الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 353الرجوع إلى "الرسالة"

التبشير

Share

وأحدُ الأمورِ التي ابتُغىَ بها العملُ على إضعافِ الشعب  والتفريق بين أهله، وإيجادُ ضروب من الثقافات في بلد واحد  يجب وجوباً قطعياً - كما يقولون - أن تتوحد ثقافته - هو  ما اتخذوه من التبشير ومدارسه المختلفة، وما يبطن أصحابها  وما يظهرون. وليس التبشير هو الدعوة الصريحة إلى الدين  المسيحي، فإن هذا لا يمكن أن يكون في بلد جل أهله من المسلمين،

وخروج المسلم من دين الإسلام إلى دين غيره يكاد يكون مستحيلاً  في العامة من الشعب، ويكاد لا يصح عند المتعلمين وأشباه المتعلمين.  وهذه حقيقة يعرفها المبشرون قبل أن يعرفها المسلمون، وإذن  فليس الغرضُ من التبشير هو المفهوم من لفظه، ولكنه الذي  أشار إليه الأستاذ   (الزيات)  في مقاله، ثم إيجاد ضرب من  الثقافة الأدبية والخلقية والعقلية يناقض ضروباً أخرى من الثقافات  المختلفة في مدارس الأجانب والمدارس الوطنية، وبذلك تتعدَّد  المناهج الفكرية في حياة الشعب، ويعسر بعد ذلك أن تتحد هذه  الثقافات على رأي عام يقوم عليه الشعب ويحرص على تنفيذه،  ويأخذ في الإعداد للوصول إليه درجة بعد درجة. وكذلك يبقي  الشعب إلى النهاية وهو بدء لا ينتهي وفي اختلاف لا ينفضُّ،  بل يصير ولابد إلى المعاداة والمنابذة والأحقاد التي تورثها السياسة  الاجتماعية الخفية التي طغت على الشرق من قِبَل حضارة قوية  باهرة عظيمة كالحضارة الأوربية

ولا يزال أهل الشرق مختلفين ما بقيت هذه الثقافات المتعددة  من مدارس التبشير إلى المدارس الإلزامية، تمد الرأي العام بأصحاب  الآراء المختلفة والعقول المتباينة. ولن يصلح أمر هذا الشعب حتى  يناهض ذلك كله بانصرافه إلى مدارسه ابتغاء توحيد ثقافته على  أصل واحد. والأصل الضعيف الموحد في ثقافة الشعب خير وأنفع  من الأصول المتعددة القوية، لأن هذه تغري بالتفرقة والعداء،  وذلك يؤلف ويوفق ويضم أشتاتاَ ويقيم القلوب على الإخلاص  والتفاهم

اشترك في نشرتنا البريدية