الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الرسالة"

البيان (١)

Share

لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها                                 يقيمها الكاتب على حدودٍ ويديرها على طريقة ، مصيبًا بألفاظه                          مواقع الشعور ، مثيرًا بها مكامن الخيال ، آخذًا بوزن تاركًا                                 بوزن لتأخذ النفسُ وتترك

ونقلُ حقائق الدنيا نقلًا صحيحًا إلى الكتابة أو الشعر ، هو انتزاعها من الحياة في أسلوب وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدقَّ وأجملَ ، لوضعه كل شىء في خاصِّ معناه وكشفه حقائق الدنيا كشفةً تحت ظاهرها الملتَبس . وتلك هي الصناعةُ الفنيةُ الكاملة : تستدركُ النقص فتتمه ، وتتناول السر فتعلنه ، وتلمس المقيَّد فتطلقه ، وتأخذ المطلق فتحدُّه ، وتكشف الجمالَ فتظهره ، وترفع الحياة درجةً في المعنى ، وتجعلُ الكلامَ كأنه وجد لنفسه عقلًا يعيش به

فالكاتبُ الحقُّ لا يكتبُ ليكتب ؛ ولكنه أداة في يد القوة المصوِّرة لهذا الوجود ، تُصوّر فيه شيئًا من أعمالها نوعا جميلًا من التصوير . الحكمة الغامضةُ تُريده على التفسير ، تفسير الحقيقة ؛ والخطأ الظاهر يريده على التبيين ، تبيين الصواب ؛

والفوضى المائجة تسأله الإقرار ، إقرار التناسب ؛ وما وراء الحياة يتخذ من فكره صلة بالحياة ؛ والدنيا كلها تنتقل فيه مرحلة نفسية لتعلو به أو تنزل . ومن ذلك لا يُخلق الملهَم أبدًا إلا وفيه أعصابه الكهربائية ، وله في قلبه الرقيق مواضعُ للاحتراق تنفذ إليها الأشعة الروحانيةُ وتتساقط منها

وإذا اختير الكاتبُ لرسالة ما ، شعر بقوة تفرض نفسها عليه ، منها سِنادُ رأيه ، ومنها إقامة برهانه ، ومنها جمال ما يأتي به ؛ فيكون إنسانًا لأعماله وأعمالها جميعا ، له بنفسه وجود ، وله بها وجود آخر ؛ ومن ثمَّ يصبح عالمًا بعناصره للخير أو الشر كما يُوجَّه ؛ ويلقى فيه مثلُ السر الذي يلقى في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعي يرى سهلاً  كل السهل حين يتم ، ولكنه صعب أيُّ صعب حين يبدأ

هذه القوة هي التي تجعل اللفظة الواحدة في ذهنه معنى تامًا ، وتحول الجملة الصغيرة إلى قصة ، وتنقلب باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة ، وهي تخرجه من حكم أشياء ليحكم عليها ، وتدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه ؛ وهي هي التي تميز لغته وأسلوبه لأنها تلتقط بمعانيها ألفاظها ، وما تعطيه هو إلا لتعطي الناس منه ، وكما خُلق الكونُ من الإشعاع تضع الإشعاعَ فى                                   بيانه (١)

ولابد من البيان في الطبائع الملهمة ليتسع به التصرّف ، إذ الحقائق أسمى وأدقّ من أن تُعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها . فلو حُدَّت الحقيقة ما بقيت حقيقة ، ولو تَلبَّس الملائكةُ هذا اللحم والدم لبطل أن يكونوا ملائكة ؛ ومن ثم فكثرةُ الصور البيانية الجميلة للحقيقة الجميلة ، هي كل ما يمكن من طريقة تعريفها للإنسانية

وأي بيان في خُضرة الربيع عند الحيوان من أكل العُشب إلا بيان الصورة الواحدة في معدته ؟ غير أن صُورَ الربيع في البيان الإنساني على اختلاف الأرض والأمم ، تكاد تكون بعدد أزهاره ويكاد الندى يُنضرها كما ينضره

ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى : كالإيمان والجمال والحب والخير والحق - ستبقى محتاجة في كل عصر

إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة

وفي الكتَّاب الفضلاء باحثون مفكرون تأتي ألفاظهم ومعانيهم فنًّا عقليًا غايته صحةُ الأداء وسلامةُ النَّسق ، ويندرُ البيان في كلامهم فيكون كوخْزِ الخضرة في الشجرة اليابسة هنا وهناك؛ ولكن الفنَّ البياني يرتفع على ذلك بأن غايته قوة الأداء مع الصحة ، وسموُّ التعبير مع الدقة ، و إبداع الصورة زائدًا

جمال الصورة ؛ أولئك في الكتابة كالطير له جناح يجري به ويدِفُّ ولا يطير ، وهؤلاء كالطير الآخر له جناح يطير به ويجري ، ولو كتب الفريقان في معنى واحد لرأيت المنطق في أحد الأسلوبين يقول : أنا هنا فى معانٍ وألفاظ . والإلهام في الأسلوب الآخر يقول : أنا هنا في جلال وجمال وصور وألوان ودورةُ العبارة الفنية في نفس الكاتب البياني دورة خَلْق وتركيب ، تخرج بها الألفاظ أكبر مما هي كأنها شبَّت في نفسه

شبابًا ، و أقوى مما هي كأنما كسيت من روحه قوة ، وأدلّ مما هي كأنما زاد فيها بصناعته زيادة . فالكاتبُ العلميُّ تمر اللغة منه في ذاكرة وتخرج كما دخلت عليها طابع واضعيها ؛ ولكنها من الكاتب البياني تمر في مصنع وتخرج عليها طابعُه هو .

أولئك أزاحوا اللغة عن مرتبة سامية ، وهؤلاء علوا بها إلى أسمى مراتبها ؛ وأنت مع الأولين بالفكر ، ولا شىء إلا الفكر والنظر والحكم ؛ غير أنك مع ذي الحاسة البيانية لا تكون إلا بمجموع ما فيك من قوة الفكر والخيال والإحساس والتأثر وللكتابة التامة المفيدة مثل الوجهين في خلق الناس : ففي كل الوجوه تركيب تامٌّ تقوم به منفعةُ الحياة ، ولكن الوجه المنفرد يجمع إلى تمام الخَلق جمال الَخلق ، ويزيد على منفعة الحياة لذة الحياة ؛ وهو لذلك يُرى ويؤثر ويُعشق

وربما عابوا السموَّ الأدبي بأنه قليل ، ولكن الخير كذلك ؛ وبأنه مخالف ، ولكن الحق كذلك ؛ وبأنه مُحير ، ولكن الحسن كذلك ؛ وبأنه كثير التكاليف ، ولكن الحرية كذلك وإن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع ، وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد ، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب

( طنطا )

اشترك في نشرتنا البريدية