كان البريد الجوى إلى الآن مقتصرا على المدن الكبيرة ، حيث يمكن أن تفى الرسوم البريدية الكبيرة التى تحصل من المبعوثات بنفقات المطارات ومكاتب البريد اللازمة . وذلك لأن هذه المطارات تكون عادة خارج المدن ، والانتقال منها وإليها بتكلف نفقات كثيرة ، كما أن نزول الطائرة إلى الأرض لتسليم أكياس البريد التى معها ، وتحليقها إلى الجو للسفر بعد تسلم أكياس البريد المرسلة من هذه المدن ، هذا النزول والصعود بتكلف كثيرا من النفقات للعمال اللازمين وغيرهم من المهندسين الأرضيين والمهندسين الفنيين الأخر ، والآذنين بالهبوط ، تم بالسفر ، إلى غير ذلك من ترتيبات تتطلب مصاريف .
لكن اختراعا بسيطا طريفا وصل إليه الأمريكان قد مكن إحدى شركات الطيران من توزيع البريد على ٥٨ مدينة صغيرة فى أربع ولايات متجاورة فى شرقى الولايات المتحدة الأمريكية . ويتلخص هذا الاختراع فى إجراء تحوير فى تصميم الطيارة ومحتوياتها وترتيب آخر على الأرض فى المدينة الصغيرة ، بحيث أصبح فى الإمكان إنزال أكياس البريد المرسلة إلى المدينة ، والتقاط الأكياس الميمونة منها أثناء طيران الطائرة بسرعة تتراوح بين ٩٠ و ١١٠ أميال فى الساعة ، بغير حاجة إلى الهبوط على الأرض ، وعلى الرغم من أن جميع التفاصيل الفنية للاختراع لم تذع بعد إلا أنه يمكن شرح النقط الأساسية فيه :
فأما الطائرات فقد أزيل جميع ما بداخلها من الأدوات المألوفة عدا مقعد الربان ولوازمه ، وذلك لكى تتسع الطائرة لأكبر عدد من أكياس البريد ولجلوس وكيل البريد المسئول ؛ كما وضع فى الطائرة جهاز خاص يديره هذا الوكيل ، فيتمكن بذلك من التقاط الأكياس بحبل ربط
بآخره خطاف (شكل ١ ) ، وجهاز آخر يشغله ربان الطائرة
الغرض منه فك الأكياس المراد إنزالها إلى الأرض ،
وأما الأرض فقد وضع عليها جهاز آخر ( شكل ٣ ) يتركب من ساريتين من الصلب طول كل منهما عشرة أمتار والسافة بينهما ٢٠ مترا ، وفى رأس كل منهما علم زاهى اللون برتقالى . ويمتد بين الساريتين حبل مستعرض مشدود إلى كل منهما بماسك زنبركى ينفصل بسهولة إذا جذب الحبل فجأة . ويحمل هذا الحبل كيس البريد المعد لأن تلتقطه الطائرة .
وهذا بيان الخطوات التى يعملها وكيل البريد لتسلم الأكياس والتقاطها فى وقت واحد :
يدلى الوكيل باليد الكيس الذي يريد تسليمه ، وهو متصل بالطائرة بحبل ينتهي بجهاز لفكاكه تحت إمرة الربان كما قدمنا . ثم يدلى بحبل آخر الخطاف الملتقط . ويتصل الطرف الأعلى لهذا الحبل بجهاز فى الطائرة لتخفيف أثر صدمة الالتقاط ( شكل ٤ ) . وهذا الحبل يتدلى من جسم الطائرة على بعد يبلغ نحو قدمين أمام حبل التسليم . ويمنع الحبلين من التفاف أحدهما حول الآخر أنهما مختلفان فى الثقل والمقاومة للهواء ، فيتدليان بقوسين مختلفى الشكل . وعندما
يقترب الربان من المحطة ، وقبل الوصول إلى الساريتين ، بفك الكيس المراد تسليمه فيسقط دون أن يشتبك بحبل
الالتقاط . ثم تمر الطائرة بين الساريتين على ارتفاع يتراوح بين خمسة عشر وعشرين مترا ، فيرتكز حبل الالتقاط على الحبل المستعرض الذى بين الساريتين ، وينسحب فوقه تبعا لسرعة الطائرة إلى أن يشتبك الخطاف الذى فى نهايته بالحبل المستعرض ، فيفصله عن الساريتين ويجذبه معه ، وعندئذ يرفع الوكيل الكيس إلى الطائرة كما نراه فى ) شكل ٥ ( .
وفى الوقت الذى يشد فيه الخطاف الحبل ينحدر كيس البريد على الحبل مبتعدا عن الخطاف ، وهناك جهاز فى أعلى الكيس يعمل على تقليل سرعة انحداره بالتدريج ، حتى يسكن تماما عند وصوله إلى نهاية الحبل . والواقع أن هذا الجهاز هو الذى يتلقى الجزء الأ كبر من صدمة الالتقاط فيخفف من وقعها على الحبل ، وما بقى منها بعد ذلك يتلقاه الجهاز الذى فى الطائرة ( شكل ٤ ) .
ويقال إن الرجال الذين فى الطائرة لا يكادون يشعرون بالتقاط الأكياس . وإذا حدث أن اشتبك الحبل أو الخطاف بعائق على الأرض ، فان هناك (( وصله سلامة )) تنفصل حالا فتقطع اتصال الحبل بالطائرة ، فتمنع وقوع أى حادثة . وفى الوقت الحاضر قد حدد وزن ما يلتقط من أكياس البريد بعشرين رطلا ، ولو أنه أثناء التجارب التمهيدية قد أمكن الالتقاط لغاية ٧٠ رطلا ؛ وسيزداد
القدر المسموح به كلما ازداد الوثوق بالجهاز ومتانته واستجابته للعمل .
هذا وقد صنعت أكياس البريد المستعملة فى هذه العملية ( شكل ٦ ) على صورة تجعلها تتحرك فى الهواء وهى معلقة فى الطائرة بأقل مقاومة من جانب الهواء ، كما أنها مقواة لتتحمل صدمة السقوط أثناء الحركة بسرعة كبيرة . وهذه الأ كياس ذات مقدمة ملساء مستديرة كما يتبين من الشكل ، ومصنوعة من الفيبر ومتصل بها إزار من المطاط يغلف علبة البريد ، ونراه تحت المقدمة فى الشكل .
وبما أن السرعة هى أساس هذا البريد الجوى فمن المناسب أن نذكر هنا أن طائرات الشركة القائمة بهذا العمل تطير ١٥٤٠ ميلا كل يوم ، وتلتقط ٧٥ كيسا لتوزيعها على الثمانى والخمسين بلدة فى مواعيد منتظمة بسرعة متوسطها ١٠٠ ميل فى الساعة ، سواء أكان الطقس مناسبا أم غير مناسب . وبما أن البعد بين المحطتين المتتاليتين يتراوح بين خمسة أميال واثنين وعشرين ميلا فمثل هذا العمل لم يكن ليتم لو ان الطائرات كانت مضطرة إلى الهبوط والصعود فى كل محطة .

