسيت لأخوالى ربيعه إذ عفت ... مصايفها منها وأقوت ربوعها
ومراثى البحتري مراثى صنعة تكاد تغطى على الصنعة لأن العاطفة الفنية فيها تغنى على العاطفة الحقيقية أو قد تكون مقرونة بشىء منها، وقد ظفر بنو حميد بمراث بلغت غاية الروعة الفنية من شعر أبى تمام ومن شعر البحترى. ولعل أبدع قصائده فيهم قصيدته التى يقول فى مطلعها:
أقصر حميد لا عزاء لمغرم ... ولا قَصْرَ عن دمع وإن كان من دم
أفى كل عام لا تزال مُرَوَّعاً ... بفَذِّ نَعِيٍ تارة أو بتوأم
إلى أن يقول:
فصرتَ كعُشٍ خلَّفتْه فراخهُ ... بعلياء فرع الأثلة الُمتَهَشَّمِ
ثم يقول:
سلام على تلك الخلائق إنها ... مُسلَّمَةٌ من كل عار ومأثم
ومن المختار له قصيدته فى سليمان بن وهب التى يقول فيها:
أَأُخيّى نهْنِهْ دمعك المسفوكا ... إن الحوادث ينصر من وشيكا
وقصيدته التى يقول فيها (ابنى عبيدٍ شد ما احترقَت لكم) والتى يقول فيها (جحدنا سهمة الحدثان فينا) . ومن أشهر قصائده فى الرثاء رثاء المتوكل وقد قيل إن ابنه المنتصر ولى العهد دس له من اغتاله وإلى ذلك يشير البحترى فى قوله: -
أكان وَلُّى العهد أضمر غدرة ... فمِنْ عَجَبٍ أَنْ وُلَّى الأمر غَادِرُهْ
وهو لم يتمتع بالخلافة إلا بضعة أشهر. ويقال إن ضميره أفسد عليه تلك الأشهر من حياته. ويخيل إلى أن البحترى لم يعلن هذه
القصيدة إلا بعد وفاة المنتصر إلا أن يكون قد تنبأ بها وأجاب الله دعوته فى قوله:
فلا مُلِّى الباقى تراثَ الذى مضى ... ولا حملتْ ذاك الدعاء منابرُهْ
وفيها يمدح المعتز بن المتوكل فيقول(1):
وإنى لأرجو أن تُرَدَّ أمورُكم ... إلى خلَف من شخصه لا يغادرُه
مُقلَّب آراء تخافُ أناته ... إذا الأخرق العجلان خيفت بوادرُهْ
وإنى أشك فيىصدق قوله وأرى أنه من شواهد ما قدمت من اختلاط الخيال بالعاطفة:
أُدَافعُ عنه باليدين ولم يكن ... ليثنى الأعادى أعزلُ الليل حاسرُهْ
ولو كان سيفى ساعة الفتك فى يدى ... درى الفاتك العجلان كيف أساوره
إذا أنه لو فعل كما قال إنه فعل لقتله الفاتكون. ولكن المشهود فى القصيدة روعة الصنعة وفخامتها لا عمق العاطفة. والحق أن البحترى إذا ملك صناعته ولم يتكلفها أتى بها وهى فى بهجتها وحلاوتها حقيقة بالمدح الذى مدح به البحترى منزلة ممدوحة فى قوله:
منيت أحاديث النفوس بذكرها ... وأفاق كلُّ منافس وحسود
وأصدق قول يقال فى البحتري وأبى تمام هو ما قاله البحترى نفسه إذ قال إن جيد أبى تمام خير من جيدة، ورديء أبى تمام شر من رديئة. ومثل هذا القول يصح أن يقال أيضاً فى البحترى وأبن الرومى، ولا نعنى بالجودة الصناعة فحسب بل كل ما ينهض به الشعر من ميزات. وللبحترى قصائد فى العتاب هى من أجل ما كتب فى اللغة العربية فى هذا الباب ولا سيما عتابه للفتح بن خاقان فى قصيدته البائية التى يقول فيها:
ولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
والميمية التى يقول فيها:
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبيّن أو جرم إليك تقدّما
وفى صنعة عتابه كما فى صنعة مدحه حلاوة وسهولة المتناول، وليس فيها اللجاجة الفكرية التى بذلها ابن الرومى فى قصيدته فى العتاب التى يقول فيها (يا أخى أين ريع ذاك اللقاء) . على أن
هذه القصيدة لابن الرومى لا تمثل إلا ناحية واحدة من نواحى مقدرته فى العتاب فله نواح أخرى منها ناحية العتاب الممزوج بالهجاء، ومنها ناحية العتاب الذي فيه خضوع للمعاتب. وابن الرومى أوسع مقدرة من البحترى وأكثر نصيباً من ذخائر اللب وإن كان البحترى أوفر نصيباً من بهجة الصنعة.
وقد جاء فى كتاب الأغانى وصف إنشاد البحترى لشعره: فقال المؤلف إنه كان يتشادق فى إنشاده، ويتزاور، ويتمايل، ويلوح بكمه، ويتقدم ويتاخر، ومعنى هذا الوصف أنه كان يُمَثَّل كما يصنع الممثل على المسرح، وإنى أميل إلى تصديق هذه الرواية إذ أنها تؤيد ما ذهبت إليه من أن البحترى كانت عنده صفة يكثر ظهورها فيىبعض الممثلين، وهيىاختلاط الأحاسيس التى يمثلونها بحقائق الحياة حتى يصعب التمييز بينهما، وقد ضربت من أمثال ذلك مثلاً من غزله ومن رثائه للمتوكل. ولم يكتف البحترى فى إلقائه بطريقة الممثلين فى الإنشاد، بل كان ينظر إلى الحاضرين ويطلب منهم الاستحسان ويلومهم إذا لم يظهروا الإعجاب والاستحسان؛ وطلبُ الاستحسان من المشاهدين والحرص عليه والانتشاء به من صفات الممثلين أيضاً. وقد ضجر منه المتوكل يوماً لمغالاته فى هذه الأعمال. فأغرى به شاعراً صغيراً عبث به فى شعره.
ولو جاز أن نتمنى سماع إنشاد البحترى لشعره لتمنينا أن نسمعه ينشد بهذه الطريقة التمثيلية قطعة من شعره تساعد على إظهار مقدرة الممثل قوله فى قتاله للذئب:
عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها ... على كوكب ينقض والليل مسود
فما ازداد إلا جرأة وصرامة ... وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
فخرَّ وقد أوردته منهل الردى ... على ظمأ لو أنه عذب الوِرد
ونلت خسيساً منه ثم تركته ... وأقلعتُ عنه وهو منعفر فرد
ولا غرابة أن يكون عند الشاعر الذى عماده الصناعة اللفظية صفة الممثل الذى ينتشى بما يقول حتى يخلق له القول عاطفة فنية لا تكاد تميز من الأحاسيس الناشئة من حوادث الحياة فى نفوس بعض ذوى الفنون. وفى الأخبار التى وردت عن البحترى نرى أنه كان يمدح شاعرين هما: أبو تمام، والعباس بن الأحنف.
وفى شعر البحترى أثر محاكاته للأول فى الصنعة البيانية ومعانيها وللثانى فى بعض الغزل من شعره.

