وهي الكلمة التي ألقاها الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي في الحفلة الكبرى التي أقيمت على ذكر المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والد فخامة الشيخ تاج الدين رئيس الوزارة السورية، وذلك في يوم الثلاثاء ١٣ من أغسطس سنة ١٩٣٥، وقد أقيمت الحفلة في مدرج الجامعة السورية
شيخُنا البدر، أشبه ما يكون بالبحر: فهو من أيّ النواحي أتيته وجدت علماً وفضلاً، ووجدتَ ورعاً وتقوى، ووجدت من جميل خصاله ومستحبّ أخباره مجالاً للقول، وموضعاً للعظة، وموضوعات للبحث
لكنني لضيقِ الموقت سأقتصرُ من ترجمة حياته على وصف طريقتنا في الدروس التي أخذناها عنه، تعرفون منها أنه كان رحمه الله نسخة طبق الأصل عن رجال سلفنا الصالح في وَرَعهم وتقواهم ووقوفهم عند حدود الشريعة
في شهر ذي الحجة سنة ألف وثلثمائة وأربع وثلاثين بدأت بقراءة صحيح مسلم على شيخنا رحمه الله في دار الحديث الأشرفية، وشاركني في هذه الدراسة قليلً من الإخوان، حتى إذا أتممت صحيح مسلم وشرعت في سنن الترمذي ازدحم علماء دمشق وفضلاؤها على غرفة الدرس؛ وكنت عدا ضبط الأحاديث والتعليق عليها، ألتقط من فم شيخنا بالمناسبة فوائد تتعلق بعلم الحديث، من ذلك قوله: - كلُّ حديث فيه لفظ (الحميراء) مثل حديث (خذوا ثلثي دينكم عن هذه الحميراء) يعنون عائشة رضي الله عنها - فهو دليلٌ على ضعفه - حديث (توسّلوا بجاهي الخ) : قال شيخنا اشتهر على الألسنة وهو غيرُ صحيح
- حديث: إن جبريل كان يدسُّ الطين في فم فرعون كي لا ينطق بالشهادتين استبعدته أنا، وأقرني الشيخ قائلاً: (الله أعلم بصحة هذا الحديث)
- وسمعته مرة يروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أُلهُو والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة) وبديهيُّ أن المراد باللهو واللعب المباحان شرعاً
وبمناسبة حديث الأمَةِ التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم: أين ربك يا جارية؟ فأشارت إلى السماء - قال الشيخ: (مرّ عيسى عليه السلام برجلٍ يصلي وصنعته عمل البراذع وهو يقول في سجوده: (دُلَّني يا ربّ على حمارك لأصنع له برذعه من ذهب) فاعترضه عيسى. فأوحى الله إليه: (دعهُ فإنه مَجّدَني بحسب عقله)
وكنا أحياناً نلمح في الحديث بصيصاً من معنى يتعلق بأحوالنا الاجتماعية، فنريد شيخنا على التوسع في شرح الحديث، فيأبى تورعاً وخشية أن نقعَ في باطل من القول: جاء في حديث عائشة أن جبريل أراه صلى الله عليه وسلم صورتها في قطعة من جيّد الحرير. فتساءلنا في الدرس عما إذا كان هذا الحديث يدلُّ على جواز التصوير؟ أو على جواز أن يرى الرجلُ من يَوَدُّ خِطبتها من النساء: فيكون التصوير حاجةً من حاجات الاجتماع
فقال أحد الإخوان: ما دام للرجل الحقُّ أن يرى خطيبته نفسها فليس ثم حاجةٌ إلى رؤية صورتها. فرد عليه آخر بأنه قد
يتفق أن يكون هو في بلد وهي في بلد آخر فيحملَ إليه البريدُ صورتها، كما حمل جبريلُ صورةَ السيدة عائشة
كان يجري هذا الحوارُ في الدرس وشيخنا ساكت وأردناه على أن يفيدنا ما عنده في هذا الموضوع فلم يفعل، وظل ساكتاً. واستدرجتُه مرةً إلى موضوع عصريّ طريف فأفتى به أو كاد. ثم عاد إلى الاعتصام بالسكوت:
ذلك أنه مرَّ معنا في حديث مسلم قوله: (لِمَ؟ أُصلي فأتيمم) ، فقرأتها (لمْ أصلي فأتيمم) واستشكلت رفع (أصلي) ، فقال الشيخ (لمَ) للاستفهام لا للجزم، وأصلي مستأنف مرفوع
فاغتنمت هذه الفرصة وقلت له: إنهم اليوم اصطلحوا على علامات يرقمونها بين الجمل، ويسمونها علامات التنقيط: وهي نقطة، ونقطتان، وواو صغيرة كالضمة، وخط صغير أفقي، وخط آخر عمودي، وغير ذلك مما يستعملونه في مقامات التعجب والاستفهام والوقف
فقولُ الحديث (لمَ أُصلّي فأتيمم) ؛ لو وُضعتْ علامة الاستفهام بعد (لمَ) لقُرئت استفهاماً من أول الأمر فهل يجوز لنا استعمالُ هذه العلامات المستحدثة في كتاباتنا كما استعمل السلف الصالح ما أحدثوه من النقط والتشكيل؟ قال الشيخ: يجوز، قلتُ ونستعملها في كتب الحديث؟ قال يجوز، قلت وفي القرآن. قال يجوز
ثم سألني قائلاً: ولكن لماذا لم نُرْقم هذه العلامات في كتابِ مسلمٍ المطبوع الذي نقرؤه؟ قلتُ لأنه كتابٌ دينيٌ. وطابعوه يخشون إنكار بعض العلماء عليهم فلا يباع الكتاب، فلم يضعوا هذه العلامات، واجتهدتُ أن لا أسميها له بأسمائها الإفرنجية مثل فلحظ الشيخُ أن في الأمر سراً، فتبسم وضرب على كتفي وقال: (الله يصلحك) ولم يُردْ أن يُفتي بشيءٍ جديدٍ قد يمكن أن تكون فيه شائبة بدعة إلى هذا الحد كان شيخُنا رضي الله عنه يحرص على سلامة الدين ويحذَر أن يَتسرَّب إليه شيءٌ من البدع
ومن ذلك أيضاً أنه مرَّ معنا في الحديث نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن تشييدِ المساجد، وفسر ابنُ عباسِ التشييد بالزخرفة، فقال بعض الإخوان: المراد بالتشييد رفع بناء المساجد. فقلتُ بل الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس من أن التشييد هو الزخرفة
وهو مشتقُّ من (الشيد) الذي معناه الجصّ، والجصّ عادة تزخرف به الأبنية. أما رفع بناءِ المساجد فأمرٌ مستحبٌ في عمارتها، وذلك لكي يتخلّلها الهواء ويَسْهُل التنفّسُ على المصلين، فالتفتَ إليَّ الشيخُ وقال مبتسماً: وما دخل الهواءِ والتنفس في الدين والتشريع؟ وعجبَ من قولي أشدَّ العجب
أما أن الشيخَ كان متوسعاً في اللغة العربية؛ فهذا يلحظُه منه كلُّ من أطالَ مجالسته، وراجعه القولُ في تفسيرِ غريبِ الحديث؛ ولكنه رحمه الله ما كان يُكثر من الاستشهاد بنصوص الأدباء، ولا بأقوالِ الشعراء، لما يقعُ فيها أحياناً من اللغوِ وعَبَثِ القول وقد سمعتهُ مرةً يُنشد بنغمة حزينةٍ:
(أيا نجدُ لو كان النوى منك مرةً ... صَبَرنا ولكنَّ النوى منكَ دائم)
وأنشدني مرةً أُخرى:
صديقُ الصدقِ في الدنيا قليل ... فمنْ لكَ إنْ ظَفِرتَ به فمن لك
لحاجتهِ يَوَدُّكَ كلُ شخصٍ ... وذاكَ إذا قضاها منك ملك
صديقُكَ مَنْ إذا ما كنت منه ... طلبتَ الروحَ بالتمليكِ ملّك
وجاء يوماً ذكرُ طرابلس الشام وليمونها فسألني: ما معنى قولهم في المثلَ (مَنْ لم يجئ بشراب الليمون يجئ بشوكِهِ وحَطَبه) فتجاهلتُ الجواب لأسمع من فمه ولو مرةً تفسيرَ النصوص الأدبية - كما سمعتُ منه مراراً تفسير النصُوص الدينية
ففسره لي قائلاً: المرادُ بشوكه وحَطَبه قُضبانُه وعيدانه. والمعنى من لم يجئ باللين واللطفْ، يجئ بالشدّة والعُنف وأنشدني يوماً قولَ الراجز:
(التمرُ والسَمْنُ جميعاً والأقِط ... الحيْسُ إلاَّ أنه لم يختلط)
فاعترضتُ بأن الحيسَ هو حلوى للعرب تكون مختلطةً
من التمر والسمن والأقِط الذي هو ضربٌ من الجبن فكيفَ يقولُ الشاعر (لم يختلطْ) . ثم قلتُ للشيخ لعلَّ صحةَ الروايةِ في البيت هكذا: (لكنْ شرطهُ أن يختلط) . ثم راجعت كُتُبَ اللغة فوجدتُ رواية البيت كما قال شيخنا رحمه الله ورأيتُ علماءَ اللغة استشكلوا البيتَ كما استشكلته أنا. وأجاب بعضهم على هذا الإشكال بجوابِ لم يعجبني
ومن عادة شيخنا رحمه الله أنه إذا طَلبَ منه أحدٌ إجازةً بالعلوم تمنَّعَ وتَمثَّل بقول القائل
(ولستُ بأهلٍ أن أُجازَ فكيفَ أنْ ... أُجيزَ ولكنَّ الحقائق قدْ تخفى)
وأنقُلُ من مذكّراتِ شاعرنا (خليل بك مردم) - وكان رفيقي في درس صحيح مسلم - هذا الخبرَ الذي يتعلَّقُ بي، وقد أنسيته أنا وهو: أَنني قرأتُ يوماً على الشيخ عدةَ أحاديثَ يدلُّ ظاهرها على عَدَم إيمان أبي طالب. فأطبقتُ الكتابَ بين يَدَيَّ وسألت شيخنا عن حقيقة ذلك وأبيت إلا كلمةَ صريحةَ منه يطمئنُّ إليها القلبُ في إيمان عمَ النبي صلى الله عليه وسلم. فامتعضَ الشيخُ من إلحاحي، وقالَ سبحانَ الله يا شيخ عبد القادر أنت كاتبٌ وأديب، أما سمعتَ ما قاله (أبو طالب) مخاطباً النبيَّ صلى الله عليه وسلم ودعوتني وزعمتَ أنك ناصحٌ ... ولقد صدقتَ وكنتَ ثمَّ أميناً فأنتَ تسمعُ أبا طالبٍ يقولُ لابن أخيه (ولَقَدْ صَدقت) ثم تستشكل؟
فسررت يعلم الله بجواب شيخنا كما سرني استظهاره للشعر القديم واستحضاره له حين الحاجة إليه
ولا عجبَ أن يكونَ شيخُنا لغوياً، فإنه لا يكادُ يوجد محّدِث إلا وهو لُغَوي، ولا لُغَوي إلا وهو محدّث؛ لأن المحّدِث لا يمكنه أن يفهم معانيَ أحاديثِ الرسول إلا بعد فهمِ معنى كلماتها اللغوية، واللغويُّ لا ترسخُ قدمه في اللغة ما لم يستظهر الجمَّ الكثيرَ من أحاديث الرسول، تكون له عُدّةً في الاستشهاد بها حين الحاجة فاللغويُّ المتقنُ محّدِث، والمحدث المتقنُ لُغوي
وشيخنا الذي يحفظُ على أقل تقدير خمسة آلاف حديث
يحفظ على أقل تقدير ألف كلمة لغوية بشواهدها من كلام النُّبوة فأنتم ترون أن بين شيخنا البدر، وبين مجمعنا العلمي العربي نسبةً موصولة السببْ في خدمة لغة العرب
هو (رحمه الله) كان ينشر اللغة العربية بواسطة دروسه المشهورة، ونحن ننشرها بوسائطنا المجمعية المعروفة
أذكرُ أنه زارني يوماً في دار المجمع العلمي، فأجلستُه في صحن المدرسة، خشية أن يرى في ردهتها صُوَرَ المتوفين من أعضاء المجمع، معلَّقةً على جدرانها، فيمتنعَ عن الدخول كما هي عادته
وبعد أن استقرَّ به المجلس سألني: وماذا تصنعون هنا؟ قلت: إننا يا مولانا نشتغلُ في خدمة اللغة العربية ونشرِها وفي ذلك خدمة للدين الإسلامي ونشرِه
وإذا أحد تلاميذه (اللطفاء) يَلمَسُ كتفه من ورائه، ويشير إلى التماثيل الحجرية المنصوبة في أحد أركان المدرسة، فقال لي الشيخ: وما هذه التماثيل؟ وأشار إليها بإصبعه
فشعرتُ إذ ذاك بخطورة الموقف، وبصعوبة الاعتذار عن وجودِ تماثيلَ في صحنِ مدرسةٍ دينية إسلامية؛ غير أن الله ألهمني جواباً تضَّمن حقيقة معقولة، لكنها ويا للأسف منسيةٌ مجهولة
فقلت: إن هذه التماثيل تجْمعُ في دوْر الآثار للاستدلال بها على تاريخ الجاهلية الأولى، ويدخل في ذلك عبادة تلك الأمم للتماثيل، وإرسال الرسل لإنقاذهم من تلك العبادة، كما كان من نبينا صلى الله عليه وسلم مذ أنقذَ أهلَ الجاهلية من الشرك، وصَقَلَ نفوسهم بصقالِ التوحيد
ولكنَّنا اليوم نرى الناسَ قد أغفلوا دراسة هذه الناحية من تاريخ الأمم القديمة، ونسوا نعمةَ الله عليهم بالبعثة المحمدية، حتى إذا رأوا هذه التماثيل في المتاحف تذَّكروا النعمة، وحمدوا الله عليها
قلتُ هذا وسكتُّ منتظراً ماذا يقول الشيخ؟ فلم يقل إلا خيراً وتبسم ودعا لي وللمجمع رَحِمَ الله شيخَنا البَدرْ، وأثابه عن حياتهِ الصالحة بأجزل الأجر. . . .

