يري الناس عادة ان الطفل مخلوق طاهر النفس ، ففي العقل ، وان نياته إزاء الغير بريئة لا غبار عليها ، وان خلقه يعلو عن كل نقد أو تأنيب . على أن سلوك الأطفال في سني حياتهم الاولي ليس خلوا من الإدراك والفهم والتفكير ؛ وإن كان تفكيرهم هذا ليس كله مبنيا علي المنطق ، وإنما يستند على الخيال إلي حد بعيد .
وللطفل فيما يتعلق بالحسن أو القبح ، والخير او الشر ، أفكار راسخة يتمسك بها تمسكا عجيبا؛ وتؤثر هذه الأفكار في سلوكه وموقفه إزاء والديه تأثيرا مدهشا !
ومن خصائص عقل الطفل ان عالمه الذي يعيش فيه عالم يعج بالحياة ، فلا يوجد في بيئته كائنات غير حية ، فهو لهذا يطعم دميته ويدفئها ويحنو عليها ويعاقبها ، وإذا اقفل الباب على أنامله فآلمه ، فانه يرتاح ويهدا إذا هو رفسه برجله . . وهكذا فهو يعامل الجمادات المحيطة به كما يعامل غيرها من الكائنات الحية . وهذه الكائنات الحية وغير الحية ، المتحركة والساكنة ، لها أثرها الكبير في نفسيته وعقل الطفل في هذا ، وفي كثير من الوجوه ، أشبه بعقل الانسان البدائي الذي يعتقد ان الحياة تدب في كل شئ ، او ان قوة سحرية مبهمة تتحكم في سلوك الإنسان والحيوان ، وفي قوي الطبيعة المختلفة
ولكن كيف توصلنا إلي كل هذه المعلومات ؟ توصلنا إليها من الملاحظات المتعددة التي عملت على الأطفال في مدارس الحضانة ، وكذلك من التحليل النفسي . فقد وجه علم النفس الحديث عنايته للطفل ، فكشف لنا عن كثير من الغرائب ، واستطاع بالتحليل
النفسي إزاحة الستار عن كثير من الأسرار التي فسرت سلوك الأطفال وأوضحته
ولأجل أن تنكشف لنا الطبيعة البشرية بأجلى معانيها ، لا يجوز أن نكتفي ملاحظة السلوك الظاهري العادي المهذب الذي يفرده الناس ويوافقون عليه ، بل يجب ان نضيف إلي هذا نتيجة فحصنا للسلوك الشاذ ، لنكشف عن النواحي المختبئة غير المصقولة من طبيعة الانسان . وقد نجح التحليل النفسي نجاحا كبيرا في كشف ما وراء السلوك الشاذ ، بعد ما وجه عنايته إلي علاج الامراض النفسية والعقلية المختلفة ، ومنها الهستريا ، وجنون الشك ، وجنون القلق ، والانقاض الشديد المزمن ، والهبوط العقلي ، وغير ذلك
وقد كشف لنا علماء النفس - قبيل ظهور الدكتور فرويد Freud صاحب طريقة التحليل النفسي ونظرياته أنه لكي يعرف منشأ المرض العقلي ، والسبب الذي تنسب إليه ظهور أعراضه - كفقد الذاكرة ، أو الصرع ، أو الإغماء ، أو غير ذلك - لا بد لما من فحص ذاكرة المريض ، والكشف عما تحتويه من خبرات الماضي وحوادثه
ولكن تبين أن هذا من الصعوبة بمكان ، لأن المريض لم يتمكن من إدراك علاقة واضحة بين ما عنده من اعراض وما في عقله الباطن من آثار . أما المناقشة المنطقية المعقولة . فانها لم تجد فتيلا في إيضاح هذه العلاقة ، وظهر كانما هناك مقاومة من جانب المريض ضد تحسنه وشفائه . ولكن تمكن المعالج تحت تأثير التنويم المغناطيسي من جعل المريض يستعيد من حوادث الماضي ما ثبت ان له علاقة مباشرة واثرا فعالا في ظهور أعراض المرض . ولما وضحت للمريض هذه الذكريات في صيغة انفعالية شديدة انقشعت في الحال أعراض المرض .
كشف فرويد بعد ذلك بقليل ، اننا إذا تمسكنا من جعل المريض يفكر بحرية وطلاقة واسترسال في الحوادث التي تقع له في احلامه ، فإن تسلل الأفكار يأتي لشعوره ببعض الذكريات المرتبطة مباشرة بأعراض مرضه ، والمنسبة لظهورها . وكشف لنا أيضا أن استدراج هذه الذكريات المنسية من اللاشعور إلي الشعور كان لاختفاء أعراض المرض
وقد تغيرت نظرة علماء النفس إلي العقل تغيرا كبيرا منذ ظهور التحليل النفسي . فبعد أن كان العقل في نظر العلماء إلي خمسين سنة مضت امرا بسيطا نصل إلي معرفته بفحص الشعور(١) . أصبح الآن أمرا مركبا ، ولابد لمعرفته من الغوص فيما يسمي باللاشعور(٢). ولعل أهم ما كشفه فرويد هو نشاط ذلك العقل اللاشعوري
ويمكننا ان نلخص نظرية فرويد في أن الإنسان يولد وعنده مجموعة من الغرائز التي تندفع لاشباع نفسها ، ولابد لاشباع هذه الغرائز من حدوث التفاعل بين الطفل أو بين غرائزه ، وبين ما يحيط به ، أو بين العالم الداخلي للطفل والعالم الخارجي (٣)، ونتيجة هذه التفاعلات تكوين ما يسمي بالذات أو النفس أو العقل الشعوري أو الشخصية الظاهرة والسألة لا تنتهي عند هذا ، فالنفس تنمو بإمتصاصها لصفات الاشخاص الذين يؤثرون في حياة الطفل في أيامه
الأولى . ويبقي الطفل في هذه الأيام الأولى معتمدا على أبويه في سلامة حياته وتغذيته ، وعده بكثير من الملذات الجثمانية وفوق هذا ، فان نتيجة معاملة الأبوين للطفل من حنو أو قسوة أو محبة ، أو تذبذب بين القسوة والعطف ، وما يشعر به الطفل نحوهما من محبة أو كراهية أو عدم اطمئنان أو غير ذلك ، كل هذا يتغلغل في نفس الطفل تغلغلا عميقا . ومهما جد في حياته بعد خروجه من دور الطفولة من العوامل ، فإنه يقلل يتأثر حتي بعد تمام نموه بتلك الآثار العقلية اللاشعورية ، التي تكونت في نفسه أيام الطفولة .
فكان التحليل النفسي يعتمد اعتمادا كبيرا علي فهم عقل الطفل ، والوقوف على طريقة إدراكه لما حوله من كائنات ، ومعرفته لاتجاهات ميله وإعراضه ، وكشف حاجاته الغريزية وميوله الانفعالية . وقد ثبت ان قليلا جدا من البالغين أمكنهم أن ينسلخوا من اتجاهات الآراء والميول والعقائد التي كونوها في عهد طفولتهم . فكان من ينظر إلي العالم بمنظار علم النفس التحليلي يجد ان الناس كلهم تقريبا ما زالوا في مهودهم أطفالا
وعند إجراء التحليل النفسى على شخص ما فانه سرعان ما يدرك أن ما لديه من اضطرابات نفسية ، وأن اتجاهات ميوله وتحيزه وخوفه وكراهيته ومحبته وتحمسه ، وحني خلقه ، كلها ترجع في اصلها إلي خيرات الطفولة وحوادثها
وليس هناك من ينكر حتي علماء التحليل النفسي مع ما ينسبون من الأهمية لآثر الطفولة في سلوك الكبار ان ما نعمله نحن البالغين يمت ببعض الصلة إلي المشاكل التي تقابلنا في كل يوم ، والتي تكافحها حتي نتغلب عليها أو نفر منها مبررين قرارنا هذا ، ومعتقدين بنجاحنا مهما كنا في ذلك مخادعين لأنفسنا . ومع الاعتراف بهذه الصلة ، فإننا عند فحص العوامل الدقيقة المتأصلة ، التي تؤثر في الشخصية ، نجد الطفولة هي الباقية الراسخة ، وكل ما يحدث
من عويل الأطفال وصياحهم هو تحوله في شكله الظاهرى إلي طرق التعبير والكلام التي نشاهدها في الكبار . وأما ما وراء ذلك من طفولة فإنه باق ثابت . وسواء استسغنا هذا الرأي أو لفظناه ، فالواقع أن ميولنا ولذاتنا ، واتجاهاتنا في المحبة والكراهية والخوف وغير ذلك ، يحددها ما كسبناه منها في طفولتنا نتيجة لعاملائنا مع آبائنا وأهلينا . ومن أمثلة ذلك أن كراهية شخص للمحسوبية للأهل والأقارب ، والأمعان في عدم مد يد المساعدة لهم ، قد لا ترجع إلي التفاني في إقامة العدل ، وإنما قد تكون مسببة من غيرته أيام طفولته من شقيق له كان مقربا أكثر منه إلي والديه . وما نسمعه عن كراهية رجل للنساء قد يرجع إلي عدم ثقة المرء أيام طفولته بأمه ، التي كانت تهمل شئونه وملذاته ولا تعطف على حاجاته . وكذلك الجري وراء المرأة والسعي إلي مغازلتها ، والتحبب إليها ، قد يكون من تعطش المرء لأم تحنو عليه ، ومن أن هذا التعطش لم يرو غليله ربا كافيا أيام الطفولة . وبحث الرجل عند زواجه عن سيدة تحبه وتحنو عليه وتقضى له كل مصالحه، وبعبارة أخري تحل نفسها في حياته محل الأم المشفقة الحنون ، المهتمة بمصالحه ، والقلقة على أحواله وأموره ، قد يرجع إلي أن فطامه أيام طفولته لم يصادف في نفسه قبولا ، وإنما صادف ألما لأنه كان مدللا ولأن أمه شغلت عنه بطفل آخر أو بأمر آخر . وهكذا ، يمكننا أن نأتي بآلاف الأمثلة ، ونحللها بنفس الطريقة على ضوء نتائج التحليل النفسي .
والواقع ان النتائج التي وصل إليها علم النفس ، بالتدرج من الحياة العقلية للكبار إلي حياتهم العقلية في طفولتهم ، قد ادهشت الناس إلي حد كبير . ولكن الذي أدهشهم اكثر من ذلك ، هو نتائج فحصهم وتحليلهم لعقول الأطفال أنفسهم . وتختلف طريقة تحليل الكبار عن طريقة تحليل الأطفال . فللكبار لغة واضحة ، يستخدمونها عندما يسترسلون في أفكارهم وعندما يبسطون احلامهم ،
وأما الأطفال فلهم طرق خاصة للتعبير عن حياتهم العقلية . وأفصح هذه الطرق وأجلاها بيانا هي طريقة اللعب . ولهذا يعتمد علم النفس الحديث على طريقة خاصة لتحليل لعب الأطفال . ويلاحظ أن الأطفال لا يلعبون عبثا ولهوا ولمجرد قتل الوقت ، وإنما هم يلعبون ليصيبوا أهدافا معينة . ويقومون في ذلك بأدوار تمثيلية يعبرون فيها عن رغباتهم ومخاوفهم . والذين يدركون هذه اللغة الخيالية للطفل ، يكشفون عادة الأشخاص والحوادث التي تمثل في هذه الأدوار ، مثال ذلك الطفل الذي يمثل وضع القطرة في عين دميته ، إنما ينفس عن رغبة كامنة في نفسه ، لأن أمه أمسكته وضغطت عليه ووضعت القطرة في عينيه . وهذا في مجموعه عملية غير سارة لا يرضاها ، وإنما يقبل الاذعان لها تحت الضغط ، فهو يود لو ينتقم ممن حوله ، ولكن أتي له هؤلاء حتي ينتقم منهم فيقوم بتمثيل هذا الدور ، وفيه الفرجة الكافية عن نفسه ، والاشباع لرغبته في الانتقام وكذلك الطفل الذي يجلس دميته أمامه ويطلب منها أن تسمع الكلام ، وألا تتحرك ، وأن تجلس هادئة ، إنما يبين بصورة غريبة ثورته على مثل هذه الأوامر التي تلقي عليه من وقت لآخر ، ويريد أن يشعر بالسرور والنشوة . الذين يشعر بهما الكبار عند إخضاعه لأوامرهم . والطفل الذي يجمع لعبه ويسمي كل واحدة اسما ويلاعبها جميعا ألعابا مختلفة هو في الغالب طفل وحيد تتوق نفسه إلي الزملاء من سنه ليؤنس وحشته بهم
والطفل الذي يلعب بمفرده يستغرق ويسترسل في حديث طويل ، يبدو لنا كانما هو حديث فردي يقوم به وحده وإذا تأملناه نجد انه حديث اجتماعى يجري بين نفسه من ناحية وبين لعبه من ناحية اخري . ونلاحظ في هذه الرواية ان اللعبة الواحدة تمثل في الأوقات المختلفة أدوار مختلفة ، وأن الطفل يتحدث من مخاوفه ورغباته ، وان هذه المخاوف والرغبات غير المشبعة ترتبط مباشرة
بنواحي المحبة والكراهية الناشئة من علاقته ومعاملاته مع والديه وإخوته واخوانه.
وإذا كان من يقوم بملاحظة الطفل فاهما لعمله ، متقنا لفنه ، فان موقفه من الطفل لا يظل موقف متفرج مدة طويلة ، وإنما سرعان ما يندمج مع الطفل في لعبه ، ويصبح زميلا له في ذلك ، وأما محافظة الشخص على موقف الملاحظ المتفرج فانه يجعل الطفل حذرا حريصا يخشى إذا هو لعب بطلاقة وحرية ان تتكشف إسراره لهذا المتفرج . ولكن كياسة المختص بالتحليل هي التي تجعل الطفل ينطلق في لعبه ، وبذلك يصل المحلل إلي قرارة نفسه . وكل من الانطلاق في اللعب والتفاهم التام بين المحلل والطفل يكفي لجعل الطفل يتخلص مما على نفسه من كابوس ، ويتحرر من الكثير من مخاوفه واسباب قلقه ، وتبدأ دوافع الكراهية ودوافع العنف تغير اتجاهاتها فتأخذ في الأفصاح عن نفسها
صورا بنائية بدلا من الصور الهدمية .
معنى هذا ، ان تحليل لعب الطفل تحليلا نفسيا يعمل على ازالة أسباب الخوف والقلق ، وطرح أسباب الكراهية والعنف ، وعوامل الشذوذ في الخلق ، وبهذا يدخل الحياة حرا طليقا خفيف العبء قادرا علي الاستقلال في فكره وفي عمله
فيا حبذا لو تمكنا من معالجة جميع الأطفال عن طريق اللعب ، وبذلك يصبح عالم الكبار عالم أشخاص متزني الخلق واضحى البصيرة ، بدلا من أن يكون عالم أطفال كبار يتململون ويتملصون بين الآذرع القوية لآثار الطفولة الطاغية .

