الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 33الرجوع إلى "الثقافة"

التربية الخلقية ومسائلها وأسسها الصحيحة

Share

( تتمة لما نشر فى العدد الفائت )

عرفنا مدى حاجتنا إلى التربية الخلقية ، وعرفنا الصفات الضرورية فى المدرس ليكون مربيا ، وعرفنا القواعد السيكلوجية التى يخضع لها عقل الصبى ونزعاته النفسية التى تسهل علينا مهمتنا ، ووعدنا بأن نشير إلى بعض الصفات التى يغلب أن ينقلها التلميذ عن أبيه او مدرسه بالاستهواء أو المشاركة الوجدانية أو التقليد :

فأول ما ينقله التلاميذ عن مدرسهم هو مبلغ احترامه القوانين المدرسة ، فالمدرس الذى لا يحافظ على مواعيده ، أو الذى يهمل فى نظافة نفسه وملبسه ، أو فى حسن هندامه ، يجب ألا يدهش إذا وجد تلك الصفات تنتقل بسرعة إلى تلاميذه ؛ اما إذا تحدى تلك القوانين فاستخدم العقوبة البدنية مثلا ، أو أشعل سجارته فى الفصل ، وهو يعلم أن تلاميذه يعرفون أنها ممنوعة ، فهناك الطامة الكبرى ، إذ أنه يعرض نفسه لاحتقار التلاميذ ، ويحملهم على ازدراء القوانين والاستهتار بها ، ويبذر فى نفوسهم بذور الفوضى والتمرد على المجتمع وعلى من يمثلون سلطته بنوع خاص .

وينقل التلاميذ عن مدرسهم الآداب العامة التى تتجلى فى الاختلاط الاجتماعى ، مثل أسلوبه فى معاملة غيره من أعضاء المجتمع ، واحترامه لرأى الغير ولشعور مواطنيه ، ومعاونته للضعفاء ، وفى هذه المسائل يكون تأثير المثل الذى يضربه المدرس أقوى بكثير من كل الأوامر والتعليمات والجوائز والعقوبات مجتمعة . لذلك يجدر

بالمعلم أن يذكر دائما أن مراعاته لآداب الاجتماع يجب أن تكون واحدة ، سواء تجلت فى الفصل أو فى غرفة المدرسين أو فى أى مكان بعيد عن المدرسة ، وسواء أكانت فى عزلة أو على الملأ . وعلى الرغم مما المدرس من السلطان على تلاميذه فيجب أن يتردد فى النطق بنكتة على أحدهم أكثر مما يتردد في التفوه بها بالنسبة لزميل من زملائه ؛ كما يجب ألا يتخذ التلميذ الغبى موضع سخرية ، ولا أن يشير بطريق مباشر أو غير مباشر إلى عيب من عيوبه أو عاهاته ، أو أن يلمح إلى أن سوء سلوك التلميذ يرجع إلى تأثير منزله أو بيئته أو مكانة والديه فى المجتمع ، أو ما شاكل ذلك من الأمور الجارحة . وذلك كله يتطلب من المعلم كثيرا من المراعاة ومن ضبط النفس .

كذلك موقف المدرس بإزاء عمله ومقدار اهتمامه به لا بد أن ينعكس على تلاميذه ؛ فالمدرس المجد المتحمس يستهوى تلاميذه على الدوام دون أن يشعروا ، ويستهويهم إلى متابعة تحصيل العلم ، وإلى الاحساس بأن ذلك فى ذاته عمل مجيد جدير بقصارى جهودهم ؛ وعلى العكس من ذلك المدرس الذى يؤدى واجباته بتململ وتذمر وتكلف ، بحيث يكون كل همه أن ينتهى من عمل يومه على أية صورة كانت ، فانه ينقل إلى تلاميذه هذا الاتجاه السيىء ، وتلك الفكرة الخاطئة عن احترام العمل وتقديس الواجب . ويتجلى جد المعلم فى إقباله على تثقيف نفسه ، وتزويدها بالمعلومات الجديدة ، وفى تنويع أساليبه فى التدريس

لتكون متمشية مع أحدث الطرق وأقربها إلى ما انتهى إليه علماء النفس ، مثل هذا المدرس يترك فى تلاميذه أثرا طيبا من الناحية الفكرية . أما المعلم الذي ينقطع عن الدراسة ، فلا بد أن يصير بعد قليل غير قادر على الاحتفاظ بروح المدرس الجيدة ، وسرعان ما يضيق صدره بالمتعلم ، وبالاتجاه الفكري الذى يجب أن يلازم المعلم ، ويصير الجو العلمى بالنسبة له متعبا خانقا

تلك بعض صفات المعلم أشرنا إليها على سبيل المثال ليس إلا ؛ ذلك لأن صفات العلم كلها بوجه عام تنعكس فى التلاميذ ، وتلك حقيقة يجب أن يدركها المدرس من أول الأمر ليكون دائما على حذر ، وليعلم أن تأثيره كمرب يتوقف إلى حد كبير على سمو أخلاقه هو . نعم إن ذلك قد يكلفه عناء ومشقة ، ولكنه يجب أن يواجه الحقائق بصبر وشجاعة ؛ ويكفيه جزاء على ذلك وفخرا أنه الشخص الوحيد الذى يستطيع أن يزيد فى سعادة جيل بأسره بتأثير استقامته وطهارة نفسه وسمو ذوقه ، كما أنه يجد فى نفسه لذة كبيرة وارتياحا عظيما حين يشاهد آثار مجهوده متجلية فى المجتمع الذى يعمل جاهدا فى سبيل إسعاده ورفع مستواه .

ويحق لنا أن نتساءل بعد ذلك كيف نبدأ حملة خلقية فى مصر ؟ أما المجتمع فوسيلتنا فيه متوقفة على تطوراته التى لا علم لنا بها ، ولا نستطيع أن نتنبأ بها وبسلوكنا فيها ؛ وأما المدارس فلا شك فى اننا إذا أردنا أن نقوم فيها بحملة قوية منظمة ، فالواجب أن نبدأها وتدعو إليها وزارة المعارف ، وهى الهيئة المشرفة على التعليم فى البلاد ، ولكن أخشى أمرين : أولهما البطء ، وثانيهما أن يكون تنفيذ الوزارة لذلك بواسطة الأوامر والمنشورات ، وهى خلق في المادة جوا مصطنعا هو أبعد ما يكون من أن يحقق الاتصال الشخصى والحماسية القلبية والدراسة الفردية التى يقوم

بها المربى من تلقاء نفسه . ولذلك أفضل أن نركن إلى المدرسين الذين اقتنعوا بضرورة العناية بالتربية الخلقية واستشعروا الرغبة الصادقة القوية فى المساهمة في هذا العمل الجليل ، وزودوا أنفسهم بالصفات اللازمة لمن يتصدى له ، وقاموا بدراسة الصبى وعقليته ومميزات مراحل نموه فى الطفولة والمراهقة ، دراسة نظرية نيرة ، ودراسة عملية فاحصة . مثل هؤلاء الأشخاص يجب أن بيبدءوا فى الحال بتنفيذ برنامجهم فى الإصلاح الاجتماعى والتربية الخلقية ، وسيجدون هذا أمرا سهلا هينا ، فالمدرس فى كل حصة من حصصه ، بل فى كل دقيقة من دقائق اتصاله بالتلاميذ ، ما دام حريصا على كسب ثقتهم بمحبته وعطفه عليهم ، واهتمامه بشئونهم ، وتحليه بالصفات التى يريد أن ينقلها إليهم ، مثل هذا المدرس يجد نفسه فى فترة قصيرة من الزمن مالكا لقلوب تلاميذه ، مسيطرا على عقولهم ، مؤثرا فى أخلافهم أكبر الأثر ، لا سيما إذا كان على شيء من الملاحظة الدقيقة التى تعينه على أن يقرأ في وجوههم آثار الألم أو الحيرة أو الاضطراب النفسى ، ويتبع ذلك بسؤال بسيط يلقيه بأسلوب جذاب ونغمة تتم عن عطفه واهتمامه ، يجعل التلميذ يسكن إليه ، وبفضى بمتاعبه ومصدر ألمه وارتباكه النفسى ، فيستطيع المعلم عندئذ أن يعطيه من الإرشادات ما يعينه على التغلب على صعوباته النفسية وترد إليه الهدوء والاستقرار .

وليضع المدرس نصب عينيه أن الفكرة الحديثة عن تكوين الأخلاق لا تركن إلي المحاضرات والنصائح الكلامية ، بل تجعل ذلك نتيجة لنشاط تحدث معه انفعالات سارة تتكرر فتولد عواطف نحو مختلف الفضائل ؛ هذه العواطف كما قدمنا تحل عند التلميذ محل الغرائز فى توجيه سلوكه فى مختلف الظروف ، ويقتصر عمل المدرس على تهيئة الظروف لحدوث تلك الانفعالات . ولن يقف عمل هذا

المدرس علي الميدان المدرسى وحده ، بل سيجد فى القريب العاجل أن اتصاله الروحى هذا بتلاميذه سيؤسس علاقات طيبة ومفيدة بينه وبين بعض الآباء ، وهذه الاتصالات ستؤدى حتما إلى نتيجتين : الأولى زيادة فهمه لظروف التلميذ وبئته ، مما يجعله أقدر على تشخيص مرضه ، ووصف العلاج المناسب . والثانية مساعدة الوالد على تفهم الأسس النفسية الصحيحة التى تسيطر على عقل ابنه ، مما قد يؤدى إلى تغيير أسلوب معاملته له ، وبذلك يتم التعاون المنتج الفعال بين المدرسة والبيت .

وإنى مدرك الادراك كله ، بل موقن بأن الأمور لن تجرى على هذه الصورة من السهولة ، وأن المدرس سيصادف صعوبات شديدة وعقبات كثيرة ؛ فهناك الزملاء الذين قد يضيقون به ذرعا ، وهناك ناظر المدرسة الذى قد يكون قليل الاهتمام بتلك الناحية التهذيبية ، وهناك الوالد الذى قد يخطىء فهم قصد المدرس ويشمئز من تداخله فى خصوصياته . ولكن المدرس إذا كان مؤمنا إيمانا قويا برسالته وراغبا رغبة صادقة فى إرواء ظمئه وإشباع نهمه لتلك الخدمة القومية الثمينة ، لو توفر المدرس ذلك لتغلب على كل ما يعترضه من عقبات ، ولذلل صعوباته واحدة بعد الأخرى بحسن التفاهم وبقوة الحجة وبما يملأ قلبه وصدره من إخلاص للمهمة التى تصدى لها .

ولا شك في أن نجاح مثل هذا المدرس سيحمل غيره من زملانه على اقتفاء أثره والاقتداء بعمله ، ولن يمضى زمن طويل حتى تظهر فى الجو الاجتماعى للمدرسة روح جديدة قد تؤدى إلى ثورة نفسية عميقة ترفع من مستوى تلاميذها ، فتشيع الفضيلة بينهم ، وبتطبعون بطابع خلقى ممتاز . ومما يساعد على الوصول لهذه النتيجة بسرعة أن يكون عامل لواء هذه الحملة الأخلاقية فيها هو ناظر المدرسة نفسه ،

فعندئذ تجده يتخذ موقفا حازما قويا نحو جميع المسائل الخلقية التى تعرض فيها ؛ وسرعان ما يجعل كل فرد من أفرادها يستشعر المسئولية ، ثم تجده يحرص على إجادة العمل فى كل فصل من فصول المدرسة ، وفى كل ناحية من نواحى تنظيماتها الاجتماعية وملاعبها الرياضية ؛ ويتطلب من الجميع بحزم باسم أن يستخدموا منتهى الصراحة وصفاء النفس على الدوام ؛ وعندئذ تكون المدرسة قائمة بعمل أخلاقى عظيم ينعكس أثره فى المجتمع .

ولا ننسى فى هذا الصدد أن اختلاط أفراد المدرسة بعضهم ببعض ، واحتكاك التلاميذ بالمدرسين وبالناظر . كل هذا هو ما يهيىء الفرصة للتعامل الذى تظهر فيه العلامات التى تكشف عن الأخلاق ؛ ولذلك كان أغلب ما تقوم به المدرسة القديمة فى هذا الصدد فى ميادين اللعب وفى صالات السمر وفى مسارح التمثيل ، أما المدرسة الحديثة فتهيأ فيها هذه الفرص أثناء الدراسة نفسها ، وذلك لما اتخذته هذه الدراسة من صورة نشاط فعال مستمر يجعل الاولاد يتصل بعضهم ببعض ، فالأولاد حين يقومون بمشروع لدراسة الصين أو حياة النحل أو رحلة لقبرص أو صناعة القطن ، يجتمعون باستمرار للتشاور ورسم الخطط ودرس المعلومات التى جمعت ، والبحث عن كيفية الحصول على المعلومات التى لا تزال لازمة ... وفى ذلك كله فرص لتربية الأخلاق فى أثناء الدروس نفسها .

ويصح لنا أن نتساءل فى هذا الصدد عن موقفنا من الطلبة أثناء إشراقنا على تكوينهم للعواطف المركزة حول مختلف الفضائل ؛ هل نلقى لهم الحبل على الغارب ونعطيهم الحرية المطلقة ونتسامح فيما يصدر عنهم من هفوات ، أم نقف لهم بالمرصاد ونحاسبهم عليها ؟ يخيل إلي أن المصلحة تقضى بأن نهيىء لهم الجو للنشاط الحر ليكون سلوكهم غير مقيد بأي قيد ، بشرط أن نتتبع هذا السلوك بدقة عن

بعد ، ويجعل الطالب يشعر دائما بالنتائج التى تترتب على سلوكه خطأ كانت أو صوابا ، حتى يدخل السرور على نفسه كنتيجة لشعوره أنه أصاب ، وبذلك تتثبت فى نفسه العواطف التى أدت إلى ذلك السلوك المحمود ؛ وبالعكس إذا كان تصرفه خطأ صحب شعوره بهذا الخطأ شىء من الألم يدفعه إلى تعديل سلوكه فى المستقبل ، وبذلك يحمى نفسه من تكوين الخلق السىء .

وزيادة على ذلك فإن الحرية فى التصرف هى التى تعود الشخص تحمل المسئولية ، وتعطيه الفرصة لرسم الخطط وتعليم نفسه كيفية تنفيذها . ولا ضير مطلقا من وقوعه فى بعض الأخطاء فى أثناء هذه العملية . فمن هذه الأخطاء يستفيد ومن محاولة تجنبها يتعلم ؛ هذا إلى أنه لا يوجد سبيل آخر لتعويد الشخص الاضطلاع بالسئوليات وحل المشاكل ، وتدبير الخطط ، وغير ذلك مما تقصد إليه التربية الحديثة وتضعه فى مقدمة الأغراض التى تسعى لتحقيقها . وفى خلال هذا النشاط الحر يكون أثر عاطفة اعتبار النفس التى فصلناها فى غاية الأهمية ومفيدا إلى أقصى حد .

وينبغى عند التكلم عن التربية الخلقية أن نقول كلمة عن " النظام " بمعنى Discipline لأن المدرس والمدرسة بوجه عام لابد أن يكون لها سياسة مقررة بصدده ، واختلافات وجهات النظر فيه كثيرة لأهميته العظيمة ؛ فالنظام هو الوسائل التى بها تلائم بين الفرد وبين المجتمع الذى يعيش فيه ، وله قيمتان : قيمة إيجابية وقيمة سلبية ! فالقيمة الإيجابية هى التى تكلمنا عنها فيما سبق ، وعرفناها بأنها تكوين العواطف حول الفضائل ، والسمو بالغرائر إلى مستويات خلقية عالية . وأما القيمة السلبية فهى التى تحبس بعض مظاهر الغرائر التى تكون غير مستحبة اجتماعيا .

ومما يؤسف له أن الناحية الايجابية كانت إلى عهد

قريب مهملة ، ويرجع ذلك لحد ما إلى اعتقادات قديمة خاطئة ، هى أن الفضيلة تتوقف بنوع خاص على الإرادة ، إذ أن الإنسان كان يعتبر ممتلئا بالنزعات الشريرة يسيطر عليها بقوة إرادية غير محسوسة ؛ ولكن العلماء الحديثين يقولون بأن الغرائز والنزعات التى يولد بها الانسان ليست خيرا صرفا ولا شرا صرفا ، بل إن التربية الخلقية تستطيع أن تمنع نمو ما كان يعتبر فيها مضى نزعة إلى الاجرام عند بعض الناس .

أما الناحية السلبية ، وهى ناحية العقوبة فقد كانت فيما مضى تتخذ صورة العقوبة البدنية ، وكان الرأى السائد أنها ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها ، مع أنها فى نظرنا ضارة بوجه عام ، إذ تولد القسوة وتشعر بالوحشية وتقتل العلاقة المبنية على الثقة التى يجب أن توجد بين الصبى وأبيه أو مربيه . فالوالد الحديث يعمل على أن يكون سلوك ابنه فى حضرته وغيبته واحدا على السواء ، وأن يكون ائتناسه به وفرحه لقدومه ناشئا عن حب حقيقي .

لذلك كانت وسيلة التربية الحديثة للحصول على " النظام " مختلفة عن الوسائل القديمة ، فهى تقوم على أساس جعل الطفل يشعر شعورا داخليا يدفعه إلى " النظام " بدلا من أن يقوم به تحت تأثير دافع خارحي . وكثير من الناس يعتقد أن التربية الحديثة لا يهمها " النظام " بل يظن البعض أن أساسها الفوضى لما يشاهدونه فى التلاميذ من حركة مستمرة أثناء الدراسة ؛ فهم لا يدركون أن اشتغال التلاميذ بالنشاط الدراسى هو أرقى مراحل النظام ، وأن الخروج عليه لا يكون إلا بمحاولة أحد أفراد الفرقة معاكسة زميل له أثناء اشتغاله بتأدية واجباته أو قيامه بالنشاط المطلوب منه . ومن يطلع مثلا على كتابات مدام منتسوري يدرك أن حرصها على عدم الإخلال بالنظام عظيم ، وهى تقول إن قواعد النظام عندها تطاع عن طيب خاطر كما تطاع قواعد اللعب ؛ وذلك لعدم

وجود ضغط خارحي . وإنما تتم المحافظة على النظام بتأثير عادات عقلية تنزع بالطفل إلى نشاط تلقائى محبب ، فإذا فرط منه خروج على النظام فأول ما يجرى عليه اختبار طبى ، فإذا تبين أنه سليم الجسد أفردت له جلسة مريحة فى ركن من أركان الغرفة الدراسية وأعطيت له لعبه المحببة ، وأشعر بأنه في شبه عزلة عن زملائه ، له أن يلعب كما يشاء ويدرس كما يشاء ، ويتمتع بعطف المعلمة وإرشادها ، ولكن ليس له أن يختلط بزملائه حتى يشعر بخطئه ويبدى أسفه لمعلمته ، ويظهر استعداده للاندماج فى زمرة إخوانه دون أن يعاكس أحدا منهم . وقد نجحت هذى الطريقة إلى أقصى حد .

ولا ضير عند المربى الحديث من استخدام المدح والذم بحذر بحيث يتجنب المدرس مقارنة التلميذ بغيره ، ولا يستعمل اللوم إلا قليلا عند استحقاق التلميذ له ، ولا يمتدحه إلا لعمل نبيل غير عادي . ويجب أن تكون المحاسبة الخلقية تالية

مباشرة لعمل التلميذ ، كما يجب أن يتجنب المدرس التعميم . وإذا جرى على يد الصبى عمل فيه قسوة اهتم لها المربى وعالجها فيه على أنها مرض ، وجعل العقوبة عليها تبدو نتيجة طبيعية ، شأنها شأن نتيجة أي مرض جسماني فإذا حجز الصبى عن زملائه أو عن الحيوانات أفهمه أن ذلك بمثابة عزل صحى ، وبذلك يعتاد الولد أن يفهم أن الذى يرتكب القسوة يكون كالذى أصيب بمرض أو كالذى حلت به كارثة ، وان الواجب علينا نحوه أن نعالجه حتى بيرأ من مرضه أو أن نبذل وسعنا فى حمايته من تلك الكارثة .

تلك إشارات طفيفة تبين اتجاهات التربية الحديثة إزاء مشكلة التقويم الخفى ، أوردناها على سبيل المثال لبيان الروح السائدة فيها ؛ ومن هذه الروح يستلهم الوالد أو المعلم أقوم السبل يسلكها مع ابنه أو تلميذه .

اشترك في نشرتنا البريدية