يتحكم في تكوين كل كائن عاملان : عامل الوراثة وعامل البيئة . فبيضة الدجاجة المخصبة تعطي صغارا تعيد تاريخ حياة امها مهما كانت عوامل إفراخها . وبذرة الفول تعطى نبات الفول في أي تربة غرست ، وتحت اي ظروف تمت . وهكذا يعين عامل الوراثة نوع الكائن من حيث تركيبه وشكل اجزائه . بعد ذلك يأتى عامل البيئة ؛ فصغار الدجاج إن غذيت غذاء كاملا ، وأخذت من الهواء والضوء كفايتها ، نمت وترعرعت وأعادت تاريخ آبائها . وإن قتر عليهم في غذائها وما يلزمها من عوامل النمو المختلفة ، ضعفت أجسامها وقل نموها ، واعجزها الحرمان عن ان تواصل حياة طبيعية ، وذلك رغم ما ورثته عن آبائها . وبذور الفول بالمثل إن غرست في تربة صالحة ووفرنا لها الغذاء والضوء والهواء وغير ذلك من العوامل الضرورية لنموها ونضجها ، نمت ونضجت واثمرت ؛ أما إن حرماناها غذاءها ، وحجزناها عن الضوء ، ضمرت أجزاؤها وعجزت عن ان تواصل حياتها
فالكائن محصله لعاملين : عامل الوراثة وعامل البيئة ، ولا يمكن أن نفصل أحدهما عن الآخر . وهذا مبدأ عام يطبق على جميع الكائنات مهما كانت مرتبة رقيها ، نباتية كانت أو حيوانية . على انه قد يطرأ للقاريء ان البيضة الكبيرة تنتج نتاجا حسنا ، والبيضة الصغيرة تعطي صغارا ضعافا ، وكذلك في حالة البذرة . وهذا حقيقي إلى حد كبير ؛ فإن الجنين يتغذى على ما يدخر في البيضة او البذرة حتى يصبح الكائن معتمدا على نفسه في غذائه . فإذا توفر الغذاء بدأ الكائن حياته وقد زود بما يعينه على مصارعة الحياة ؛ اما إذا بدأ الكائن حياته على الكفاف والعسر فان ذلك يحد من مقاومته ومصارعته ، ويجعل مآله الانقراض .
ولنفرض أن كائنا ورث عن آبائه ما ورث ، وبدأ حياته وقد توفر له من الغذاء ما يكفيه ، ثم احطناه بظروف غيرت من صفاته ، فهل ثورث هذه التغيرات وتنتقل من جيل إلى جيل ؟ لقد اختلف الكثير من العلماء في مدى هذه التغيرات التي تحدثها البيئة ، وفيما إذا كانت تنقل من جيل إلى آخر ؛ فانقسم العلماء إلى فريقين : فريق يؤمن بوراثة الصفات التي يكتسبها الفرد بتأثير بيئته ، وفريق يعارض هذا الرأي ، ولكل فريق حجته وبرهانه . فلكي يصدر الإنسان حكمه في هذه القضية ، يجب عليه أن يستعرض من الأمثلة ما ينير له الطريق .
يقول معارضو الرأي إن لبعض الأجناس البشرية ، من العادات ما يؤدي بها إلى احداث تحور او تغيير في شكل جزء من أجزاء الجسم ، ومع تمسكهم بهذه العادات فإن أطفالهم تولد عادية لا تحوير في اجسامها . فاهل الصين يرون جمال المرأة في انضغاط قدميها ؛ وبعض قبائل الهند وأواسط أفريقيا يضغطون رؤوسهم ؟ وغيرهم يشدون شفاههم السفلى فتمتد أمام وجوههم . وكل هذه عادات تتكرر في كل جيل ، ومع هذا لا تورث بتاتا . وأكثر من ذلك ان هذا الفريق يعارض وراثة الصفات المكتسبة ، بحجة ان ابن الحداد لا يرث القوة في عضلاته ، لو وضع منذ صغره في بيئة تباعد بينه وبين تقوية عضلاته ؛ كما ان الإنسان لا يرث لغته ، فلو اخذ الطفل المصري وربى في بيئة تنطق بغير لغته لتكلم لغة من يحيطونه
على أن هذه الأمثلة تتناول جزءا معينا من جسم الكائن ، فضغط القدمين عند نساء الصين ، وشد الشفاه عند بعض القبائل في أواسط افريقيا ، هذه تغيرات أو أو أحداث تنتاب الشخص أثناء حياته وتأثيرها موجه إلي جزء بسيط من جسم الكائن ؛ وكان الواجب ان يعرض الجسم بأجمعه إلي ظروف أو تغيرات خاصة تعم
جسمه ، كأن تعرضه لضوء او حرارة أو تغير في الغذاء ، ثم تتتبع مدى تأثير هذه التغيرات في الاجيال الجديدة ، ذرية بعد اخري .
وقد كان العالم لامارك بطل الرأي القائل بوراثة الصفات البيئية ، وقد فسر التطور على أساس نظريته التي تتلخص في أن كل كائن إذا أحيط بظروف جديدة ، فإن ذلك يؤدي إلي حدوث تغيرات فيه لمواجهة هذا التغير ، وقد يكون هذا التغير مصحوبا بزيادة نشاط أجزاء خاصة من جسم الكائن وخمود البعض الآخر ، مما يؤدي إلي نمو في الأجزاء النشيطة وضمور في الأجزاء الخامدة . وقد طبق هذا الرأي علي الظرافة فقال : إن وجودها في بيئة تنمو فيها أشجار مرتفعة اضطرها أن تمد في عنقها ، فزاد هذا في نمو عضلاتها العنقية ، وقويت جيلا بعد جيل ، فاستطالت الفقرات العنقية تبعا لذلك ، وانتقلت هذه التغيرات سلالة بعد سلالة ، حتى وصل بها الحال إلي ما هي عليه الآن . كذلك الحوت الذي يرضع صغاره كما ترضع صغارنا ، والذي يتنفس الهواء برئتيه كما نتنفسه ، فهو حيوان ثديي ، أخذ إلي الماء وعاش فيه كالأسماك . فكان من الطبيعي أن يفسر لامارك وجوده في الماء على مبدأ وراثة الصفات البيئية ، فقال : إن أطرافه تحورت إلي ما يشبه الزعانف ، ولو أن عظامها هي عظام أطرافنا عظمة عظمة . وقويت أطرافه الأمامية بطبيعة حركته في الماء ، وضمرت أطرافه الخلفية ، فأصبحت مجرد زوائد مطمورة في عضلاتها ، وسمك جلده وزاد دهنه ، فأصبح جسمه ينساب فى الماء ويعيش في بيئته قانعا بها .
ولقد بالغ اتباع لامارك في التمسك بهذا الرأي ، وأخذوا يتلمسون له الأمثلة من قريب او من بعيد ، فقالوا بوراثة الأمراض والمناعة والقوة والخبرة والعلم . وقد أيد داروين لا مارك فقال ببقاء الأصلح : فقد نأخذ صغيرين من نتاج
واحد ولكنهما يختلفان قليلا ، فإذا عرضناهما لظروف واحدة فإنهما لابد مختلفان ، فيتميز أحدهما علي الآخر ؛ وقد يساعد هذا التميز على أن يكون لآحد الفردين من الصفات ما يساعده على ان يعيش في هذه البيئة احسن من غيره ، ولذا يسبق زميله في نموه وفي تكاثره . وهذا طبيعي ، فالحياة صراع ، ومن بز غيره في صراعه كتب له البقاء . وليس من الضروري ان يكون الصراع صراعا في القوة بل قد يكون في الفكر ، أو صراعا في تحمل عامل خاص إلى غير ذلك . ويتضح من رأي داروين انه لم ينص صراحة على تأثير البيئة بتقوية بعض اجزاء الجسم وضمور البعض الآخر ، ولكنه لم يعارض لامارك بل يتفق معه إلي حد كبير . وعلى هذا وافق داروين لامارك وجاراه هيكل ؛ وعارضهم فايزمان فقال إن التغير في البيئة لايورث إلا إذا أثر في الخلية الجنسية التي تعتبر واسطة الوراثة ، والناقله للصفات من الآباء إلى الأبناء .
وقد حاول فايزمان أن يفند رأي لامارك بتعرضه لكثير من الأمثلة التي تقابلها في الحياة . وقد بين أن كثيرا منها مصادفات أو فلتات لا يمكن ان تكون مبدأ عاما ؛ كما أن بعضها فسر تفسيرا غير صحيح ومثال ذلك ماحدث في إحدي مقاطعات الولايات المتحدة ؛ إذ تعود أحد مربي الأغنام أن يضع أسلاكا شائكة تمنع أغنامه من التعدي على أرض جيرانه ، ولاحظ في باديء الأمر ان معظم الأغنام تصاب بجراح كثيرة من جراء محاولتها اقتحام هذه الأسلاك ، ولكنه لاحظ بعد ذلك ان الإصابات قد قلت ، كما وجد أن صغار الأغنام عندما تولد لا تقترب من الأسلاك بتاتا . وقد فسرت هذه الظاهرة تبع رأي لامارك بأن الصغار ورثت الحذر عن الكبار ولكن فايزمان عللها بأن الصغار قلدت آباءها ، بدليل أنه لو أخذت صغار بعد ولادتها وتركت في حقل لا أسلاك فيه
وبعيدة عن آبائها لمدة ثلاثة اشهر مثلا ، ثم وضعت بعد ذلك حيث الأسلاك الشائكة ، فانها تعاني ما عانت أباؤها من قبل عندما ووجهت بسياج من هذه الأسلاك .
وحدثت بعض حوادث فردية لابناء ولدوا مشوهين كأبائهم وأمهاتهم ، فكانت أجسامهم تحمل هذه التشويهات ، ولكن هذه الحوادث إن هي إلا عدد محدود من ملايين الحوادث التي لا يظهر فيها أي أثر للوراثة . والواقع أن الذي دفع بعض العلماء للاعتقاد بوراثة مثل هذه الحوادث ، أن الوراثة كانت تفسر بأن كل عضو من أعضاء الجسم له إفرازات خاصة ، وهذه الإفرازات تنتقل من العضو إلي الخلايا الجنسية ؛ وعلى هذا الرأي تكون الخلية الجنسية مشحونة بجميع الإفرازات التي تمثل مختلف أعضاء الجسم ، وعند حدوث الإخصاب وتكوين الجنين يقوم كل إفراز بتكوين العضو الذي أفرزه من قبل . وعلي هذا الرأي فإذا بتر جزء من أجزاء الجسم منع تكوين إفرازه ، فلا تتحمل الخلية الجنسية بهذا الإفراز ، وعلى ذلك ينمو الجنين دون أن يتكون هذا العضو . وهذا يخالف الواقع ، فإن فايزمان جرب ذلك على الجرذان ، فكان يقطع ذيولها باستمرار ، ومع هذا ولدت صغارها كاملة غير مصابة بسوء
وقد أخذت البحوث في وراثة الصفات البيئية تتخذ صبغة عملية تجريدية . وكان البطل في هذا الميدان العلامة كامرر في فينا . وقد استخدم حيوان السمندل siamander وهو حيوان توجد منه انواع كثيرة تختلف في الوانها ؛ فمنها نوع اسود اللون مع بقع صفراء ، ومنها نوع اصفر مع بقع سوداء . والحيوان في طوره اليرقي يعيش في الماء ، وله خياشم ريشية ، شأنه في ذلك شأن الضفدعة وقد أخذ كامرر النوع الأسود ذا البقع الصفراء ، اخذها عند انتهاء تطورها ، اي بمجرد تركها للماء ، وقسمها قسمين ، وربي أحد القسمين في بيئة ارضها صفراء ، والقسم الآخر
في بيئة أرضها سوداء . وكانت هذه الحيوانات تعيش في ضوء اصطناعي يسقط عليها من أعلى . وقد وجد ان الحيوانات التي تعيش على أرض صفراء زادت بقعها الصفراء ، والتي عاشت على ارض سوداء زاد فيها اللون الأسود وطغي على البقع الصفراء . أما إذا عاش الحيوان على أرض يتساوي فيها اللونان ، الاصفر والأسود ، او على أرض لم تضأ من أعلى ، فإن السمندل ينمو نموا طبيعيا دون أن يعاني تغيرا يذكر .
بعد ذلك أخذ الحيوانات التي عاشت على أرض صفراء وتركها تتكاثر في تربة عادية ، وعندما بدأت تتطور قسمت قسمين : قسم وضع في بيئة صفراء ، وقسم آخر في بيئة سوداء ؛ فوجد ان الحيوانات التى عاشت على أرض صفراء زاد اصفرارها واتصلت بقعها الصفراء ببعضها ، مكونة خطوطا طولية في طورها البالغ ؛ وزاد اللون الأصفر فظهرت خطوط عرضية اتصلت بالخطوط الطولية حتى أصبح ظهر الحيوان اصفر تقريبا . أما الحيوانات التي عاشت على أرض سوداء ، فإن البقع الصفراء ظهرت في خطين طوليين متصلين بتأثير البيئة الصفراء التي تعرضت لها اباؤها من قبل ؛ وباستمرار تعرض هذه الحيوانات للبيئة السوداء بدأت البقع الصفراء في التلاشي ؛ وعند ما وصلت إلي طورها البالغ اصبح اللون خطا متقطعا .
وقد عرض " لكامرر " أن يكون للرطوبة أثر فى إحداث هذا التغير . وقد وجد أن التربة الصفراء تحتوي علي نسبة اكبر من الرطوبة ، ووجد ان لهذه النسبة اثر في إحداث التغير في اللون . فلما ربي الحيوانات في تجاربه على اوراق ملونة بدلا من التربة ، واختار حيوانات فيها اللون الأسود هو اللون الغالب ، ووضعها على أوراق صفراء ، كانت النتيجة زيادة مساحة البقع الصفراء الموجودة ولم تظهر بقع جديدة . ولما ربيت سلالتها تحت
نفس الظروف ، وجد أن البقع ازدادت في مساحتها حتى اتصلت ببعضها وكونت شريطين على طول جسم الحيوان . ولكن اللون الأصفر كان يميل إلي الإسمرار . والذي حدث أن اللون الأصفر امتد كطبقة رقيقة تحت الجلد اختلطت باللون الأسود ، ولم تتكون بقع جديدة . وهذا يثبت أن للرطوبة دخلا كبيرا في تأثر الجسم واكتسابه لونا جديدا . وقد استمر كامر في تجاربه لبيان اثر الرطوبة على السمندل ، فوضع هذه الحيوانات على ارض لا صفراء ولا سوداء ، وغير نسبة الرطوبه ، فوجد ان الحيوانات ذات البقع الصفراء إن ربيت على ارض رمادية وفي رطوبة تتراوح بين ٨٠ % و ٩٠ % ظهرت بقع صفراء كثيرة العدد ، وخاصة على السطح السفلى للحيوان ؛ أما إذا كانت الرطوبة حوالى ٥٠ % فإن البقع الصفراء الموجودة تقل مساحتها ثم تتلاشي ، وذلك لامتداد الصبغة
السوداء واجتياحها اللون الأصفر .
فمن هذه التجارب يتبين أن التربة الصفراء تزيد في مساحة البقع الصفراء وامتدادها واتصالها ببعضها ، اما الرطوبة فإنها تعمل على تكوين بقع جديدة . وكل من التغيرين ينتقل إلى الصغار بالوراثة . ولا يكون التغير في الصغار بالدرجة التي وصل إليها الآباء بل يكون اقل قليلا .
ويطول بنا الحديث لو حاولنا تتبع ابحاث " كامرر " في هذه الناحية . والواقع والثابت من هذه التجارب اننا إذا غيرنا من بيئة السمندل فإن هذا يؤدي إلي تغير في اللون ، وهذا يورث إلي حد ما ؛ غير أننا إذا لم نحط الحيوان بظروف تساعد على تقوية هذا اللون فإنه يبدأ في الضمور والتلاشي . فكأن وراثة اللون هنا محدودة بما يحيط الصغار من لون الأرض أو رطوبتها .
محمد أحمد بنونه

