الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

البحث العلم والتقدم البشرى

Share

ما مدى التقدم العلمي ؟ هل العلم خير ام شر ؟ ما يجب ان يكون موقف الانسان منه ؟ ؟ تلك اسئلة تشغل رجال الفكر في جميع انحاء الدنيا فى عصرنا هذا . رأينا مفيدا ان نعرب مقالا قيما كتبه عالم فرنسي هو " قاستون دبيوي " Gaston Dupouy في مجله لانيف La NEF  تحت العنوان اعلاه لانه فى نظرنا يحدد المشكلة بصورة مضبوطة ويضعها على بساط البحث املين ان يجد فيه القارئ اليقظ ما يخز فكره ويوسع ثقافته محمد مزالي

كتب عالم فرنسي كبير هو " جان بيران " Jean Perrin هذه الجملة : " منذ قرن تقريبا ، منذ ما لا يزيد عن جيل تقريبا دخلت الانسانية فى عهد جديد . . فى طور جديد " .

فان اختراعات مدهشة ظهرت بصورة متوالية وبسرعة يعجب لها احيانا العالم نفسه زادت هيمنة الانسان على الطبيعة وغيرت ظروف عيشه نفسها .

لدينا اليوم لنتنقل القاطرات والبواخر والسيارات والطائرات التى تتسابق سرعة ويتحدث الناس بعد عن الاسفار فى الطبقة العالية من الجو تلك الاسفار التى سيتيسر بفضلها الطواف بالعالم فى بضع ساعات . ولا ارى من اللا معقول ان يفكر المرء في انه سياتى يوم يتم فيه السفر من الارض الى القمر

وليس بوسع الناس اليوم ليتخطبوا استعمال البرق والهاتف فحسب بل والبرق اللاسلكى والهاتف اللاسلكى ايضا . والسفن التى كانت الى عهدنا هذا تشق عباب البحر وحيدة والبعثات التى ترود البقاع النائية والطائرة فى ظلام الليل والغمام كلها لم تعد تشعر بالوحدة لانها اصبحت متصلة من دون انقطاع بالعالم المتمدن بواسطة رابط دقيق لا مادى هو "الموجات الهرتزية" Les ondes hertsiennes

والطاقة الناتجة عن نزول المياه من الجبال وطاقة الانهار والبحار . . كلها تحول اليوم الى طاقة كهر بائية والى نور .

وفي ميدان آخر امكن بفضل اشعة " س "  (des rayons x) "رؤية اعضائنا " ان صح التعبير - وتصويرها . ونحن جميعا نعلم ما هى مزية الفحص الشعاعي والتصوير الشعاعى على الاطباء والجراحين وعلم الجراثيم مدين لابحاث " باستور " بتقدمه . فقد امكن اليوم الابلال من امراض كثيرة دامت طويلا قاضية على الانسان وتيسر اجراء العمليات الجراحية بفضل فنى : استئصال الجراثيم والتبنيج

والابحاث الرائعة التي قام بها " بيير كوري " و " ماري كوري " Curie عن " الراديوم " Le Radium مكنت -خصوصا- المصابين بعض انواع السرطان من الشفاء فألم البشر تخف وطاته والمرض يسير القهقرى وتنتصر الحياة !

وكل ذلك تم في ظرف يقل عن مائة سنة بينما الغالب على الظن ان الانسان ظهر على كوكبنا منذ حوالى الف قرن . فنحن اذن ازاء حركة واسعة سنسميها " معجزة البحث التجريبى " تمثيلا بما سمى فى تاريخ الفكر بالمعجزة اليونانية (1)

واحب ان اضبط - من دون زيادة تاخير - معنى " البحث التجريبي " حتى اميز ، عن روح الاختراع .

الاختراع يستعمل حوادث او اشياء معروفة من قبل ويربط بينها لغاية بعينها او لتطبيق جديد . فالهاتف اختراع ذو قيمة كبيرة لكن جميع الظواهر الفيزيائه الداخلة في تسييره  كانت معروفة من قبل وفضل المخترع ينحصر فى تنسيقها لتكوين تلك الالة التى تؤدى لنا كل يوم خدمات من العظمة بمكان . فالاختراع بعبارة دقيقة لا يساهم باى قسط فى ازدياد المعرفة البشرية . هو نتيجة لصورة ارتباطية من صور الذكاء .

ان غاية البحث التجريبى هو الكشف عما بقى فى الطبيعة مجهولا من طرف الانسان . فالعالم فى مخبره يضع الطبيعة موضع المسؤول فكانه مفتش كبير - بكيفية

جديدة (1) - حريص على ان يعرف كل ما غاب عنه موقتا . وهو يبحث فى ما لم يسبر بعد من اغوارها متطلعا الى حوادث جديدة وظواهر غير منتظرة.

وعندما يحصل الاكتشاف يستطيع المخترع استغلاله لغايات جديدة . ولكن اختراعه مشروط باكتشاف (العالم) وتابع له دائما ، فالبحث هو - حسب عبارة " بيران " قوة العلم الحية التي تسير وراءه مثلما يمتد الدرب وراء الممهد الذى يخطه" .

ويجب ان لا نعتقد ان الطبيعة تفضي لنا باسرارها بسهولة . فبينها وبين العالم معركة لا تهدأ ولو لحظة ولا تبخلو بعض اطوارها من العنف . والعقبات التى تعترض طريق الباحث كثيرة ومتنوعة . فهو مضطر ليحصل على نتائج الى استعمال جميع موارد الفن العصري واحيانا الى خلق موارد جديدة و  (هو مضطر ايضا) الى ان يوفق بصورة مرضية بين مقتضيات ظروف التجربة تلك المقتضيات المتنوعة التي كثيرا ما يتعذر التوفيق بينها . وبهذا الاعتبار فان البحث مدرسة تتكون فيها الشخصية . ذلك انه يقتضى نظاما عقليا وضبطا للنفس مستمرا . ويجب العمل سنوات واحيانا طيلة حياة كاملة لمعرفة جزء من الحقيقة الكبرى . وذلك يذكرنا قوله "فاليري" Valery الرائعة : " فكر الانسان لا معقول له من حيث انه يبحث وعظيم من حيث انه يكتشف " .

لعلنا نستطيع الآن ان نتنبأ بالمهمة الاجتماعية والبشرية التى سيضطلع بها العلم غدا . ان جميع العلماء والباحثين والفنيين الذين يسعون فى انحاء الدنيا الى تنمية مختلف فروع المعرفة الانسانية سيكتشفون ويخترعون بسرعة كبيرة فهل هم معجلون - بصورة موازية لذلك - بتحقيق تلك الانسانية الحرة السعيدة التى يتكهن بها بعضهم ويرجونها ؟ ؟

قد نخشى ان يكون انتظارنا لذلك اليوم طويلا ، ذلك ان القلق اخذ يعترى بعض العقول كلما عظم شأن التطبيقات العلمية - عندما يزيد الانسان فى فعالية ادوات الموت مثلا وقد ذهب التفكير ببعضهم الى ان العلم عوض ان يستاصل جذور الحرب يعظم هولها اكثر فاكثر

الا يمكن ان نزعم ان العلم الذي تود البشرية ان تجعله عنوان فخارها سيجلب لها الدمار ؟ وانه وهو الذى يمكنه ان يبعث حياة الناس من جديد سيستعمل

بالعكس للاسراع بنهايتها فتكون سخرية فاجعة ؟ ! وعوض ان يكون عنصر تحرير بالنسبة للانسان الا يحمل فى ثناياه جرثومة التهديم ؟ .

قد يكون القلق استولى على نفوس بعض الاشخاص بسبب سرعة التقدم العلمى الا ان هؤلاء يعلمون اننا عاجزون عن دفع ذلك التقدم العظيم وانه عمل صبيانى ان نحاول معاكسته .

ومن جهة اخرى فان العلم كسائر الاعمال البشرية لا يخدم صالح الانسان الا بقدر ما يريد هو ذلك . فالانسان نفسه -فى آخر الامر- هو الذى يشترط مستقبله بالذات .

ولئن كان في مقدرة العلم الى حد ما ان يخلصه مما كان يبدو مصيرا حتميا الا انه من واجبه ان يتحلى بقوى روحانية حتى يوجه افعاله التوجيه اللائق بذلك التحرر .

وليس العلم في حد ذاته فتاكا ولا نافعا . وكل وسيلة عمل جديدة تستطيع ان تعزز من دون فرق جانب الخير او جانب الشر . ذلك ان فكر الانسان هو الذي يكيف اتجاه جميع التطبيقات التى يمكن استمدادها من العلم . وليس للاختراع شخصية ولا ميل . انما المسؤول عن النتائج الحاصلة هو الفكر الذى يوجه آثاره

واذن فالعلم لا يعود بالنفع على الانسان الا بقدر ما يكون  (هذا الانسان) خيرا ، وحتى تنتفع منه الانسانية اقصى حدود الانتفاع يجب ان يكون تقدم الحضارة موازيا لتقدمه - لكن العلم يسير سير العمالقة بينما تطور الانسانية بطيء ، كاشد ما يكون البطء حتى ان الفروق التى تحدث من قرن الى آخر لا تكاد تذكر .

مآساة عصرنا كلها سببها ذلك البون الشاسع بين تقدم العلم وتحسن الجنس البشرى ولن يستطيع الانسان تشييد المدينة الفاضلة حيث يكون كل شىء انسجاما ووثاما وسعادة الا اذا غلب الشر الذى هو غريزة فيه .

ونحن مازلنا دون ذلك . بل ان التفكير قد يذهب بنا احيانا الى ان العلم في زماننا هذا استعمل اولا وبالذات كأداة تهديم . الامر الذى جعل بعضهم يتحدثون عن تقهقر الانسانية . لكن يجب ان نثق بالمستقبل اياكان سير التقدم البشري . ان بعض الحجاج يخطون - وهم مسرعون الى المدينة المقدسة - ثلاث خطوات الى الامام وخطوتين الى الوراء . فقد يكون تقدم البشرية على هذا النحو بل

ربما نعيش اليوم - وقتيا حقبة تقهقر لكننا رغم ذلك سنسير على غرار الحاج نحو مدينة احلامنا .

الا ان امر الاسراع بذلك التطور البطيء اكثر مما يجب موكول إلينا . وهو باستطاعتنا ونكون غير مغتفر لنا ان نحن لم نحاوله ان العلم اليوم يتقدم بسرعة تفوق كل ما نرجوه فلنسع الى ان يكون اداة تحرير وسعادة وعاملا على تحسين حالة الانسانية بصورة مطردة

في يتحقق ذلك يجب ان يلتزم البشر اجمعون فى اقرب وقت ممكن بتنظيم حملة حقيقية غايتها الوصول الى مثل اعلى قوامه الخير والاخوة . وان يعزموا على اتخاذه قاعدة حياة فى كوكبنا

ساعتئذ بفضل مجهودات الجميع وبواسطة العلم يمكن للبشرية ان تدخل - موفورة المجد - عهدا جديدا من دروب النصر حيث يدلها عقل الناس وايمانهم

اشترك في نشرتنا البريدية