كتب الدكتور زكى نجيب محمود مقالا فى العدد الماضى من الثقافة عاب فيه الأدباء من غير استثناء بعدم الحرية والرجعية وتمجيد القديم ولابد أن يكون قد عنانى فيمن عني فلأدافع عن نفسى وأترك الغير للدفاع عن أنفسهم والحديث عن النفس ثقيل بغيض فلأعمله فى جراءة
لقد عاهدت الله منذ أمسكت ففى ألا أكتب إلا ما أعتقد وظللت على ذلك إلى اليوم غاية الأمر أن مزاجى كان يتطلب منى أن أعبر عن رأيى بأدب ولباقة أما أن أغير رأيى إلى رأى آخر فذلك ما لم أعمله وان أعمله
لقد اعتقدت أن المنزلة من خير العلماء فكت أول من ناصرهم وأضفيت عليهم إجلالا على حين تريبت على الكتب التى يقول متنها قالت المعتزلة ويقول شرحها فبحهم الله ونصرت السنة على الشيعة فى مواضع ونصرت الشيعة على السنة فى مواضع لا قصد لى إلا الحق وعرضت نفس أحيانا للقتل وأحيانا للرد الفظيع فلم أعبا بكل ذلك
وفي الأدب ناديث بأن أكثر أدبنا من باب المديح هو أدب معدة لا أدب روح ، وطالبت بالعدول عن ذلك ، ناديت بمجاراة البيئة الحديثة ، وكما ناديت بأن أدب الطبيعة في الأدب العربي أدب بهلواني ، يجري وراء الاستعارة والتشبيه ، والواجب يخفى بأن يتشرب الشاعر الطبيعة فيهضمها ، أو أن يعتقها فيها ، لا أن يضع كل فنه في التشيه والاستعارة . وكما ناديت بعدم التزام البحور الستة عشر ، بل يجب أن نتبع الأذن الوسيقية لا التقليد القديم . ونعيت على أبي نواس أنه نادى عدم اتباع القديم من بكاء للأطلال ، وأكل للضباب والبرابيع ، ثم عاد إلى تقليد الناس بعد أن فشل في دعوته . وكتبت حملة مقالات في جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي ، لمت فيها الأدباء على الجمود ، وآخر ما كتبت أن أغضبت الشيعة في نقدي فكرة المهدى والمهدوية ، وأنها مختلفة ، ونشرت كتابا في ذلك .
ودعوت إلى الاجتهاد المطلق وكانت آخر مقالة كتبتها الحث على الابتكار فى مجلة رسالة الإسلام فهل بعد ذلك يصح أن يقال إنى رجعى ألتزم القديم وأدعو إليه ولتأت بعد ذلك إلى الموضوع نفسه وهو التشهير بنا بأننا ننشر القديم
الذى أعرفه من قديم أن الدكتور معجب بالمدنية الغربية لا إلى حد ناقم على التراث العربى لا إلى حد ولكن ما رأيه فى أن الغريبين أنفسهم أسسوا نهضتهم على المدنية اليونانية والرومانية ووجهوا هممهم لنشرها وفهمها وترجمتها ولم يتركوا صغيرا ولا كبيرا منها ولا فيها ولا تافها إلا فعلوا فيه ذلك حتى طبهم وكيمياهم وطبيعتهم وعلم نفسهم علما بأن التافه فى نظرهم قد يكون غير تافه فى نظر غيرهم بل ما رأيه فى أن المستشرقين أرادوا أن يفهمونا فنشروا أصول الأدب العربى ونحن مدينون لهم بأكثر الكتب العربية القديمة بل ما تعلق الدكتور بالمدنية الغربية وجريه وراءها وتحيذه لكل ما تأتى به كانها مدنية سومة من الخطأ مع أن فلاسفتهم وعلماءهم يقرون بأنها مملوءة بالعيوب
بل مالنا ولهم ونحن نرى أن نتيجة المدنية الغربية كان قلق الناس واضطرابهم وسوء معيشتهم إذ كان تاجها الدافع والأسلحة الحديثة والقنبلة الذرية ولو قارنا بين مدينة إسلامية نتيجتها الهدوء والاطمئنان ومدنية غريبة تتبحثها الفزع والرعب لفضلنا الأولى
إن كل مدنية فيها مزاياها وفيها عيوبها ومزية المدينة العربية بناء الحياة على العلم ومن عيوبها خلوها من الإنسانية ومن عيوبنا نحن أننا لا نبنى حياتنا على العلم وأن فينا مركب النقص الذى يجل المدنية الغربية عن الخطأ
لقد نشرت الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان والهوامل والشوامل له ولمسكويه وأؤكد لحضرته أن هذين الكتابين وأمثالها كشفت للناس كثيرا من المدنية الاسلامية والحياة
القديمة ولسنا نستطيع أن تقدم خطوة إلا إذا فهمنا الحاضر ولسنا نفهم الحاضر إلا إذا فهمنا القاضى وهكذا يفعل الغربيون فى علاقتهم بآبائهم وآثارهم فمتحف اللوفر مملوء بالآثار القديمة ووملوءة بالعلماء الذين لووا رؤوسهم إلى الوراء ليفهموا ما خلفه الآباء فما لنا نحل لهم هذا العمل ونحرم مثله علينا
إن واجبنا حقا أن نؤلف الكتب العديدة فى فهم المدنية الغربية ولكن واجبنا أيضا أن نفهم أصلنا وتراث أبائنا وليس جانب منهما أولى بجانب وعندنا من الأدباء مدرسة تتبع القديم وأخرى تتبع الجديد وثالثة تأخذ يقبس من هذه وقبس من تلك فلا لوم علينا إذا حاولنا أن نفهم مصدر تلك المدارس
وكما يعاب من قصر نظره فلم ير إلا القديم كذلك يعاب من قصر نظره فلم ير إلا الجديد وهؤلاء علماء الطب
الغربيون الذين يمجدهم الدكتور يمجدون هم ابن سينا وقانونه فلماذا لا يمجدهما مثلهم وأشهد الله أن كانت لى مريضة عجز عن معالجتها الأطباء المحدثون وخفيت على يد عطار وصفة ذكرها داود فى تذكرته ولست أقول هذا لأبرهن على أن الطب القديم خير من الطب الحديث ولكن لأقول إن في نشر القديم فائدة لا تعوض وهذا فتزجيرالد أغنى قومه الإنجليز بترجمة رباعيات عمر الخيام الشرقى الإسلامى
وكم كان لكتاب ألف ليلة وليلة من أثر فى أدباء الأمم الغربية ترجمة أو احتذاء أو اقتباسا وهناك ألوف الكتب من هذا القبيل فهل محل للغربين تراثنا ويحرم علينا أم هى النظرة المغالية التى تتحيز ولا تعدل

