الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 162الرجوع إلى "الثقافة"

التخصص والاصلاح

Share

مركز اثر سكون

لعل المؤرخ الذي ليست له المراجع الوافية عن الحياة المصرية ، لا يعجز عن القول بأن الجيل الذي نعيش فيه اليوم ، بما يحيط به من أوضاع وهيئات ومنشآت ، أكثر في الحديث والتعبير من الجيل الذي سبقه ؛ فالجرائد اليوم أكثر منها في سنة ١٩١٠ مثلا ، سواء في عددها أو في عدد صفحات كل منها أو في تنوع الموضوعات التي تعالجها . وما يقال في الجرائد يقال في المجلات والكتب أيضا ، بل إنه ليقال في قادة الرأي وزعماء الفكر . فالنظام السياسي ديمقراطي يسمح للبرلمان وأعضائه بالتحدث والاكثار من الأحاديث . والجامعة بأساتذتها قد قامت بالشئ الكثير في هذا الباب . والهيئات والجماعات الخاصة قد رفعت أصواتها وأعلنت ما يبدو لها من آراء وأفكار . فالكلام كثير ، والمتكلمون كثيرون جدا ، والموضوعات التي تلوكها الألسنة وتجري بها الأقلام لا تقع تحت حصر . ومن هذه الموضوعات ما هو شديد الاتصال بحياة الأفراد ، ثم بحياة الأمة بالتبعية . ومن أهم هذه الموضوعات موضوع الاصلاح الاجتماعي . بل إني لأتجاوز هذا الحد إلي القول بأنك لن تجد في مصر - وخاصة في مدنها - إنسانا ، إلا وهو يتحدث في الحياة وإصلاحها . وكل هذه الأحاديث فيها الكثير من الآراء ووجهات النظر المتباينة ، ولكنها جميعا تتجه اتجاها واحدا ، هو في طريقه المؤكد نحو الوضوح والجلاء .

مخزن البضائع

هذا النشاط الفكري المتعدد النواحي والاتجاهات ، كانت له دون شك الآثار البعيدة

في توضيح الكثير من شئون الحياة ، حياة الأفراد وحياة الجماعات ؛ وكان من نتائج هذا النشاط الفكري أن ازدحمت الأذهان المستيقظة بالشئ الكثير من كل ناحية ، ولكنه في كثرته شغل العقول شغلا ذاتيا ، حتى أصبح كل ما نبذله من جهد فكري يتجه نحو الاكثار من الآراء ، ذكرها ، جمعها ، القدرة على عرضها عند الحديث أو الكتابة . وأصبحنا وما إن تذكر أمامنا مشكلة من المشكلات ، إلا وقد تداهت المعاني والأفكار في أذهاننا في كثرة وسرعة وتدفع . هذه الأفكار الكثيرة تختلط ببعضها وتمتزج امتزاجا شديدا . فبينها الفكرة الأساسية ، وبينها الفكرة التفصيلية الثانوية . بينها الفكرة الصحيحة ، والفكرة الزائفة . بينها النظرة العملية الواقعية ، وبينها النظرة الفلسفية المطلقة . كلها تتفاعل وتتجاوب في الأذهان ، ولكنها لا تستقر ولا تستوضح ولا تترتب ، مما جعلنا في حال من القلق الفكري ، والتخمة الذهنية ، التي تسبب لنا الكثير من التعب ، تعب بين أفكارنا والسيطرة عليها ، تعب بين أفرادنا والمتناقشين معنا ، وتعب بين أنفسنا وحياتنا في المجتمع الذي نعيش فيه . وأصبحنا في حال لا تكاد تسمح لنا إلا بلمس المسائل التي تعرض لنا في كثرة وسرعة . فنحن نلمسها ولا نكاد نتبينها في وضوح وتفصيل وجلاء ، كالسائر في مخزن مزدحم بالأشياء المتراكمة يظلل بعضها بعضا ، نراها ونلمسها ، ولكن ليست لدينا الفرصة الهادئة لنتأمل ونتمعن ونرسم صورة واضحة دقيقة .

زحمة مقلقة للفكر

بذلك أصبحنا في حال تسمح لنا إذا تحدثنا في الاصلاح الاجتماعي مثلا أن نذكر مشكلاتنا الاجتماعية ، وأن تعددها في سرعة وسهولة : الفقر ، الجهل ، المرض ، الأخلاق ، النسل ، المظاهر ، الإندفاع . الخ . ولن يعجز رجل مصري عادي ، أو حتى

فتي في عهد الدراسة الثانوية ، عن أن يقول لك الشئ الكثير المختلط عن هذه المشكلات والمعضلات ، ولن يصمت رجل او فتي من التحدث والمناقشة وتكرار الكثير مما سمع أو قرأ او شاهد من اقوال وأفكار ومشاهد حتي أصبحت حياتنا تمضي في الأحاديث والمناقشات وصناعة الكلام

الحياة والفكر

ولكن الحياة بطبيعتها حركة وممارسة وتصرف ؛ وقل من الناس من يستريح إلي الفكر الخالص دون التصرف . لذلك لم تلبث اليوم حتي أصبحنا نسمع الكثير من الأصوات تنادي بالعمل ، وتدعو إلى التنفيذ ، وتعلن الضيق ، والقلق ، وشعور التناقض ، والحرمان ، وعدم الانسجام بين ما يتردد في الاذهان وبين ما يحدث في الحياة فعلا . وهذا الدور هو الثالث في الترتيب بين ادوار اصلاح الحياة وترقية المجتمع . فالدور الأول هو دور المشاهدة للحياة التى تخالف حياتنا والأحوال التي تخالف أحوالنا ، والدور الثاني هو دور البحث والمقارنة والتحدث فيما بين الحياتين من خلاف ، والدور الثالث هو دور الامتلاء بالافكار والمطالبة بتحقيق هذه الأفكار التي اصبحت للشعب في مواضع الرغبات والآمال والصور المثالية

مطالبة بالعمل

هذا التطور الذي تمر به الحياة المعنوية والنفسية في مصر ، تطور طبيعي معقول ، بلغ أهم النقط وأخطرها ؛ إذ لو طال بنا الحديث والكلام ، وخفت حرارتنا في المطالبة بالإصلاح العملي التنفيذي ، لكان معنى ذلك تبلد إحساساتنا ، وفقدان العلاقة بين أفكارنا وحياتنا ، ولباتت الأفكار بالنسبة إلى حياتنا فاقدة لكل تأثير أو توجيه أو إثارة ، ولاصبحت حياتنا وقد تجمدت وتصلبت - إطارا لا فكاك لنا منه ؛ وعلى ذلك فمرحبا بالدعوة إلى العمل ، دعوة حارة مخلصة ، فهي دليل الحيوية والشعور ، ودليل علي أننا نحس بأنفسنا ، وبوجودنا

الحاضر بما فيه من علل ومزايا ، كما انه دليل على احساسنا بوجودنا في المستقبل بما له من مزايا ايضا ، وبما يحيط به من آمال سامية ، وبالصورة المثالية التي صورناه بها ، وهي صورة لو بولغ في رسمها فان المبالغة في الرسم مبالغة في التسامي والمثل

سؤال : ما إن تبلغ بنا الحال إلي كثرة سماع الأصوات التي تنادي بالعمل ، حتى ينشأ بين الشعب أفراد وهيئات قد امتلأت أذهانهم بالنظرة الواقعية ؛ فهم يقولون لك إنه لا فائدة من الكلام ما دمنا لانعمل ، فنحن نريد عملا . نريد إصلاحا ، نريد تحقيقا للمثل والأوضاع التي امتلأت بها صفحات الأذهان والكتب والمجلات والجرائد ، نريد أن نعيش وأن نجدد حياتنا ، أو على الأقل أن نطعمها فنبعث فيها روحا جديدا ، حتى نشعر بأننا نعيش ولا نتكلم فقط . وترتفع أصوات هذه الجماعات وتشتد حتى ليظنون أن شدة ندا آتهم ستغير من حياة الناس وأوضاع العيش ؛ ولكن حياة الناس باقية على حالها لم تتغير . وأوضاع العيش ثابتة لم تتبدل ؛ وحينئذ يشتد الضيق ببعض الناس حتى ليقولون لك : وكيف نغير حياتنا ؟ كيف ننتقل من حال إلي حال ؟ كيف تتحسن أخلاقنا وتتصفي ضمائرنا وتتطور شخصياتنا ؟ كيف يقل نسل الأسرة وعدد أولادها ؟ كيف أتمتع بالحياة وأشعر بأني حي سعيد ؟ ما هي الطرق العملية ، طرق الحياة والتصرف ، لا طرق الفكر ومنطق الرأي ، منطق الواقع والممارسة العملية لا منطق الفكر والتخيل الذهني ؟

والاجابة عنه :

وللأجابة عن هذا السؤال كيف يشعر المجيب وكأنه قد أنزل من عالم الخيال إلي عالم الواقع ؛ فهو يجب عليه أن يري الحاضر بما فيه من عوامل ، رؤية جيدة ؛ وهو يجب عليه ان يقدم الوسائل العملية المترفقة التى تأخذ الفرد وتسير " في رفق نحو حالة جديدة ولدها تفاعل الحياة الحاضرة في الواقع ، والحياة الحاضرة في

الفكر . هنا يشعر المتحدثون والمجيبون بأنه لا يكفي أن يقال : تريد اسرة قليلة العدد ، وان هذه الأسرة هي الأسرة السعيدة الميسرة المستقرة . بل يجب ان يضاف إلي هذه الأقوال أقوال اخري في كيف يقلل النسل ، وكيف يخفض معدل الاخصاب . كيف نترك عادة سيئة ونختط لانفسنا بدلا عنها عادة طيبة ؟ كيف نمارس هذه العادة الجديدة ؟ كيف نتخلص من العادة القديمة ؟ كيف نبقى في نفوسنا عناصر الارادة والمثابرة واليقظة الذاتية والرقابة علي النفس .

التخصص

وهنا يبدأ التخصص . إذ أنه لا يسهل على كل مفكر أن يقول لك كيف تربي إرادتك ، وتحافظ على شخصيتك المفكرة او الشاعرة ، وتقلل من نسلك ، وتحب إخوتك حبا متعقلا ، وتحتفظ بأصدقائك ، وتكسب تكاليف عيشك ، وتفيد من قراءة كتاب ، وتتمتع بصورة فنية او قطعة موسيقية ؟ . . الخ كل هذه وعشرات غيرها من الموضوعات تتطلب للارشاد فيها ملكات خاصة ، وتفرغا للدرس ، وتعمقا في البحث ، ومثابرة على الدعوة ، واستقرارا في نفس الداعي

الشباب والجهود :

هذا هو ما يتطلبه الاصلاح اليوم . الوسائل العملية ، جهود كبيرة يقوم ببذلها متخصصون ، مثابرة وإخلاص وتضحية وتعمق ، شعور بالمسئولية الاجتماعية والضمير الاجتماعي ، شباب يري أنه بتخصيص ساعات قليلة في كل اسبوع يمكنه ان يتعاون مع جماعة من اصدقائه لخدمة امة باسرها ، ولبعث عناصر السعادة والاستقرار في أفرادها . شباب يوطن النفس على أن ينجح متعاونا مع غيره . شباب يتوقع ، بحيث إذا فشل في المجتمع فانه قد نجح في نفسه ، إذ ارضي ضميره وعاش وجاهد لبلوغ غاية مقدسة ولابد لكل جماعة متعاونة ، يسيرها الغرض الشريف الواضح ، والصالح الاجتماعي ، والاخلاص ، لابد لجماعة مثل هذه ان تنجح

وان تصلح . وما نجاح لجنة التأليف والترجمة والنشر إلا مثال حي لذلك التعاون بين الشباب ، في إخلاص وجهد ومثابرة وتضحية وحب .

المثابرة والاستقرار

وعلي الشباب المجتمع المجاهد المتخصص ، الا يضيق صدره عن الاتساع للكثير من سخافات كتاب الحواشي والأطراف والألفاظ ، فلا شك ان لهؤلاء فائدتهم وعليه الا يظن في نفسه العبقرية ، فالحياة طبيعتها الهدوء والنظام لا الشذود أو المفاجأة وعليه أن يتعلم السير لا القفز ، وأن يحسن ترويض نفسه قبل ان يطالب بترويض نفوس غيره ، وان يعلم أن حياته وعمره لا يتسمان لكل شئ ، بل للقليل من الأشياء ، فما باله لو كان من هذا القليل جانب من جوانب حياة أمة وكيان شعب ؟ عليه ان يعمل وان يعمل حتى يفنى ، فانه بناء ، وكل حياته ومجهوداته قد لا تكون أكثر من حجر في بناء امته ، وكل حجر في هذا البناء حجر مقدس

أعلم - كما يعلم غيري - أن هذا المقال لن يجدي إلا بين طوائف قليلة نادرة من الشباب ؛ ولكني اعلم أيضا أن هذه الندرة هي الدليل القاطع على كفاية هؤلاء الشبان ، وما هم أهل لتحمله من مسئوليات وتضحيات وجهود .

اشترك في نشرتنا البريدية