كنت وما زلت معجباً بأبيات الصَّمَّة بن عبد الله القشيري التي يقول في مطلعها:
حننت إلى ريا، ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعبا كما معاً
وكنت أقف عند هذا البيت الذي يقول فيه:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً
فأعجب كيف اتفق لهذا الشاعر أن يبكي بعين واحدة، ثم يعود فيبكي بكلنا عينيه؟! وكنت أتساءل: هل يتفق هذا لكل الناس أم أنها حال خاصة لا تخضع لقانون ثابت، ولا تجري على سنة مطردة؟. . . وأخذت أفكر فخطر لي أن هذا الشاعر قد
يكون أعور، فيتصور منه البكاء بعين واحدة، وبدا لي هذا الخاطر معقولاً لولا اعتراض قام بالذهن، هو أن كون الشاعر أعور إنما هو محض افتراض لا يقوم على أساس، ولا ينهض على دليل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل يمكن أن تدمع العين العوراء حتى يتصور بكاء الأعور بكلتا عينيه؟ وأخذت أبحث عما يدفع هذا الاعتراض، ويصحح ذاك الافتراض، وأخيراً وقفت إلى ذلك - وما توفيقي إلا بالله - فقد قرأت في (عبقرية عمر) للأستاذ الكبير العقاد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل متمم بن نويرة، وكان هذا شديد الحزن لمقتل أخيه مالك: - ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ فقال: كانت عيني هذه قد ذهبت فبكيت بالصحيحة فأكثرت البكاء، حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. ثم قرأت هذه الأبيات في الجزء الثالث من شرح ديوان الحماسة فوجدت التبريزي الشارح رحمه الله يعلق على البيت السالف بقوله: وإنما قال: (بكت عيني اليسرى) لأنه كان أعور
وبذلك سقط الاعتراض وصح الافتراض. والله أعلم.
