التربية القديمة والتربية الحديثة :
إذا كان الفرق بين الطب القديم والطب الحديث هو ان الطب كان يعني بالامس بالناحية العلاجية فحسب ، بينما يهتم الطب اليوم بالأساليب الوقائية ، فكذلك كانت التربية القديمة علاجية مجردة : تعالج الجهل بإعطاء المعلومات وحشدها ، بينما تهتم التربية الحديثة " بأسلوب " هذا التحصيل العلمي ، كما أنها تعني - على الا كثر - بتحصين العقل ووقايته ( ١ ) من الاضطراب والانقسام ، وحمايته من ذلك الشرود والتردد ، الذي كانت تؤدي اليه اساليب التربية القديمة ، وإيجاد حالة من الاستقرار النفسي والسعادة الروحية الداخلية
وكما ان الطبيب لا يمكنه ان يؤدي وظيفته على وجهها الاكمل إلا إذا كان أسلوب علاجه قائمة دائمة على أسس
قوية راسخة في علم التشريح وفهم وظائف الأعضاء واستعداداتها المميزة ، فكذلك المربي - الذي هو مسئول عن " عقل " الناشئ لا يستطيع قط أن يؤدي رسالته بتوفيق ونجاح ، إلا إذا كان ذا علم ودراية تامة بالنفس البشرية التي يعالجها ، وفهم كامل بخصائص العقل ومميزاته وقدراته واستعداداته ، حتى يستطيع أن ينظر كما قال الغزالي : " في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته . وعلم النفس يهتم بدراسة أحوال النفس وخصائصها الإنسانية في مختلف أطوار نموها وتكوينها . وإذا كان الغزالي وأضرابه من القدماء قد تنبهوا إلي أهمية هذه الدراسة النفسية ، وفشلوا - مع ذلك - في الوصول إلي نتائج سليمة ، فإن هذا لم يكن راجعا إلا إلى نقص معلوماتهم عن النفس البشرية وخطئها ، وإنما يرجع إلى عدم وجود أساليب علمية سليمة في بحث مشاكل النفس والعقل . فأهم ما يميز التربية الحديثة هو أن أساليبها تستند على دعامات متينة من علم النفس ، الذي توصل في خلال المائة سنة الأخيرة بفضل الأسلوب العلمي إلي حقائق علمية دقيقة.
صحيحة صادقة ، قفزت بفهمنا للطفل وعقليته إلى الأمام قفزات واسعة كبيرة
فأهم ميزة تميز المربي الحديث إذا هو فهم الطفل الذي يربيه ، وإدراك نوع العقلية التي يعالجها . وهذا الفهم والإدراك يجعله ينظر إلى طفله بعين واعية ، لا تخفي عليها معاني حركاته وتصرفاتة فانه ، فيعي الوازع الكامن الذي يمكن ان يدفع الطفل إلي هذه الحركة او تلك السكنة ، والدافع الذي قد يجعله يلجأ إلى الصمت او كثرة السؤال فيصير بذلك أكثر عطفا على مطالبه ومشاكله وأعظم إدراكا لوسائل تناولها بالعلاج.
أهداف التربية
ذكرت أن التربية القديمة كان أهم ما تعتني به هو علاج " الجهل " بالعلم " فكان " التحصيل العلمي " هو هدفها الاسمي وغايتها الكبرى . وكان المربون الاقدمون يرون - إلا القليل منهم ( وفيهم الغزالي ) - أن العقل وعاء يستطيع المدرس أن يصب فيه المعلومات كيفما شاء . وواجب على التلميذ أن " يقبل " هذا العلم صامتا ساكنا . ولما كان أكثر هذا العلم " المصبوب " لا يوائم ميول الطلاب ولا يتفق مع قدراتهم ، فقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك أن كرهوا الدرس وتفننوا في التخلص من ربقته ؛ وأن عمل المدرسون على ابتداع وسائل " إرغام " التلاميذ وقسرهم على الاستماع للدرس والعمل بما يريدون ، ولم ينتبه المربون إلي ما كانت تنتجه اساليبهم وغاياتهم من أضرار نفسية لها أثرها الجسيم الخطير في مستقبل حياة الدارسين النفسية . ولم يكن الاهتمام " بالأخلاق " غاية في ذاتها ، بل كانت وسيلة من وسائل " التعليم " و " التعلم " إذ كان الأدب والاستكانة أمام المدرس هو الواجب الأول عند طلاب العلم.
أما اليوم فقد اتسعت آفاق إدراكنا لعقلية الطفل
وغرائزه وقدراته وأدوار نموه المختلفة ، وأضحي الطفل أمامنا كائنا له طبائعه المميزة التى تتفاعل مع المحيط ، وأصبحنا نري - في جلاء - ما قد ركب في الطفل من استعدادات تعي وتستوعب ، أو تنكر وترفض . كما اثبتت التجارب النفسية أن الطفل إذا كبتت غرائزه وحيل بينها وبين النمو الطبيعي ، أو بين أن تعبر عن نفسها تعبيرا مباشرا ، أخذت مجار خفية في هذا التعبير ، وتحولت إلي عقد نفسية تؤدي إلي كثير من الأمراض العصبية وتؤثر تأثيرا سيئا في شخصية الطفل ، فيشب قليل الثقة بنفسه ، مترددا في كل أعماله . وأبان لنا علم النفس أن من العبث أن نضيع أوقاتنا في تلقين الطفل ما يكره ومالا يتفق مع قدراته الخاصة الطبيعية واستعداداته الفكرية التى تجعله أكثر حبا لدرسه وإجادة في تحصيله . وإنا لنري - كما يقول بعض المربين - أن إجادة المرء للعمل الذي يقوم بأدائه تشبع في نفسه اطمئنانا وراحة حقيقيين . وهذا الاطمئنان يخلق في نفوس كثير من الناس معنى من معاني القوة وإحساسا بكمال وجودهم وقيمة كيانهم ، هذا الإحساس الذي يبعث في حياتهم قسطا وافرا من السعادة والهناء مما يدفع المرء إلي أن يزيد من اتقانه واجادته لعمله باستمرار والوصول إلي أسمى المراتب .
فهدف التربية اليوم إذا هو تحقيق " الشعور بالسعادة " السعادة المعنوية بما فيها من استقرار نفسي داخلى، والسعادة المادية والاجتماعية كذلك .وكلا النوعين من السعادة ، ضرورة لازمة في الحياة الموفقة . واسلوب تحقيق هذه السعادة هو رعاية الاستعدادات الغريزية والطبيعية في الطفل والعمل على استغلالها في سبيل صالح الفرد نفسه . فإذا قلنا إن تربيتنا اليوم " وقائية " كما هي علاجية ، فذلك لأنها تعمل أولا وقبل كل شئ على تجنيب الطفل الكبت والتعقيد النفسي وزلزلة كيان الشخصية .
والطفل الذي يعمل تبعا لقدراته الطبيعية ليس في حاجة
إلي عصا تسوقه أو تلجمه إذا حاول التنكب عن جادة الصواب . فهو يعمل بملء رغبته وبدافع من اختياره . ومن ثم اختفت أساليب القسوة من المدرسة الحديثة اختفاء طبيعيا ، وخفت صوت المدرس وعلا صوت التلميذ ، وأصبح الطفل هو المحور الذي تدور حوله كل نواحي النشاط المدرسي . صحيح أن الهدف القديم في التربية ألا وهو " التحصيل العلمي لا يزال غاية من غايات التربية الحديثة ، ولكن الهدف " الأخلاقى"و" الشخصى " ( أي تكوين شخصية الطفل تكوينا صالحا ) اضحي اليوم أشد بروزا وأسمى مكانة . وأضحى " الخلق " غاية بعد أن كان وسيلة . فالتربية الحديثة تعنى أولا وقبل كل شئ بتكوين " شخصية " قوية متماسكة قويمة الخلق ، تفهم معني الواجب كما تفهم معني الحق ، وهي أول ما يلزم لتكوين " المواطن الصالح " الذي تنشده الأمم الناهضة.
أساليب التطبيق:
وقد نظر المربون إلي أدوار النمو المختلفة ، وأدركوا ان لكل دور مظاهره المميزة ، وغرائزه واستعداداته المتجلية ، فعملوا على وضع أساليب تطبيقية في التعليم والتربية ، تستغل كل دور على حدة ، وتعمل جادة على الإفادة من مظاهره الميزة . فهناك نظام رياض الاطفال واستغلال الحواس فيها في أدوار النمو الأولى ، ثم نظام طريقة المشروع في المدارس الابتدائية ، أي في مرحلة النشوة بين سن ٨-١٢ ، ثم طريقة دالتون في المدارس الثانوية ، أى في دور المراهقة وفجر البلوغ .
واجب هنا أن أبين - في سرعة - الأسس التي تقوم عليها طريقة المشروع ، ففيها مفتاح التربية الحديثة وسرها ، فقد وجد ان الاطفال في صلة الفتوة يعملون بدافع من غرائزهم أكثر مما يعملون بدافع من قدراتهم الخاصة ، وأن ذكاءهم يكون هو العامل الأول في تقرير تفوقهم في المدارس الابتدائية . ولقد وضح الفيلسوف
التربوي العظيم جون ديوي أساس طريقة المشروع في كتابه " الميل والجهد في التربية " فهو يهاجم اسلوب " الأرغام والقسر " ومطالبة التلميد ببذل اقصى ما يستطيع من " جهد " لفهم درسه أو الانتباه إليه ، فان الطفل يكون إذ ذاك " مشتت الانتباه . . وتكون أفكاره منطلقة تحوم حول مسائل اخرى تميل اليها نفسه ميلا حقيقيا " وأكد ديوي أن القسر والإرغام لا ينتج إلا " شخصيات ضيقة الفكر ، قليلة التمييز ، متعنتة لا تعرف المسئولية معني ، شخصيات غبية عديمة الكفاءة و المقدرة" غير أن ديوي - من الناحية الأخرى - لم يشجع استرضاء " ميول " التلاميذ ورغباتهم الخاصة استرضاء مطلقا ، لأن ذلك يؤدي إلي إثارة وجدان الطفل إثارة دائمة لا تنقطع ، وبالتالي إلي إتلاف شخصيته . .
وإضعافه وسلب إرادته .
ثم بين ديوي أن الأسلوب الوحيد الذي يوفق بين هذين الطرفين المتناقضين : بدل الجهد ، والعمل تبعا للميول الشخصية ، هو أن يواجه الطفل عملا معضلا - أو كما يقول كلباترك kilpatrick مشكلة توائم استعداداته وقدراته وميوله فيحاول من ذات نفسه ، وفي غير ما حاجة إلي قسر أو إرغام خارجي ، جادا في حلها والوصول بها إلي غاياتها وأهدافها الطبيعية . وينتهي ديوي من ذلك كله إلي أن علينا أن نكشف عن حاجات الطفل العاجلة ، وقواه ؛ أن نهيئ له محيطا من الأشياء والأدوات المادية والاجتماعية والفكرية ، كي نوجه تلك الرغبات العاجلة وتلك القوي الحافزة إلي خير ما يستطيع أن يقوم به من أعمال وأنسبها له . هذا هو مجمل ما تقوم عليه طريقة المشروع . ومن هذا الشرح نري أن التربية الحديثة ليست . كما يظن البعض - تربية تدليل واسترضاء ميول ، بل هي تربية عملية ، تستهدف غاية جادة ، وتسلك أسلوبا لاضعف فيه ولا استخذاء.

