الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 47 الرجوع إلى "الثقافة"

البركة

Share

من ألذ الأشياء للباحث اللغوي مراقبته للكلمات وتطور معانيها؛ فالكلمة يبدأ معناها ماديا ساذجا ، ثم يأخذ في النمو والتطور على اختلاف العصور وتقدم الزمان ؛ حتى ليعجب الناظر إذا هو وازن بين المعنى الأخير للكلمة والمعنى الأول لها ، لبعد العلاقة بينهما ، وكلما نجلت لي هذه الفكرة عجبت من الجامدين الذين يتخذون شعارهم " ليس في القاموس " . كأنهم يريدون أن تقف اللغة على ما كانت عليه في القرون الأولى ، يوم دونت المعاجم ، ويريدون أن يتجاهلوا فعل الزمان في كل شئ ، وفي اللغة نفسها من أثر دائم وتطور مستمر . ولا زلت كلما كشفت عن مادة في اللغة الانجليزية في معجم أكسفورد ، وأراء بؤرخ الاستعمالات المختلفة للكلمة الواحدة ، فيقول إنها استعملت في معنى كذا ستة كذا، ثم استعملت في معني كذا سنة كذا ، أتمي أمنيتين في اللغة العربية ؛ إحداهما أن يؤمن الناس معي أن اللغة في تطور مستمر ، وأن من الإجرام أن يريد اللغويون قصر معاني الكلمات على ما جاء في معاجم اللغة القديمة ، متناسين كل عمل الأجيال التي أتت بعدها. وثانيتهما أن ينشط علماؤنا فيستطيعوا أن يخرجوا لنا معجما مؤرخا تدون فيه كل كلمة ، ومنشأ استعمالها ، وتطور معانيها مع الزمان إلي الآن .

خطر لي هذا الخاطر وأنا أبحث في كلمة" البركة " من أين اتت، وكيف وصلت إلي ما نستعمله اليوم ،

فنقول : " رجل مبارك " و " المرتب ليس فيه بركة " و " ذرية مباركة " و " ذرية غير مباركة " و " زمنه مبارك " و " عمره لا بركة فيه " الخ . . وهكذا

وقد عجبت إذ رأيت بعض علماء اللغة يعودون بهذه المعاني كلها إلى المعنى الأساسي وهو " برك البعير إذا اناخ في موضع فلزمه ، ثم نقله العرب من هذا المعنى إلي معنى النمو والزيادة ، أو معني السعادة ، كأن البعير إذا أناخ استراح ونما وسعد . واشتقوا من هذا المعنى بارك الله الشئ وبارك فيه وبارك عليه ، أي اكثر خيره واسع به ، ومنه قالوا : طعام مبارك ، ومال مبارك ، ورجل مبارك ، وجاء في القرآن الكريم :  إنا انزلناه في ليلة مباركة " الخ .

قفز ذهني بعد ذلك من البحث اللغوي إلي البحث الاجتماعي أو البحث النظري : ما معنى " البركة " ؟

يري الناس رجلا يتقاضي مائة جنيه في الشهر ، وليس له إلا ولد أو ولدان ، ومع ذلك مرتبه لا يكفيه ، ويستدين ، وتضطرب ماليته ، فيقولون : " إن مرتبه لا بركة فيه " . ويرون اخر مرتبه ثمانية جنيهات او عشرة ، ومعه اربعة أولاد أو خمسة ، وهو يعيش عيشة حسنة بمرتبه الضئيل ، لا يستدين ، ولا تضطرب ماليته ، فيقولون : " إن مرتبه فيه البركة " .

ويرون رجلين في يد كل منهما جنيه ، فأما احدهما تخرج من بيته وعاد وليس معه شئ ، وذهب جنيهه في أشياء تافهة لا قيمة لها ، فيقولون : " إن جنيهه لم يكن فيه

بركة " . وأما الآخر فاشتري أشياء وأشياء نافعة لنفسه ولبيته ، وعاد ومعه بقية من جنيهه ، فيقولون : " إن في جنيهه بركة " .

ويوم كل الناس أربع وعشرون ساعة ، وشهرهم ثلاثون يوما ، وايام سنهم متساوية ؛ ومع هذا نجد الفروق بينهم في استخدام الزمن واسعة ؛ فهذا تمر عليه الإيام والشهور والسنون وليس له إنتاج علمى ، ولا ادبي ، ولا مالي ، ولا صناعي ، وهذا دام الإنتاج كثيره ، كان أيامه سنون ، وكان عمره مائة عمر ، فيقولون : " إن عمر الأول غير مبارك ، وعمر الثاني مبارك " .

ونري رجلا رزق الحظوة في أولاده ، فبناته زوجن خير الازواج ، وابناؤه ما شئت من استقامة ونجاح ، هذا زراعي ناجح ، وهذا عالم ناجح ، وهذا صانع ناجح ؛ ورجلا اخر خاب كل الخيبة في اولاده ، فبناته مع ازواجهن مصدر نزاع ودائم ، وقضايا في المحاكم لا تنتهي ، وابناؤه بين سكير ومقامر ومحتال ، فيقولون في الأول : " إن في ذريته البركة " وفي الثاني : " لا بركة له في أولاده "

فما هي هذه البركة ؟ اهي حجر الفلاسفة وكيمياء السعادة ، وسر مكنون كالروح ، نري اثره ونعجز عن إدراك كنهه ؟ ام هي قوانين الطبيعة التي يشرحها عالم الاقتصاد في شؤون المال ، وعالم الأخلاق في شؤون الأخلاق ، وعالم التربية في شؤون التربية ، وأن الأمر ليس سرا مكنونا ، وإنما هي قوانين طبيعية مكشوفة ، لها مقدماتها ونتائجها المحتومة ، من سار على المقدمات وصل إلي النتائج المعينة حتما ، ومن لم يسر عليها لم ينل نتائجها حتما ؟

أما بعد ، فإني أميل إلي الرأي الثاني " ورزقي على الله "

فالموظف الذي يتقاضي مائة ويستدين ، سبب انعدام

بركته عدم سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة ؛ والموظف الذي يتقاضى عشرة ويعيش عيشا رغدا ، سبب بركته سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة ؛ قد وضع الاقتصاد قوانين واضحة ، تتطلب أمورا : منها ان يكون إيجار منزله بنسبة كذا من مرتبه ، وحاجات منزله كذا الخ ، وان تقدم الضروريات على الكماليات ، وان يحسب حساب ما يشتري ويوازن بينه وبين المال الذي ينفق فيه ، إلي غير ذلك من القوانين ، فكلها إذا سار عليها سائر انتظمت ما ليته وكانت مباركة ، وإن لم يسر عليها اختلت ميزانيته وكانت غير مباركة ؛ والاقتصادي بسمى من يسير على القوانين " مقتصدا "، أو سائرا علي قوانين الاقتصاد ، ومن لم يسر مسرفا أو مبذرا او مخالفا للقوانين الاقتصادية ؛ والناس يسمون المال مباركا أو غير مبارك ، وفيه بركة أو انتزعت منه البركة ؛ والاختلاف ليس إلا في التعبير والمعنى واحد .

وكل ما يمكن أن يقال إن العلم بهذه القوانين وعدم العلم بها ليس له كبير شأن في الموضوع ؛ فقد يكون الرجل ماهرا في علم الاقتصاد ، درس في مصر ودرس في انجلترا ، وحازا كبر شهادة في الاقتصاد ، ومع ذلك لا يسير في حياته العملية وفق قانون الاقتصاد ؛ فلا ينفعه علمه في حياته اليومية ، وتطبق عليه قوانين الفشل حتما رغم علمه . وقد لا يدرس الرجل الاقتصاد ولم يسمع بهذا الأسم مطلقا ، ولكنه يسير بطبيعته وفق تعاليمه ، فتطبق عليه قوانين النجاح رغم جهله بالعلم ؛ والشأن في ذلك شأن كل القوانين الطبيعية ؛ فمن أخذ سكرا على أنه سم لم يضره السكر ، ومن أخذ سما على أنه سكر قضي عليه السم ، ولم ينفع العلم ولم يضر الجهل ؛ فالبركة وعدم البركة هي السير على قوانين الطبيعة أو عدم السير .

وعلي هذا الأساس الحكومة ، قد يكون مباركا

وقد يكون غير مبارك على هذا المعنى ؟ فالحكومة التي تبعثر أموالها فيها لا يفيد ، وتقدم الكمالي علي الضروري ، وتنفق الأموال الطائلة في فتح شارع للترف ، وتندق على المؤتمرات للشهرة ، وتتلف الأموال الكثيرة في الإكثار من عدد الموظفين ورفع درجاتهم ، وتنشئ المشروعات الكبيرة للفخفخة قبل ان تمد العدد لفلاحها ليشرعوا ماء نظيفا ، وقبل ان تعد العدد لعمالها ليجدوا الكفاف ، ميزانيتها لا بركة فيها ، ومعنى خلوها من البركة عدم سيرها على قوانين الاقتصاد الطبيعية . وإذا رأينا امة اخري ميزانيتها اقل من الأولى وهي بها أسعد من الأولى كانت ميزانيتها " فيها البركة " لهذا المعنى .

وحينئذ يكون معلي البركة التوفيق في سير المرء او المرأة أو الحكومة حسب قوانين الاقتصاد

والرجل ذو الذرية المباركة بركته عبارة عن أن أولاده ورثوا من ابائهم وأمهاتهم بذورا صالحة ، ثم تربوا تربية صالحة ، فكانوا في الحياة ناجحين موفقين ، وهذا معنى البركة ؛ فإذاهم ورثوا وراثة سيئة او ربوا تربية فاسدة كانوا لا بركة فيهم ، والذرية المباركة وغير المباركة خاضعة لسنة الله في خلقه وهي القوانين الطبيعية .

والعمر المبارك هو الذي عرف صاحبه كيف يستغله ، والمسر غير المبارك هو الذي جهل صاحبه كيف يستغله ، وهكذا

ولكن مما لاشك فيه ان المسألة ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح ؛ ففي الحياة أمور معقدة خفية تجعل الأمر أعقد من هذا وأصعب .

فقد يكون المرء سائرا علي قوانين الاقتصاد في دقة وإحكام كما ترسيم قوانين الاقتصاد ، ومع ذلك تضطرب ماليته وتسوء حالة لأسباب لا دخل له فيها ، كان يصاب هو أو أحد أفراد أسرته عرض بتطلب مالا كثيرا فتختل

ميزانيته وتذهب بركتها ، ولا دخل له في ذلك ؟ او يحدث حادث سماوي يتلف زراعته ، او يصاب بكارثة مالية ليست في الحسبان ، أو تدعمه سيارة تكسر رجله بخطأ  من السائق ، أو نحو ذلك من تصاريف القدر ؛ فكل هذه وأمثالها قد تفسد عليه نظامه المالي وتربكه ارتبا كا شديدا ، مع انه الحريص في تصرفاته الحكيم في تدبير ما له وكذلك نري في الدنيا عكس هذا ، نري المسرف المبذر الساخر من قوانين الاقتصاد ، ومع ذلك يأيته الرزق من حيث لا يحتسب ، فيبارك له في معيشته رغم تبذيره ورغم القوانين الطبيعية والاقتصادية

وكذلك الشأن في الأولاد ، قد ينشأون خير تنشئة ثم يصابون بصحبة من يفسدهم ، مع ان الاباء قد بذلوا في تربيتهم كل جهد ، وساروا علي قوانين التربية بكل دقة ، والعكس صحيح ، ويعجبني في ذلك قول الشاعر :

فموسي الذي رباه جبريل كافر

وموسي الذي رباه فرعون مرسل

هذا كله صحيح ، وهذه أمور تستوجب التفكير ، وليست الإجابة عنها بسيرة ؛ ولكن الست معي في ان هذه أمور استثنائية في الحياة ؟ وربما كانت هي الاخري خاضعة لقوانين لم تحل بعد ؟ البس من الخير ان نسير من القوانين على ما علم ونلتزمه ، ونؤمن بالقوانين القليلة التي لم نعرفها حتى نعرفها ؟ أو الخير أن تهمل كل القوانين لأننا نجهل بعضها ؟

أظن من الخير أن نسير حياتنا على ما علم ، فإذا اردنا البركة فلنسر على قوانين الطبيعة ، ولا يضيرنا ان يكون جزء من حياتنا في يد القدر

وعلي حسب تفسيرنا ، إن كان هذا المقال سائرا على قوانين الفن مثيرا للنظر ، ناجح الأثر ، ففيه البركة ، وإلا فلا بركة فيه ؛ والعلم عند الله .

اشترك في نشرتنا البريدية