أى شعور من الارتياح كان يملأ نفس فنوبك حين خطر له فجأة أن يطبق يديه على رقبة ضيفه فوستر لما أدار له ظهره ليستعرض ما فى الخزانة من كتب .
ولكنه اسرع فحجب عينيه حتى لايرى ذلك الشخص الغريب الذى يمقته من أغوار قلبه . ما الذى أتى به إليه ؟ إنه يقول إنه ما جاء من لندن إلا ليضع الأمور فى نصابها ، وليعيد السلام إلى قلبيهما بعد أن شاع الضباب وتكاتف فى جو صداقتهما الأولى .
اتصل بينهما حبل الصداقة منذ عشرين عاما ، واتخذ كل منهما طريقا مختلفا يشقها نحو النجاح . كان فوستر يحاول دائما تقديم الترضية التامة لكل شخص فهو يكره أن يمقته أحد ويود دائما أن يشعر بصداقة الجميع له ، وبذلك أمكنه أن يمهد لنفسه طريق النجاح بسهولة . أما فنوبك فتجنب أصدقاءه ، وازدرى الناس واحتفرهم من أعماقه وبذلك فشل فى مسعاه وخاب رجاؤه فى الشهرة دائما .
عاد يرمق ضيفه بنظرة كريهة وهو يتوقع سماع صوته الذى يشبه الصفير متحدثا عن كتبه . طالما كره ذلك الصوت الذى يلاحظه ويكاد يخرق اذنيه حتى فى أوقات نومه . وطالما خيل إليه أن يصرخ فيه قائلا : " إنى أمقتك . أمقتك لانك سبب فشلى ، فمهما تدعى وتكذب وتتظاهر بصداقتك بى ، إلا أنى أدرك شعورك الباطن الحقيقى نحوى كشخص بائس فاشل مغمور " .
منذ عشرين عاما وفوستر يقف دائما حجر عثرة فى سبيله . لقد نال عمله الذى كان يصبو إليه فى إدارة إحدى الصحف وواتته الشهرة التى كان يحلم بها هو . ثم نشر كتابا له بعد ظهور كتاب فنوبك بأيام قلائل ، فأقبل عليه جمهور القراء الجاهل المغرور وتناسى الكل كتابه ، وكانت
النتيجة أن انزوى الرجل فى تلك البقعة الهادئة مستعرضا فشله الذريع . لقد فشل ، ولكن أكان ذلك بمحض إرادته ، وهو الخارق الذكاء اللامع الفكر ؟ كلا . . إنه لا يعتقد فى ذلك ، فهو يؤكد بأن هذا إنما يعود إلى الحياة العصرية الخالية من الثقافة الحقة ، إلى مشكلة المادة التى تطغى على العالم ، ثم إلى فوستر زميله .
فانعزل بعيدا راغبا عن رؤية أى أحد من أصدقائه وبالاخص فوسستر البغيض . ولكنه عجب حقا حين جاءته برقيته يعلنه فيها بقدومه لقضاء يومين فى ضيافته . وها هو صوته الكريه يخدش أذنيه وهو يقول :
- ما الذى حدث بيننا يا صديقى ؟ وهل حقا ما سمعته عن حقدك على وكراهيتك لى ! - كلا . ليس هناك شئ : - إن السعادة لتغمرنى وأنا أسمع منك ذلك ، فطالما أكدت للجميع أن صداقتنا القديمة لا يمكن أن يعلق بها أى غيار .
بالله ! ما ذلك الشعور الغريب الذى يحسه نحوه ؟ ؟ ثم جلس الرجل بقربه ، وحدق فنوبك فيه النظر ونفسه تحدثه بأن يدفع أصابعه فى عينيه ، وعاد فوستر يقول : إن سبب فشلك يا صديقى هو اعتزالك هنا عن الناس ، إذ أنه من مستلزمات النجاح الاختلاط بالمجتمع والسياحة فى طول البلاد وعرضها والرحلة إلى ممالك أخرى بعيدة ، أن تجعل حياتك سلسلة من النشاط الدائم . فرمقه فنوبك طويلا ثم نهض قائلا : - ما رأيك فى نزهة على الأقدام ؟
وما إن فاء بتلك الكلمات الأخيرة حتى شعر وكأن شخصا آخر هو الذى قالها مما اضطره لان ينظر خلفه ليراه . فأخذته الدهشة لأن مثل تلك الحالة لابسته منذ وصول فوستر . وعاد يحدث نفسه : " لماذا عرض عليه تلك الفكرة ؟ أيريه تلك البقعة الجميلة اللطيفة حقا ، فيطلع على محاسنها وهدوئها ومباهجها ؟ ولكن رن فى أذنه نفس
الصوت الغريب قائلا " إن لك غرضا بعيدا فى ذلك " . سارا معا ، وكان فوستر يتحدث عن الجوائز التى نالها بينما زميله يفكر مليا " إلى أين هما سائران ؟ وآية إرادة تقودهما ؟ ولكن . . هل هناك حقا إرادة حرة ؟ كلا . . إنه القدر . . " .
وفجأة ضحك فنوبك عاليا فتوقف صديقه وقال : - ما الذى يضحكك ؟ - أشياء تذكرتها . وتأبط فوستر ذراعه وهو يقول :
- يالسعادتى وذراعانا متلاصقان ! إن الحياة قصيرة ياصديقى فيجب علينا أن نتبادل الحب والوئام دائما . أما هو فقد سرت الرجفة فى جسده حين لمسته ذراع صديقه واستولى عليه إحساس جديد . ماذا لو تناول تلك الذراع وهشمها . . يا لسحر جرس تفتها !
ولكنه سرعان ما ابتعد عنه وهو يقول : ها هو الفندق الصيفى . وسأريك الآن البحيرة حيث أجلس الساعات الطويلة مبتهجا . فأجابه فوستر : بودى لو أراها . إن وصفك البديع لها يشعل رغبتى فى رؤيتها . - ولكنها على مسافة بعيدة وفى طريق وعرة . - فلنذهب ، فلن يشق على ذلك .
فتمهل فنوبك قليلا ثم قال : أتعرف يافوستر أنه بالرغم من عمق غورها فإن مياهها شفافة كالبلور فأجابه الآخر وهو يبتسم : لعلك تدرى بأنى أجهل السباحة ، وأكره البحر بعد أن حفرت فى مخيلتى ذكرى محاولة أصدقاء صباى إغراقى عن طريق المداعبة .
وفجأة ارتسمت تلك الصورة فى مخيلة فنوبك . صورة زميله وهو يغرق . ثم زفر زفرة حارة .
وأخيرا وصلا بعد أن قطعا مسافة طويلة فى طريق ضيقة كلها أحجار ناتئة
وقال فنوبك : ها هى البحيرة .
ثم آجال الطرف حوله وتابع قوله : الشمس تغرب ، والظلام سرعان ما يلفنا بردائه . لم كن اتوقع ذلك . فأمسك زميله بذراعه وهو يقول : لم اعد ارى الطريق جيدا .
وكان فنوبك يتابع حديثه قائلا : آه يا صديقى . . . إنى أشعر وكأنى قطعة منها ، وكأنا لن تفترق أبدا ، وكأنها ستضمنى فى غياهبها يوما ما . إنها عميقة . . حتى لا يعرف أحد لها قرارا . فقال فوستر : كل ذلك لطيف . ولكن دعنا نعود .
وعاد فنوبك يقول : أرأيت ذلك السد هناك . . لقد أقاموه حديثا .
ثم أخذ ذراع فوستر الذى كان يقول :
- دعنا نعود . . لقد نال منى البرد ، وأخاف أن نضل الطريق .
وفجأة . دفعه فنوبك بقوة إلى الماء فصدرت منه صرخة داوية وتطلعت إليه عيناه الزائفتان فى فزع ووجل ثم طفا جسده مرتين واستقر أخيرا .
تلفت فنوبك حوله . كانت جيوش الظلام الدامس قد هاجمت الطبيعة وأرهف سمعه فلم يطرقه سوى الهدوء التام . وسمر فى مكانه ، وتوقف تفكيره . كل ما كان يشعر به أنه قد أزاح عبئا ثقيلا عنه طالما ناء به كل كله. لقد اختفى فوستر ذلك المغرور المخادع الأحمق ولن يعود ثانية . وها هى البحيرة أمامه وهو يسمعها تحدثه وصوتها يرن فى أذنه قائلا : " لقد أحسنت صنعا . نحن مشتركان . وإنى لفخورة بك . "
شعر من نفسه بفخر حقيقى . لقد قام بعمل حاسم بعد أن ظل غارقا فى أحلامه طيلة تلك الأعوام .
سرح الطرف حوله فلم يقابله سوى الجبال الشاهقة ، وفجاة شعر بالبرد القارس يسرى فى جسده ، فأوصاله ترتعش وأسنانه تصطك والضعف ينال منه حتى لم تعد تقوى ساقه على حمله .
وحاول العودة ولكن كان هناك شىء خفى يغريه بالبقاء بجانب البحيرة صديقته العزيزة الوحيدة . ومع ذلك ثم يشعر إلا وهو يتحرك مبهما شطر منزله والوحدة القاسية تزعجه والظلام المنتشر حوله يحول بينه وبين رؤية مسالك طريقه جيدا .
وفجأة . . جعل يعدو وهو لا يدرى ما الذى يدفعه إلى ذلك . الهم إلا شعوره بالوحشة بعد أن ترك البحيرة خلفه . كان يرجو لوظل هناك حتى الصباح . غير أن برودة الجو حالت بينه وبين الراحة التى كان ينشدها وها هو يعدو نحو منزله ليأتنس بالنور والاثاث وليزيل عنه تلك الأوهام التى تساوره .
ولكنه يشعر وكأن شخصا يتبعه . فتوقف . كان العرق بتصبب من جبينه وقلبه تتعالى دقاته فى عنف . ونظر خلفه ولكنه لم يجد سوي سراب ، عاود الجرى حتى إذا ما وصل إلى الفندق المتلالئة أنواره سار بخطوات عادية ، وما زال شعوره أن أحدا يتبعه يطغى عليه حتى إنه توقف مرتين وجعل يصيح : " من هناك ؟ " فلم يجاوبه سوى حفيف أوراق الأشجار ؛ وداعب مخيلته خاطر غريب ، إنها البحيرة تتبعه . فهى تترسم خطأه طيلة الطريق لتصحبه حتى لا يشعر بالوحدة ، وها هى همساتها تسرى إليه مع النسيم قائلة : " لقد أتينا الأمر معا ولا أود أن ألقى عليك عبأه بمفردك . وها أنا معك لأزيل عنك شعور العزلة " .
وصل إلى منزله أخيرا فالقى بنفسه على مقعد واسع وراح فى غفوة قصيرة سرعان ما استيقظ منها مذعورا ، ولما كان يتوقع دخول فوستر عليه الحجرة بين كل آونة وأخرى لم يتحول عينيه عن الباب لحظة واحدة ، وكان الظلام الفاحم يزيد فى رهبة أوهامه وخيالاته المفزعة .
قام إلى حجرة الطعام ليتناول عشاءه ، ولكن وجود ذلك المقعد الخالى الذى كان يجلس عليه فوستر بالأمس أدخل الرهبة إلى نفسه فقام منفعلا وترك كل شئ ، ثم استدار نحو النافذة وفتحها فسمع صوت اندفاع الماء ، وحفيف الشجر ، ونعيق البوم ، وهمهمة شخص خلفه
فأسرع باغلاقها ثم حول عينيه إلى الحجرة المظلمة وحاول رؤية من فيها وأسرع إلى فراشه .
هو لا يدرى إن كان قد استغرق فى النوم أوأخذته سنة وها هو قد استيقظ الآن وأول ما وقع عليه ناظراه نافذة الغرقة التى اعتاد أن يتركها مفتوحة ، وتلك الأشعة من نور القمر قد تجمعت فى دائرة منيرة وسط الغرفة بينما ظلت جوانبها مظلمة على غير العادة . كان الضوء قائما كظلال الجبال قبيل الغروب . لم يحول عينيه عنها ، وخيل إليه أنه يرى شيئا يتحرك ، له لون الفضة وصوت المساء المنسكب . فرفع جسده قليلا ليتأكد من رؤيته وليستمع إلى صوت تقاطره من خارج النافذة إلى داخل الحجرة ، ثم لاحظ فجأة أنه قد قارب حافتها ، فحاول النهوض ليغلقها ، ولكنه أخفق وصرخ فى ذعر حين لامست قدماه أرض الغرفة المبتلة . ورأى الماء يعلو رويدا رويدا حتى قارب منتصف قوائم السرير فانكمش فى فراشه وهو يحجب عينيه . كان الماء يتجمع فى سكون رهيب وحدثته نفسه بأن يفعل شيئا . يجب أن يوقف اندفاع الماء القوى ، ولكنه مع ذلك لم يتحرك قيد أنملة . وحينئذ ساوى سطح الماء المقاعد ، ولما حاول مرة ثانية أن يقوم حتى الباب وأدلى بقدمه العارية نحوأرضية الغرفة ردها وهو يصرخ صرخة مدوية إذ كان الماء فى برودة الثلح . جعل يتأمل بريقه اللامع بوجل هائل ولم يشعر إلا وشىء يجذبه فجأة فسقط واختفى تحت الماء البارد اللزج الذى تسرى فى جوفه حرارة الشمع المنصهر وحاول الاندفاع نحو الباب يريد الخلاص ، ولكنه شعر بجسم يتعلق به ويسحبه إلى القرار فصرخ : دعنى أذهب . إني أكرهك . . أمقتك . . لن أتبعك ، . لن . .
طرقت الخادم العجوز باب الحجرة صباحا ، ولمالم تتلق جوابا دخلت كعادتها ، ولكنها ارتدت مسرعة صارخة مولولة . . .
كانت عيناه زائلتين ولسانه بارزا وقد عض عليه بنواجذه . ولو حظت قطرات من الماء على بساط الحجرة وبجانبها إناء مهشم .

