هذه الفاكهة الذهبية الظريفة ، لها رائحة تفوق عطر المانجو ، ولها لون يزرى بلون أزهار الربيع ، ولها طعم يجمع بين الحلاوة اللذيذة والنكهة الطيبة ، وهى مع ذلك عزة تعقد النفس ، وتساعد على هضم الطعام . وقد كانت منذ القدم فاكهة محبوبة يقبل الناس على أكلها بغير أن يعرفوا منها غير ما ظهر من فضائلها ، ولكنهم اليوم أحرص عليها بعد أن عرفوا لها من الفضائل الخفية ما كشف عنه العلم الحديث ؛ فقد عرف لها العلم مزية جديدة ، وهى أنها تحتوى على طائفة مما يسمونه الفيتامينات - هكذا يقول العلم فى لغته الغامضة - ومعناه أن لتلك الفاكهة سرا فى تقوية الأجسام ، قد أودعه الخالق فيها ، فزادها فضلا خفيا على فضل ظاهر . وخلاصة القول أن البرتقالة نعمة من نعم الله الجليلة التى كنا نتمتع بها فى غابر الأيام بغير أن نقدرها حق قدرها . كان زمان ! ذلك الزمان الذى كنا نستطيع أن نشترى فيه البرتقالات الخمس بقرش واحد ، فنأكل منها ، ونشرب من عصيرها ، ونصنع ( المربى ) من قشرها . كان زمان ! ولا نظن أن لذلك الزمان عودة .
أذكر أيام كنا صغارا ، وكانت تأتى إلينا فواكه الشرق والغرب ، فكان البرتقال اليافاوى يحمل على العربات الصغيرة فى الشوارع والأزقة ، وينادى عليه الباعة ويتغنون بفضائله ، لكى يجذبوا إليه الناس إذا ترددوا فى الشراء . وكنا نشترى بالقرش الواحد بضع حبات من الكبار تتمتع منها بطيب الرائحة ، ولذة الطعم ، ونعمة الصحة . ولكن كان زمان !
لقد تغير ذلك الزمان،فها نحن أولاء نرى أول موسم
البرتقال يقبل علينا ، فنجد الحبة الفجة منه معروضة على أبواب الفاكهانية . وقد كتب عليها بالخط الكبير : ( الواحدة بقرشين ) . نعم فإن الحبة الواحدة الخضراء الصغيرة تباع اليوم بقرشين ، وهى إن شاء الله فى الغد تباع بثلاثة قروش ، أو بأربعة ، إذا ما أتم الله سبحانه وتعالى نضجها وآتاها عطرها وحلاوتها .
فلنحسب الآن ما يتكلفه صاحب العيال من النفقة إذا أراد أن يطعم أهله من فاكهة البرتقال . فلو كان له من الأولاد خمسة ، كان هو والأم والأطفال سبعة ، فإذا أضفنا خادما كانوا جميعا ثمانية ، فإذا أرادوا أن يتقاسموا البرتقالة بين كل اثنين كان لابد لهم من أربع برتقالات فى الغداء ، ومثلها فى العشاء ، ومعنى هذا فى الحساب ستة عشر قرشا كل يوم . أظننى لم أخطىء فى الحساب . هذا إذا اكتفى كل واحد بنصف برتقالة ، وإذا أتم الواحد برتقالة كاملة كان لا بد للرجل من أن ينفق اثنين وثلاثين قرشا فى اليوم الواحد ، أى عشرة جنيهات فى الشهر للبرتقال وحده . هذه حسبة بسيطة تدل على أن البرتقال قد أصبح اليوم صعب المنال ، إلا لمن وهب الله لهم قناطير المال . ومعنى هذا أن البرتقال قد أصبح ممنوعا من عامة الناس ، وأنه قد ترقى إلى مرتبة الإمارة ، بعد أن كان يباع على العربات فى الحارة ، وسبحان مصرف الأمور ومبدل الأحوال . هكذا ترقى البرتقال إلى درجات العلى ، وتكبر على أصحابه الذين كان يبرهم بالأمس ، وتركهم يعانون الحرمان من حلاوته ، ولذته ، وما فيه من أسرار عافية البدن . فلاحول ولاقوة إلا بالله !
ولقد سمعنا منذ عام صوت بعض الأطباء ينادى أن الأمراض كانت تفتك بالناس ، لأنهم فقدوا ما كانوا يتمتعون به من حصانة بسبب هذه الكبرياء التى أصابت
فاكهتنا المحبوبة . فمن هو المسئول عن هذا الحرمان ؟ إننا لا نستطيع أن نتهم البرتقال وحده بالكبرياء . فإنه فاكهة وديعة ، لا يهمها إلا أن تؤكل ، وتؤدى واجبها الذى خلقها الله له ، ولكن الذنب فى هذا الحرمان يرجع إلى سبب واحد ، وهو تدخل الإنسان .
كنا من قبل نعيش على الفطرة وكانت بلاد الله الأخرى تعيش مثلنا على الفطرة ، فكنا نبيع الناس ما يزيد على حاجتنا ، ونشترى من الناس ما نحن فى حاجة إليه ولم نكن عند ذلك نعرف تدخل الحكومة فى التصدير والاستيراد،ولا الحواجز الجمركية،ولا السياسة الوطنية . ثم ارتقينا وأصبحنا لا نعيش كما كنا على الفطرة ، وأخذنا ندس أنوفنا ونمد أيدينا إلى أمور الحياة لكى نعدلها وننظمها ، وهذا رقى شك وفيه دليل على أننا قد صرنا أمة واعية تحاول أن تسيطر على شئون حياتها . ولكن العيب الوحيد هو أننا عند ما بدأنا نسيطر على شئون الحياة وقعنا في الخطأ الذي يتعرض له الإنسان دائما إذا فكر بعقله المحدود . فالنظام الطبيعي له حسنة كبرى ، وذلك أنه في تغير دائم يعدل من نفسه بحسب ما نقتضيه حاجات الحياة . ولكن التسدخل الإنساني يقيم حواجز صناعية جامدة لا تتغير ولا تتبدل بحسب مقتضيات الحياة . فإذا تحني أما نظاما جامدا تعرضنا داعا للضرر إذا لم تكن في يقظة داعمة لتعرف حاجات الحياة .
وقد وقعنا فى مثل هذا الخطأ عند ما أقمنا الحواجز فى سبيل استيراد الفاكهة من البلاد الأخرى .
كنا نقصد من إقامة تلك الحواجز إلى حماية مصلحة زارعى البرتقال فى مصر . ولكن البرتقال ضرورى لحياتنا وصحتنا ، فعلينا أن نوازن بين مصلحة أصحاب كروم البرتقال وبين مصلحة الشعب فى صحته ، فنعدل من خطتنا بحسب ما ينتهى إليه حكمنا .
ومن أعجب الأمور أن خطتنا فى حماية مصلحة منتجى البرتقال لم تكتف بمنع استيراد تلك الفا كهة من البلاد الأخرى ، بل زادت خطوة أخرى فى أنها قد أباحت تصدير برتقالنا .
أليس من العجيب أن نعمل على استيراد الفيتامينات المصنوعة فى البلاد الأخرى لكى نتداوى بها وهى سلعة غالية لا يستطيع الشعب أن يصل إليها ، على حين تمنع عن ذلك الشعب مورده الطبيعى الذى كان يغنيه عن تلك الفيتامينات ؟ إن حق الصحة ليس وفقا على الذين يستطيعون بذل النقود فى شراء ما يحتاجون إليه من طعام ودواء . وإنها السياسة مغمضة إذ نسير على خططنا الاقتصادية سيرا آليا بغير مراعاة لمقتضيات الحياة . فالحكومات التى تريد أن تتدخل فى الشئون الاقتصادية ملزمة بأن تمتد بكل نواحى الحياة فى شعبها . فإذا كانت لا تستطيع أن تدبر أمورها مع هذا الاحتياط كان واجبا عليها أن تترك الأمور تجرى فى مجراها . إن التدخل محمود إذا كان فى مصلحة عامة الشعب . فإذا كان ذلك التدخل يؤدى إلى حفظ مصلحة طائفة محدودة من الشعب وكان يؤدى إلى إهدار مصلحة العامة كان الأولى أن يترك الأمر للطبيعة ونعود كما كنا نعيش على فطرتنا .
وقد ذكرنا البرتقال وحده على سبيل المثال ، ولكننا نستطيع أن نورد أمثلة كثيرة أخرى ، فإن تدخل الحكومة فى تنظيم الاقتصاد يحتاج أولا أن نعرف حقيقة مصالح هذا الشعب ، وما يحتاج إليه من الضروريات ، ثم ندير الأمور على هدى من تحرى مصالحه . وأولى بالبلاد التى لا تستطيع أن تدير أمورها بالحكمة واليقظة ، أن تترك الأمور لله يسيرها ، فإن السير الطبيعي آمن عاقبة من التدخل الممسوخ .
