الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 340الرجوع إلى "الثقافة"

التأليف

Share

يقول شوبنهور : " المؤلف إما أن يكتب من أجل الموضوع أو يكتب من أجل الكتابة . الأول عنده من الأفكار والتجارب ما يستحق - فى رأيه - النشر والإذاعة . والثانى يكتب ليكسب من وراء الكتابة ، وتفكيره سلعة يتجر بها ويستطيع القارىء أن يميزه بالطريقة التى ينسج بها آراءه ، فإنه ليمدها إلى أطول حد يمكن وهو يتميز كذلك بطبيعة تفكيره ، فآراؤه ليست صادقة كل الصدق ، ملتوية ، مفتعلة ، مذبذبة ، وهو لا يحب الصرامة فى القول ، لعله يبدو على غير حقيقته . ومن ثم نرى كتابته أبعد ما تكون عن الوضوح والدقة . وسرعان ما يتبين للجمهور القارىء أنه لا يرى من وراء الكتابة إلا إلى أن يسود الصفحات . وهذا عيب لا يخلو منه أحيانا أحسن المؤلفين .... ونصيحتى للقارىء أن يلقى الكتاب جانبا فى اللحظة التى يدرك فيها هذه الحقيقة ، لأن الوقت ثمين . والحق أن المؤلف حينما يشرع فى الكتابة لمجرد ملء الصفحات ، إنما يخدع القارىء ، لأنه يكتب زاعما أن لديه ما يريد التعبير عنه " .

ويرى شوبنهور كذلك أن الكتابة من أجل المال فيها قضاء على الأدب . إن المرء لا يكتب شيئا يستحق الكتابة إلا إن كان يكتب من أجل موضوعه فحسب ، ولو أن الأمة لم تبق فى كل فرع من فروع الأدب إلا على عدد بسير من الكتب ، وذلك هى الكتب الممتازة ، لكان خيرا لها وأبقى . ولكن هذا لن يكون ما دامت الكتابة تدر المال . ويبدو لى أن المؤلف ينحط كثيرا حينما يمس قرطاسه بالقلم بقصد الربح والكسب إن خير ما أنتج كبار الكتاب هو ما دونوه حينما كانوا يكتبون بغير مقابل أو بأجر زهيد . وما أصدق المثل الأسبانى الذى يقول إن الشرف والمال

لا يجتمعان فى كيس واحد ، ولعل تدهور الأدب فى العصر الحديث يرجع إلى أن الكتاب يكتبون الكتب لتكوين الثروات . يشعر الرجل بالفاقة فيجلس إلى مكتبه ويخرج للناس كتابا ، ومن العجيب أن الجمهور قد بلغ من الغباء حدا يدفعه إلى شرائه . وفى هذا انهيار للغة والأدب .

كم من كاتب مسف يعيش على شغف الجمهور بقراءة كل ما يطبع ! وأكثر هؤلاء الكتاب من رجال الصحافة .

وهناك - من ناحية أخرى - ثلاثة ضروب من المؤلفين . هناك من يكتب بغير تفكير . وهو يكتب من محفوظه ، وقد يكون ذلك نقلا مباشرا عن كتب الآخرين . ومن هذا الصنف عدد عديد ، وهناك من يفكر فى أثناء الكتابة . إنه يفكر لكى يكتب . ومن هذا الصنف عدد لا بأس به . وهناك - أخيرا - أولئك المؤلفون الذين يفكرون قبلما يكتبون . وما أقل هؤلاء

وما أشبه المؤلف - من الضرب الثانى - الذى يؤجل تفكيره إلى وقت الكتابة ، بالصائد يخرج للصيد عفوا ، ثم يعود إلى بيته خالى الوفاض بادى الأنفاض . أما الكاتب - من الفئة الثالثة النادرة - فكالصائد يتصيد الحيوان من حظيرة . ليس عليه إلا أن يصوب السلاح أو يطلق النار ، ويكاد يستحيل أن يخطىء المرمى . أو بعبارة أخرى أنه حينما يكتب إنما يصثدون آراء مختزنة من قبل .

ومع أن أولئك الذين يفكرون جديا قبل أن يشرعوا فى الكتابة قليل عديدهم ، فقل منهم من يفكر فى الموضوع ذاته . أما أكثرهم فيفكر فى الكتب التى ألفت فى الموضوع ، وفيما ذكره الآخرون . أمثال هؤلاء الكتاب يحتاجون - عند تفكيرهم - إلى تفكير الآخرين يحفزهم ويدفعهم إلى العمل . وهم لذلك ابعد ما يكونون عن الخلق والابتكار . أما الأولون فإن الموضوع نفسه هو الذى يحفزهم إلى التفكير وهذه هى الفئة الوحيدة التى يخرج منها الكتاب أصحاب الشهرة الخالدة .

إننى أنكلم هنا - بطبيعة الحال - عن الكتاب الذين يعالجون موضوعات جليلة ، لا على أولئك الكتاب الذين يكتبون فى فن الطهو .

إن المؤلف إذا لم يستمد مادته من رأسه ، أى من ملاحظته الخاصة ، لا يستحق أن يقرأ . من الكتاب من يتخذ من الكتابة صناعة ، يخرج الكتاب تلو الكتاب وكأنه يعمل فى مصنع ، ومن هؤلاء المصنفون الذين تتألف كتبهم من المختارات والمنتخبات ، وكثير من كتاب التاريخ ، وغيرهم ممن يستمدون مادتهم من الكتب مباشرة . ثم تنحدر المادة إلى أطراف أصابعهم ويصبونها على القرطاس لا يؤدون عنها ضريبة ، ولا يختبرونها وهى تمر برؤوسهم ، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها ، ولا يتناولونها بالنقد والتحليل ، هؤلاء الكتاب يتحدثون حديثا مهلهلا غامضا ، يشق على القارىء أن يفهمه . كتبهم صور مشوهة من صور أخرى ، ونصيحتى للقارىء أن يقل ما استطاع من قراءة المصنفات ، ومن العسير أن يتجنبها القارىء كلية ، لأنها تشتمل كذلك على تلك النصوص التى تحوى فى حيز صغير مجموعة من معارف القرون السابقة .

وليس أبعد عن الصواب من أن يحسب القارىء أن الكتاب الأخير خير الكتب وأصحها ، وأن ما كتب فى عهد متأخر تذيب لما كتب فى الزمان القديم ، وأن التغير معناه التقدم . إن المفكرين الحقيقيين ، أصحاب الحكم الصادق ، أولئك الذين لا يعبثون بما بين أيديهم من موضوعات ، شواذ فى تاريخ الفكر الإنسانى . ما أكثر الحشرات الإنسانية المؤذية فى أنحاء العالم طرا . أمثال هؤلاء يتناولون الفكر الناضج ويحاولون الزيادة فى نضجه بطريقتهم الفاسدة ، فيفسدون ما صلح !

إذا كنت أيها القارىء تحب أن تدرس موضوعا فحذار من الإندفاع نحو أحدث الكتب ، وإياك أن

تقيد اهتمامك بها وحدها ، متوهما أن العلم فى تقدم مستمر ، وأن خير ما فى الكتب القديمة تسرب إلى الكتب الجديدة عند تدوينها . إننى لا أنكر أن الكتب القديمة قد نبشت ، ولكن ما أكثر الكتاب الحديثين الذين لا يفهمون الكتب القديمة حق فهمها ، ومع ذلك تراهم يقتبسون منها غير متورعين ، وكثيرا ما يمسخونها ، ويعبرون بأسلوبهم الردىء عن معان اوردها الكتاب القدامى فى وضوح تام وبأحسن الأساليب ، ذلك لأنهم كتبوا رسائلهم من معرفتهم الحية بالموضوع رأسا . الكاتب الحديث كثيرا ما يحذف خير ما فى الكتاب القديم ، وأبرز ما فيه من صور وتوضيحات ، وأسمى ما فيه من ملاحظات ، لأنه لا يدرك قيمتها ولا يصل إلى أعماقها . وقد لا يستهويه غير التافه الضئيل .

وكثيرا ما يصدر كتاب جديد ردىء فيطرد من المكتبة كتابا قديما ممتازا ، وذلك لأن الكتاب الجديد يداهن طائفة معينة من الناس . وكم من كتاب علمى يزعم مؤلفه أنه أتى بجديد ، وهو فى الواقع لم يفعل شيئا سوى أنه هاجم نظرية قديمة صحيحة ، وذلك لكى يخلى السبيل لرأيه الخاطىء ، وقد ينجح المؤلف الجديد ، ولكن إلى حين ، ولا بد أن ينتصر الحق ، فيعود الكتاب القديم إلى ذيوعه وانتشاره . إن المجددين كثيرا ما يهملون كل شىء ولا يراعون سوى أسمائهم ومنفعتهم الخاصة . وايسر السبل إلى ذلك إنكار الحق القديم ومحاولة تفنيده ، ومن هذه الطائفة من الكتاب أولئك المترجمون الذين لا يكتفون بترجمة الأصل ، بل يصححونه ويراجعونه ، وهو عمل - فى رأى - وقح جرىء ، وإلى هذه الفئة من الكتاب أقول : ألفوا بأنفسكم الكتب التى تستحق الترجمة وأتركوا عمل غيركم كما هو بغير مساس !

يجب على القارىء أن يدرس - إن استطاع - المؤلفين الاصليين ، اولئك الرجال الذين أسسوا المذاهب

أو اكتشفوا النظريات ، أو على الأقل أولئك الذين اعترف لهم بالعلم والستاذية فى فروع المعارف المختلفة ، خير للقارىء أن يشترى الكتاب المستعمل القديم من أن يقرأ محتوياته فى كتاب جديد ، أنا لا أنكر أن الاكتشاف القديم قد يزداد إيضاحا ، ولكن واجب الطالب ان يدرس مبادىء علمه فى أصولها القديمة أولا ، ثم بطلع بعد ذلك على الإضافات الجديدة ؛ هذه قاعدة ذهبية على الطالب أن يذكرها دائما : إن الجديد قلما يكون جيدا ، لأنه ان كان كذلك فسرعان ما تزول جدته .

وأنتقل بعد ذلك إلى ناحية أخرى ، وتلك هى عنوان الكتاب . العنوان للكتاب بمثابة العنوان للخطاب ، فالغرض الأول منه تقديم الكتاب إلى الجمهور الذى يهمه الموضوع . ولذا ينبغى أن يكون قوى التعبير ، مقتضبا ، قويا ، محشوا بالمعنى ، بحوى محتويات الكتاب فى كلمة إن أمكن ذلك العنوان الطويل غير مستحب ، وكذلك العنوان الذى لا يدل على شىء ، أو الغامض المبهم ، أو الكاذب الذى لا يهدى إلى شىء ، فهذا العيب الأخير قد يؤدى إلى ما يؤدي إليه العنوان الخاطىء على الظرف . وأسوأ العناوين المسروقة من كتاب آخر ، فهى أولا جريمة أدبية ، ثم هى - فوق ذلك - دليل قاطع على أن المؤلف يعدم كل قدرة على الابتكار . فالرجل الذى لا يستطيع أن يبتكر عنوانا جديدا لكتابه ، لا يمكن أن يقدم لنا فى محتويات كتابه أمرا جديدا . وشبيه بالعناوين المسروقة العناون المقلدة ، مثال ذلك ما حدث مرة عند ما صدر كتاب عنوانه " عقل الطبيعة " وذلك بعد ما أخرج شوبنهور كتابه " إرادة الطبيعة " .

والكتاب يكتسب قيمته من " مادة " المؤلف أو " صورة " الكتاب ، أى من الموضوع أو كيف يعالجه المؤلف . و " بالمادة " أعنى كل ما يدخل فى دائرة خبرة الكاتب ، وهو إما من الحقائق التاريخية أو الحقائق

الطبيعية . والكتاب قد يكون هاما مهما يكن كاتبه ما دام يعالج موضوعا له أهميته . أما قيمة الكتاب من حيث " صورته " فتتوقف على شخصية الكاتب . فالكتاب قد يعالج مادة مطروقة ميسورة ، ولكن فى صورة جديدة ، أو بطريقة مستحدثة ، وهذه خاصة بالمؤلف دون الموضوع . فإن كان الكتاب من هذه الناحية ممتازا فالكاتب ممتاز . ويتبع ذلك أن الكاتب إن كان يستحق القراءة فإن قيمته ترتفع كلما قل اعتماده على أهمية المادة . وإذا فكلما كانت المادة معروفة مطروقة كان الكاتب جليلا عظيما . وقد عالج أكبر كتاب المآسى الإغريق نفس الموضوعات ، ولم ينقص ذلك من قيمتهم .

ولذا يجب أن نتنبه - عند الحكم على الكتاب _ إن كانت شهرته ترجع إلى قيمة مادته أو صورته فالكتب التى تكتسب أهميتها لقيمة مادتها قد تصدر عن أشخاص                                                                                               ماديين ، وذلك لأنهم - وحدهم - استطاعوا أن يصلوا إلى مادة الكتاب فالكتب - مثلا - التى تصف الرحلات فى البلاد النائية ، أو التى تتعرض لظواهر الطبيعة النادرة ، أو التجارب الفريدة ، أو الحوادث التاريخية التى شهدها الكاتب أو التى بذل الكاتب فى تحقيقها وقتا ومشقة باحثا فى مصادرها ومنقبا فى أصولها ووثائقها . هذه الكتب - رغم أهميتها - قد تصدر عن رجل من غير ذوى المواهب الممتازة .

ومن ناحية أخرى . إذا كانت المادة ميسورة لشكل إنسان ، أو مطروقة معروفة ، فإن كل شىء بتوقف على الصورة ، فهى التى تعطى الكتاب قيمته ولا يستطيع فى مثل هذه الحالة - أن ينتج شيئا له قيمة ما إلا رجل ممتاز ، أما من دونه فهم لا يفكرون إلا فيما يفكر فيه كل إنسان ، ويقدمون لنا صورة ممسوخة للأصول التى بين أيدينا .

غير أن الجمهور بأبه بالمادة أكثر مما يأبه بالصورة ، ولذا ضعيف فى ثقافته وهو يبدى ميله هذا حتى وهو يقرأ الشعر ، فيثير فينا الضحك والسخرية . إنه يهتم بحياة الشاعر وما كان لها من أثر فى شعره أكثر مما يهتم بالشعر ذاته . ويؤثر أن يقرأ ما كتب عن جهته على أن يقرأ ما خلف لنا جهته . كثير من الناس يحبون أن يعرفوا قصة غاوست أكثر مما يحبون أن يقرأوها مسرحية بقلم كاتبها . ذلك لأنهم يهتمون بالمادة أكثر مما يهتمون بالصورة . مثلهم فى ذلك مثل الرجل يعطى آنية أثرية فلا يعجبه منها شكلها وتلوينها ، وإنما يريد أن يحلل الطين والطلاء المكون منهما الإناء تحليلا كيميائيا .

إن محاولة التأثير عن طريق " المادة " - وهي محاولة يتعلق فيها الكاتب ميول القارىء - لا تستحب فى فنون الأدب التى تعتمد فى قيمتها على الصورة ، وأقصد الشعر ، وكثيرا ما يحاول الكاتب المسرحى أن يستثير حماسة

الجمهور بالمادة التى يقدمها له ، فلا يتورع أن يخرج على المسرح رجلا من مشاهير الرجال مهما تكن حياته خالية من الحوادث التى تستحق التمثيل .

إن التمييز بين المادة والصورة الذى أشير إليه هنا ينطبق كذلك على الحديث . إن الصفات الهامة التى تمكن الرجل من حسن الحديث هى الذكاء والفطنة والحيوية وهذه هى " الصورة " فى الحديث ، فمن يكسب حديثه هذه الصفات لا يعدم السامعين المنصتين . فإن كان الموضوع تافها احتاج المحدث إلى درجة كبيرة من هذه الصفات . لأنه قد يتكلم فى موضوع معروف مطروق بألفه الجميع . وعلى العكس من ذلك ، إذا كان المحدث يفتقر إلى هذه الصفات ، كان حتما عليه - كى يجد من يستمع إليه - أن يختار موضوعا له خطره وله قيمته . فالمادة حينئذ قد تعوض عليه بعض ما يفقده .

اشترك في نشرتنا البريدية