... هذا البحر الخضم الأزرق الذى يجيش زيده ويتناثر كالقطن الندوف ، ويضج هديره ويصخب كالأسد الغضوب ، أو يصفو ويهدأ كمرآة صافية ، أو سماء أخرى تتراءى على الأرض . هذا البحر كم ألهم الشعراء ، والكتاب فى الأدب العربى فى عصوره المختلفة وأطواره المتباينة ؛ وسنحاول فى هذا الفصل أن نتحدث عن أثر البحر فى الأدب العربى .
والذى لا شك فيه أن البحر كان عند العرب شيئاً مخيفاً مفزعاً ، وكان العرب يخافون ركوبه ، بل إن عمر ابن الخطاب نفسه خاف ركوبه ، فأمر عمرو بن العاص أن يمنع جيشه من ركوبه . وكتب إلى عمرو وثيقة تاريخية إن دلت على شئ فإنما تدل على نفور عمر أمير المؤمنين من ركوب البحر ، ولم يوافق عمر على ما عزم عليه عمرو إلا بعد أن وصف ابن العاص البحر وصفاً أدبياً رائعاً . وخفف لأمير المؤمنين من شأنه ؛ فأباح عمر ركوبه وسأل الله الوقاية من الخطوب والأهوال والعناية الربانية إلى شاطئ الأمان ...
وشبه امرؤ القيس الليل بموج البحر فى العصر الجاهلى ، وصور طرفة شق حيزوم السفين لفاء كما قسم الترب المقابل باليد ، وكانت هذه الأوصاف والصور التى يأتى بها الشعراء في العصر الجاهلى دخيلة على الشعراء الجاهليين ، لأنهم لم يعرفوا سوى الصحراء والناقة والخيل وما إلى ذلك .
فلما تقدم الزمن وانتشرت مظاهر الحضارة واتسعت الفتوح ، عرف العرب البحر معرفة قريبة وثيقة ، وتناول الشعراء والكتاب أثره فى شعرهم ، وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال : " لما أراد الله عز وجل أن يخلق
الماء خلق ياقوتة خضراء ، ووصف من طولها وعرضها وسمكها ؛ ثم نظر إليها بعين الهيبة ، فصارت ماء يترقرق لا يثبت فى ضحضاح ، فما يري من التموج والاضطراب إنما هو ارتعاده من خشية الله تعالى ، ثم خلفى الريح فوضع الماء على متنه ثم خلق العرش ووضعه على متن الماء " ولعل ابن عباس دفع إلى هذا القول الأخير دفعاً ، لأن الله تعالى يقول فى كتابه العزيز : ( وكان عرشه على الماء ) .
وقد حاول شاعر إسلامي أن يقتبس من القرآن الكريم فى شعره فقال أحمد بن محمد الكحال :
قد قلت إذ سار السفين بهم
والشوق ينهب مهجتى نهبا
لو أن لى عزاً أصول به
لأخذت كل سفينة غصبا
ووصف ابن العميد كما وصف القرطبى وأحمد بن عبد الملك وغيرهم البحر وصفاً نثريًا ، فيه مزاوجة بين العبارات ، وفيه ترادف بين الألفاظ ، وفيه انتقاء للكلمات المسببة للجرس الوسيقى والإيقاع
وصف ابن العميد السفن فقال : ( كأن العشاريات قد رديت بالنار وحليت باللجين والنضار . عرائس منشورة الدوائب ، مخضوبة الحواجب ، مقلدة الترائب ، متوجة المفارق ، مكللة العواتق ) . وقال أبو عمرو صاحب الصلاة القرطبى : ( والبحر تحتنا كأرض تميد بأهلها ، وتزلزل بوعيها وسهلها ، ونحن قعود دود على عود ، قد ثبت منا من القلق أمكننا ، وخرست من الفرق ألسنتنا ، والرش يكتنفنا من كل جانب ، ويسيل من أثوابنا سيل اللذائب ،
فشممنا ريح الموت ، وظننا التلف والفوت . . ) . وقال ابن رشيق صاحب كتاب العمدة بيتين طريفين فى البحر :
البحر مر المذاق صعب لا جعلت حاجتى إليه
أليس ماء ونحن طين فما عسى صبرنا عليه
والغريب أن بعض الشعراء العرب عندما حاولوا وصف البحر طفت عليهم طبيعتهم العربية طغياناً ، فإذا هم يشبهون هدير الموج بركض الخيل ، وإذا هم يصورون البحر بميدان التسابق فيه الجياد ، فقال السلامى :
وميدان تجول به خيول نقود الدارعين ولا تقاد
ركبت به إلي اللذات طرفاً له جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أن الأرض وجه ودجلة ناظر وهو السواد
وأغرب من هذا ما وصف ، شاعر آخر السفن بالأفاعى فقال محمد بن هانئ :
معطقة الأعناق نحو متونها
كما نبهت أيدى الحواة الأفاعيا
إذا أعملوا فيها المجاديف سرعة
ترى عقرباً منها على الماء ماشياً
إذا ما وردن الماء شوقاً لبره
صدرن ولم يسرين غرتي سواديا
ووصف الرستمى السفن وصفاً بديعاً جميلاً قلما نجد نظيراً له فى الأدب العربى القديم ، بل ربما فى الأدب العربى الحديث كذلك :
وتراها فى اللج ذات جناحي
من وإن لم تكن بذات جناح
لا من البيض بل من السود ألوا
ما ودت الأنواح والأرواح
طائرات مع الرياح وطوراً
كاسرات بالحرى حد الرياح
سائرات لا يشتكين سرى اليد
لى ولا يرتقين ضوء الصباح
ساكنات بلا خضوع سكون
جامحات بلا غرام جماح
وللندى على البحر منظر رائع يجذب العين ويستهوى القلب . وقال أبو العباس الكندى يصف هذا المنظر الجميل :
كأن الندى فى البحر بحران مائع
على مائع هذا علي ذاك مطبق
فهذا لجين سابح مترقرق
وذاك لجين فى السماء معلق
إذا أبصرته الشمس بعد احتجابها
له ساعة أبصرته يتمزق
ويعرض بعض الشعراء العرب فى بعض قصائد المديح لوصف البحر ؛ وذلك بأن يصوروا الممدوح الطريق الذى سلكوه فى سبيله ، وكيف أنهم قطعوا البحار والقفار ابتغاء وجهه . ومثال ذلك قول القسطلى الذى كان يصفع الأندلس ، كما كان المتنبى يصفع الشام ، اسمعه يقول :
إليك طحنا الملك تهوى كأنها
وقد ذمرت عن مغرب الشمس غربان
على لجيج خضر إذا هبت الصبا
ترامى بنا فيها تبير ونهلان
وإن سكنت عنا الرياح جرى بنا
زفير إلى ذكر الأحبة حنان
يقلن وموج البحر والهم والدجى
تموج بنا فيها عيون وآذان
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا
سوى البحر غير أو سوى الماء أكفان
والبحر فى الأدب العربى ملاذ الحب وملجأ الهوى ، ومرتع الغرام ؛ مثله فى هذا كمثل الأدب العربى الذى يصور كثير من الشعراء فيه أحلام الحب فى حمى جزيرة ثانية فى المحيط . أو زوارق الهوى وهى تنساب فى ودعة ونعومة على الماء ؛ وحاول بعض الشعراء المحدثين فى الأدب العربى كالشاعر على محمود طه أن يحذو حذو الأدب الغربى فى
احتفاله بالبحر وتصوره لليالى الحب بين أحضانه ، فصور خمر الرين وليالى فينسيا والشاطئ المهجور .
استمع إلى قول ( السرى ) فى شرب ليلة فى زورق :
ومعتدل يسعى إلى بكأسه
وقد كاد ضوء الصبح بالليل يفتك
وقد حجب القيم السماء كأنما
يزر عليها منه ثوب ممسك
ظللنا نبث الوجد والكأس دائر
ونهتك أستار الهوى فتهتك
ومجلسنا فى الماء يهوى ويرتقى
وإبريقنا فى الكأس يبكى ويضحك
والبحر فى الأدب العربى مبعث الحكمة كذلك ومصدر العطلة البالغة والعبرة الخالدة ؛ قال ابن الرومى :
كالبحر يرسب فيه لؤلؤ سفلاً وتعلو فوقه جيفه
ولكننا لا ينبغى أن ننسى أن ابن الرومى كان يخاف البحر لشدة تطيره وكثرة تشاؤمه ، ومن شدة حذره قوله لأبى العباس بن ثوابة ، وقد ندبه إلى الخروج إليه وركوب دجلة :
أذاقتنى الأسفار ما كره الغنى
إلى وأغرانى برفض الطالب
لقيت من البحر التيارخ بعد ما
لقيت من البحر ابيضاض الدوائب
فما زلت فى جوع وخوف ووحشة
وفى سهر يستغرق الليل واصب
وأما بلاء البحر عندى فإنه
طوانى على روع من الروح واقب
ولم لا ولو ألقيت فيه بصخرة
لوافيت منه القعر أول راسب
ولم أنعلم قط من ذى سباحة
سوى الغوص وللضعوف غير مغالب
وأيسر إشفاقى من الماء أننى
أمر به في الكوز مر المجانب
وأخشى الردى منه على كل شارب
فكيف بأمنيه على نفس راكب
فابن الرومى فى هذه القصيدة يبين لنا نفسيته ويظهر لنا علته من عدم ركوب البحر ؛ فهو يخاف عمقه لأن الصخرة تتردى فيه بمجرد سقوطها ، وهو لم يتعلم السباحة ، ولا يستطيع أن يغلب الموج ، وهو بعد هذا وذاك يتطير من شرب الماء فى الكوز خشية الموت ومخافة الهلاك مما فيه من أكدار أو أقذار وشوائب .
ولكن علة خوف أبى نواس من البحر تخالف علة ابن الرومى ؛ فأبو نواس يهاب التماسيح التى تجرى فيه ، وقد رأى التمساح أخذ رجلاً بمصر فقال :
أضمرت للنيل هجراناً ومقلية
مذ قيل لى إنما التمساح فى النيل
فمن رأى النيل رأى العين عن كثب
فما أرى النيل إلا فى البرافيل
ومهما يكن من شئ فإن البحر فى الأدب العربى مبعث الحكمة ومصدر العظة البالغة والعبرة الخالدة . وحاول الشاعر المعاصر إيليا أبو ماضى صاحب مجلة السمير بنيويورك أن يفلسف البحر فلسفة ويتحدث عن أصله ، كما حاول الفلاسفة الإغريق الأولون فقال :
قد سألت السحب فى الآفاق هل تذكر رملك
وسألت الشجر المورق هل يعرف فضلك
وسألت الدر فى الأعناق هل يذكر أصلك
وكأن خلتها قالت جميعا
لست أدرى :
إننى يا بحر بحر شاطئاه شاطئاكا
العد المجهول والأمس اللذان اكتنفاكا
وكلانا يا بحر قطرة فى ذا وذاكا
لا تسلنى ما غد وما أمس إنى
لست أدرى :
