ديوان الطبران
حضرة الأستاذ الجليل رئيس تحرير مجلة الرسالة الغراء يقول الشاعر العربي القديم في وصف الناقلة:
فلو إنما تمشي على الأرض أدركت ... ولكنما تهفو بتمثال طائر
وإني لأتمثل بهذا البيت كلما أطلقت صفارة الإنذار بالإسكندرية وشاهدت إحدى المغيرة، وأني لأحس أن البيت كأنما قيل لينشد اليوم في مثل هذه المناسبة؛ ولقد أتمنى أن أطير لألحق بتلك التي لا يمكن إدراكها لأنها لا تمشي على الأرض، فأتمثل بقول الشاعر العربي القديم:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من (لا أحب) أطير
أستشهد بهذين البيتين بمناسبة كتاب أقرئه الآن عنوانه (ديوان الطيران) جمعته الكاتبة الإنجليزية ستيللاولف موري ووضع مقدمته السير صمويل هور وزير الطيران البريطاني الآن، والذي كان وزيراً للطيران أيضاً في سنة ١٩٢٥، وهي السنة التي طبع فيها هذا الديوان
والكتاب يختلف عن غيره من كتب أدب الحرب في الجزء الأول منه على الأقل لأنه مقسم إلى ثلاثة أجزاء أولها لم يوضع في زمن الحرب ولا مناسبة الحرب وإنما جمع من الشعر القديم (ليدل على أن الطيران كان أمنية من أماني النفس الإنسانية أحسها الشعراء قبل الأوان الذي يمكن تحقيقها فأعربوا عنها) وغرض الكاتبة من جمعه التنويه بفضل الفنون التي يرى أصحابها بأعين الخيال ما لا يستطيع الكافة أن يروه إلا بعد تجسيده حين تتحول الفكرة إلى عمل
ويشير السير صمويل هور في المقدمة إلى قصة حبشية قديمة تشبه قصة بساط سليمان ولكن القصة الحبشية تذكر سفينة سليمان الطائرة في الموضع الذي نذكر فيه نحن كلمة بساط، كما يشير إلى أجزاء من شعر هوميروس فيها وصف لسباق في الجو
بين مركبات تقصف مثل قصف الرعد. ويشير أيضاً إلى خيول مجنحة ذكرت في أدب أهل الشمال في عصوره الأولى وإلى البساط المسحور في الآداب الشرقية؛ ويعد السير صمويل هور كل ذلك نبوءات بالطيران
وفي هذا الجزء شعر كثير للمتقدمين لم يقصد به أن يكون من شعر الحرب ولكنه صار من شعرها لما أفادته المناسبة معنى جديداً - مثله في ذلك كمثل البيت الذي بدأت به هذه الكلمة أذكر هذا بمناسبة المقال الممتع الذي دبجته براعة العقاد في صدر العدد الأخير من الرسالة والذي تحدث فيه عن نوعين من شعر الحرب نوع يكتب بعدها ليؤرخها وهو شعر الملاحم، ونوع يكتب في عهدها ليصفها
ولكن هذا النوع الثالث الذي لم يشر إليه العقاد لندرته هو الذي كتب قبل الحروب ولم يقصد به إلى وصف معنى من معانيها ولكنه تضمن من المشاعر أو الأخيلة ما أسفرت الحرب عن خروجه من حيز المعاني التي يراها الشعراء إلى عالم الحس الذي يراه الجميع
ولعلي أستطيع ترجمة بعض هذه المختارات فهي من غير النوع الذي ينشأ مع الحرب ويموت معها
