الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الرسالة"

البدئع

Share

كل كتاب بعنوان خلاب لم يخدعني فحواه ولم يغرني مرماه ولم  يخلف ظني واضعه   (كأطباق الذهب)  و   (نسيم الصبا)  بل لما ألقى كتابا عنوانه أخاذ لم يخيب وهمي إلا هذا الكتاب الممتع الذي أنا  بصدده، ففي هذه المرة فقط قد طابق عنوان الكتاب الواقع، وطابق  باطنه ظاهره فهو على الحقيقة سلسلة نفيسة من الروائع والبدائع  خليقة أن تخلد في مجلد.

حسبك أن تقلبه حتى توقفك فصوله لطرافتها، وحتى تنفرج لك  صفحاته عن معرض. وعن أمتع الأشياء، أو عن حديقة غناء فيها  ما فيها من بهيج الأزهار ويانع الثمار حتى لتحار أيها تقطف وأيها  تجني لفرط البهر إذ كلها بهي نهى، كأنك صبي فتنته معروضات  اللعب المتباينة الأشكال أو شره إزاء لذائذ الصحاف والألوان

الكتاب في جملته أشبه شيء بموسوعة موجزة، دال على ذهن خصب  وعقل رصين وقريحة طلقة وسعة اطلاع لا تغيب عنها لا صغيرة  ولا كبيرة، أحاط صاحبها بالغابر والحاضر والآجل، فبينا هو يذكرك  بماضيك لأنك لا تفهم حاضرك إلا به إذا هو يتابع عصره ويساير  النهضة ويساهم فيها ثم يفكر في المصير لأن الأمس واليوم يهيئان الغد فإذا ما تصفحت الكتاب فكأنك تقوم برحلة شائقة تتفتح فيها  لذهنك آفاق جديدة وأبواب مغلقة وتنثال عليك آراء لم تكن في  حسبانك، فتحس تجدداً في الفكر والشعور كمن استفاق من نوم عميق  معافا مستجما، يخرج بك من حديث أدبي معجب إلى موضوع غزل  مطرب، وينتقل بك من نقد رفيق لاذع إلى حديث عن سيرة عظيم  بارع، ثم يستدرجك من هذا إلى تفطينك إلى رائع الشعر الدفين ودقيق  المعنى الكمين، ثم يتجاوز معك إلى النظر في بعض وجوه الأخلاق  والاجتماع وكشف الغطاء عن طلاء بعض الطباع وبعد هذا المطاف  يرجع بك إلى الوراء، إلى الماضي البعيد أو القريب فيريك من  آياته عجبا، ولعلك تزعم أن هذه الفصول أشتات وتفاريق تعوزها  الوحدة المنسجمة، ولكن مهلا: روح الكاتب السارية فيها جميعا

سريان الماء في الأعواد كفيلة بالوصال الوثيق .

ومن خصائص هذا الكاتب أنه يملك ناصيته الحاسة الأدبية فيما  يكتب، ولو أنه قليل الاستعارات والمحسنات، فإنه يرى الأشياء  في دقائقها وجملتها كالمتفنن متأثرا بمفاتنها، مستغنياً عن التصريح بالتلميح  وعن العبارة بالإشارة حتى يوحي إليك بالمعاني إيحاء، يصف لك  ما رأى وما سمع ولكن لا يريد الوصف للوصف وإنما لإماطة  اللثام عن جانب من جوانب نفسية الناس أو يبن خبيثة من خبايا  الجماعة لأن الإنسان لا يعنيه إلا الإنسان، وإن غضب أو رضى  استرسل في الأسلوب الخطابي الفياض وتدفقت لعناته ومسراته كنهر  زخار، أقرأ مثلا   (عيد الحرية في باريس)  و(أخلاق الناس)  و(بين  العقل والهوى)  تر صدق ما أقول واكثر ما تتجلى فيه هذه الروح  الأدبية حين يتناول الشعر بالتحليل والتعليل فإذا تحدث عنه ذوقك  إياه تذويق الخبير، وبصرك بروعته تبصير العارف البصير، كأنما تلبس  نفس الشاعر ثم عرفك بالصحيح منه والمزيوف كالصيرف الماهر،  اقرأ في الكتاب   (نقد ديوان شوقي)  ثم قصائد المديح في الأدب العربي  توقن بما قدمت إيقانا تاما فلا أحد حبذ إليّ الشعر العربي وقد كنت  منه نافرا إلا هذا النقاد الحاذق.

ثم يمتاز هذا الكاتب بالصدق والصراحة حيث تمثله كتاباته كل  التمثيل وتشف عن عقيلته كما يشف الثوب الرقيق عن الجسم الرشيق،  تنم سطوره عن نزوعه إلى القديم القويم الجدير بالرعاية وتشى  بمسايرته لعصره، ويشيع فيها الروح الديني الصوفي فهو حين يصور لك  سحر باريس وفتنة باريس يصورها في لهف وشوق كمتعبد ربي على  الحشمة والوقار وكبت النفس الأمارة بالسوء ثم إذا هو قد لان  ووهن وبروعة الجمال افتتن فذهب عقله شعاعا وانتفى وقاره ضياعا،  ولعل ما تميز به من وضوح الأسلوب والجلاء ناشئ من الصراحة  المتناهية لأن من أسباب الغموض والاستغلاق ميل الكاتب إلى  المداراة والتعمية والتنكر، ومن هنا كانت شخصيته قوية عصية على  التقليد والفناء في غيرها، فهو لم يتأثر بأحد ممن لازمهم وأخذ عنهم  لا في نمط التفكير ولا في طراز التعبير.

ربما ساءلت نفسك مرة أن عددت الجهل مزريا بك: لماذا اقرأ؟  فأنت تقرأ للهو والتسلية ونفي الملال إن كنت من أهل الفراغ ثم لتسر  من مصادفتك لما يشبه ما يجول في خاطرك من المعاني ومن لقائك

من يشاطرك في مشاعرك ثم لتصلح ما اعوج وفسد من أفكارك بالقياس إلى أفكار سواك إذ لابد من تصحيح التجارب الشخصية  وتوطيدها بالقراءة، ثم لتضيف إلى ما تعلم ما لا تعلم فتزداد ثروة  على ثروة ثم لتستوضح على ضوء القراءة ما يقوم بذهنك من المعاني العائمة القلقة  الدائرة في شبه الظل ثم لتمرن فكرك وتروضه على التأمل المستمر  حتى لا يعلوه الصدأ وتذهب عنه مرونته ومتانته وحتى لا يصيبه  الخمود والجمود والركود لأن القراءة ضرب من التفكير إذ فيها محاولة  لمتابعة الكاتب في سير تفكيره وإلا استدق عليك واستغلق ثم لترهف  ذوقك لأن الذوق الرفيع لا يكتسب إلا بطول القراءة واستدامة  الموازنة بين الجيد والرديء والغث والثمين ثم لننبه ما غفا من عقلك  وخمد من قبلك فكل هذه تكتسب من كتاب       (البدائع) فعليك به  تجد فيه المسلاة والمأساة والنور.

منذ انتشار الصحافة واتساع دائرتها ازدهر أول ما ازدهر عندنا  من ألوان الأدب ما يسمونه بأدب المقال(Ess ayism) حيث  يسع هذا النوع بوجه عام جميع فنون القول والأغراض والبحوث

في فصول ورسائل تطول أو تقصر بحسب ما يقتضي المقام، فيصاغ  في هذا القالب من الأدب فصول في النقد ونبذ في التاريخ وأبحاث  في الأخلاق والاجتماع وتصب فيه النظرات والخطرات والمشاهدات  حتى الأقاصيص الموجزة الصغيرة وقد كان هذا النوع من الكتابة  عاملا مهما في ترقية النثر إلى حد كبير وقد ساهم صاحب كتاب  (البدائع) بفصوله في إعلاء شأن أدب المقال كما ساهم في هذا المجهود  الجليل غيره من الأدباء الأجلاء أمثال الأساتذة الجهابذة أحمد أمين  ومصطفى صادق الرافعي والزيات والمازني وعبد الوهاب عزام سواهم  من أئمة الأدب وأساطينه.

إلا أننا نؤاخذ صاحب (البدائع)  ونعتب عليه وننكر كل الإنكار ما أدرجه في الكتاب عن طيش ونزق من بعض فصول في  الخصومة بينه وبين أحد أعلام الأدب والبيان وكان لزاماً عليه أن  يتناساها لا أن يحييها بوضعها في الكتاب فان هذه الفصول الشائنة  بين سائرها لهي كالنقط السوداء في الصفحة البيضاء يعافها الذوق  واللياقة والكياسة.

اشترك في نشرتنا البريدية