١ - أشكر لحضرة السيد محمد علي عكاري جهده في تقديم بعض الشواهد التي تؤيد القول بأن وثنية العرب قامت في الأصل على قواعد روحية، وأرجوه أن يجعل هذه المسألة في باله فيقيد جميع ما يصادفه من البينات التي تجلو غوامض تلك الوثنية. وليكن مفهوماً عنده وعند سائر الباحثين أن الوثنيات في جميع بقاع الأرض لم تكن إلا صوراً أو رموزاً لحقائق وجدانية ومعنوية كانت في الأصل ديانات سليمة خفيت مغازيها على الجماهير فجسّموها بالصور والتماثيل. ومن هنا تسقط حجة من قال إن وثنية العرب كانت (أرضية وضيعة) ولو أنه كان فهم هذه الحقيقة لعرف أن العرب لم يكونوا بدعاً بين الأمم حين عبرّوا عن عقائدهم بمثل ما عبّر به الفرس والهنود واليونان والرومان والمصريون
وقد أوضح القرآن حجة الجاهلين في عبادة الأوثان إذ حكى أنهم قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وهذه العبارة القرآنية تشهد بأن الأوثان كانت رموزاً لمعان روحية
وأنتقل بعد هذا إلى صلاة المأمون علي الموصلي والكسائي وابن الأحنف وقد ماتوا في يوم واحد فأقول:
إني أوردت هذه القصة في كتاب (مدامع العشاق) نقلاً عن شرح شواهد ابن عقيل للشيخ قطة العدوى، وهو لم يخترعها وإنما نقلها عن بعض المصادر الأدبية
وأنت لا تنكر أني أوردت هذه القصة بتحفظ مراعاةً للأمانة العلمية، فأرجو أن تعرف أنها عندي من التاريخ المزخرف LHistoire romancee والتاريخ المزخرف يقبله الباحثون في الموضوعات التي تغلب فيها الصبغة الروائية على الصبغة التاريخية. والذي زخرف هذا التاريخ كان يقصد إلى تمجيد العباس ابن الأحنف الذي كاد يتفرد بإجادة القول في الكتمان، والذي أذاع معاني الصدق في الوجد في أيام كثرت فيها الاستهانة بشرف العفاف
ولو أنك رجعت إلى أكثر الأخبار الأدبية لرأيتها من التاريخ المزخرف الذي يعتمد على التصوير أكثر مما يعتمد على التحقيق، وذلك التاريخ مقبول في الميادين الأدبية، والغرض
منه معروف، فلا تستغرب صدوره من العرب، لأنه يشهد بأنهم كانوا من أهل البراعة والخيال
٢ - نشرت (الرسالة) كلمة لصديقنا الدكتور بشر فارس في نقد رواية (مصرع كليوباترا) التي مثلتها الفرقة القومية، وفي ذلك النقد آراء فيها المقبول والمردود، ولكني أقف عند قوله:
(ألقى الممثلون شعر شوقي كما كنا نلقي الشعر العربي في المدارس: نقطّع أقسام البيت ونتمهل عند العروض ثم نضغط على الضرب، والذي يحرك ألسنتنا الوزن الذي عليه جاءت القطعة أو القصيدة. وفي ذلك الأمر ما فيه من غرابة، فإن الشعر لعهدنا هذا في أوربا - وعنها نأخذ فن التمثيل - يلقى على المسرح كأنه نثر، وسبب ذلك أن القصيدة تقوم بمعانيها وألفاظها لا بتفاعيلها والتفاعيل كأنها الدعامات والخشب في المنزل، وأما المعاني والألفاظ فأثاثه والتصاوير والتزاويق وكل ما يأخذ الطرف. كل ذلك فضلاً عن أن تقطيع أقسام البيت، وفصمه إلى مصراعين، والضغط على القافية الراجعة يورث الملل ويصك الأذن). . . الخ.
ذلك كلام الدكتور فارس، وهو كلام برّاق، ولكنه غير صحيح.
وما كنت أحب أن أخطئ هذا الصديق لولا الخوف من أن يتأثر به النقاد والممثلون فتفسد أذواق من ينشدون الأشعار المسرحية فساداً لا يرجى بعده صلاح.
نحن أخذنا عن أوربا فن التمثيل؟ هذا حق، ولكن لا ينبغي أن نأخذ عنها فن الإلقاء، فإن الأداء بالشعر غير الأداء بالنثر، وليست الأشعار المسرحية إلا قصائد خضعت للقوافي والأوزان، وفيها محرجات تقبل في المنظوم ولا تقبل في المنثور، ومعنى ذلك أن صوغ المعنى في بيت من الشعر يجعل له صورة غير صورته في فقرة من النثر، فإذا أدى الشعر كما يؤدي النثر تعرض للغثاثة والانحلال.
ولو أن الدكتور فارس كان شهد إبراهيم الجزار - وما أعظم فجيعة الشعر المسرحي بوفاة إبراهيم الجزار - لعرف أن لإلقاء الشعر المسرحي أصولاً في الإلقاء تختلف في لغة العرب عن أمثالها في لغة الإنجليز والفرنسيس.
الوزن في الشعر ليس تصويراً وتزويقاً، كما يظن الدكتور
فارس، وإنما هو عنصر أصيل لا يقام بدونه للشعر ميزان، وليس بصحيح أن الأوربيين يلقون الأشعار المسرحية كما يلقون القطع النثرية، وإن كانوا أقل منا رعايةً للأوزان عند الإنشاد، لأن ذوقهم يختلف عن ذوقنا بعض الاختلاف.
وخلاصة القول أن الممثلين لا يجوز لهم تحويل الشعر إلى نثر وإلا فسد الذوق واختلت الموازين وضاع جمال الفن في الشعر المسرحي أبشع ضياع.
وإني لأرجو أن يراعي ممثلو الفرقة القومية أذواقنا حين ينشدون الشعر المسرحي مرة ثانية، فقد انزعج كثير من الناس حين رأوهم ينشدون بعض الأشعار بلا احتفال بأهمية ما في الأوزان من الرنة الموسيقية.

