-2-
المنهج :
إن تأثير علم النفس الحديث في المنهج يكاد يكون ثوريا . فقد ظهر للعلماء بعد دراسة لعب الأطفال دراسة دقيقة أن اللعب ليس نشاطا عرضيا ، بل محاولة جدية من جانب الطفل لتفهم المواد والأشياء التي يتألف منها الكون ، ولتفهم وجوه النشاط التي بري الكبار يقومون بها . فالطفل الذي يحفر جحرا في الحديقة يتحس بشغف خواص الرمل والمعاول ، ويتعلم الكثير عن " الآجحار " . وقد لا يكون عمله المستمر في حفر الجحر ثم إعادة ملئه بالرمل عملا مثمرا في نظر الراشدين ، ولكنه مع ذلك يكشف في أثناء قيامه بهذا العمل عن عدد من قوانين الطبيعة التي يعتبرها الراشد مسائل مفروغا منها . وكذلك الطفل الذي يمثل ساعي البريد ، أو أخوه الأكبر الذي يمثل في لعبه آخر شريط سينيمائي رآه ، يستكشف بالطريقة نفسها مواقف اجتماعية ، ويجرب الشعور الذي يختلج في نفوس من يقفونها . وليس مثل هذا الطفل ، ولا الطفل الذي يقوم بالحفر ، بحاجة إلي أي نوع من أنواع الارغام ندفعه به إلي النشاط ؛ والسبب في ذلك أن الطفل لديه من الرغبة في السيطرة على عالم الأشياء والناس مثل ما للراشد ، وهو يتأذي مثله إذا أدي به جهله إلي الشعور بالنقص أو الوقوع في الحيرة .
وهذه الحقائق البسيطة تكشف لرجال التربية عن طريقة التعليم التي ينبغي اتباعها من جهة ، وعن الموضوعات التي ينبغي أن يتألف منها منهج الدراسة من جهة أخرى .
فقد صار جليا أن الطريقة القديمة التي تقضي بأن يختار المدرس موضوع الدرس ، وأن ينحصر عمل التلميذ في الأنصات - أو عدم الانصات في بعض الأحيان - أن هذه الطريقة ليس من المستطاع السير عليها إلا إذا تأيدت باستخدام سلطة المعلم . أما إذا أراد المعلم - تمشيا مع روح النظام الجديد - أن يراعي وجهة نظر الطفل ، فإن الاحتفاظ بتلك الطريقة يصبح متعذرا .
إن الطفل يهتم اهتماما حقيقيا ببعض المواقف المثيرة التي تصادفه في العالم خارج المدرسة ، فينبغي أن يشتمل المنهج عليها . ولكن هذه المواقف تختلف باختلاف الأطفال واختلاف بيئاتهم ، فالطفل الريفى يستخرج دودة من الأرض ، بينما الطفل المدني يري مضخة للحريق ؛ وإذن يجب أن يختلف المنهج لمختلف الأطفال . ولكن كيف يمكن أن نضع منهجا بالمرة ما دمت لا تستطيع أن تعرف سلفا ما هي الحوادث المفاجئة التي قد تثير اهتمام التلاميذ إلي حد يصبح لا مفر معه من تناولها بالمدرسة - كزيارة " سرك" المدينة أو انهيار صف من المنازل ؟ والجواب على هذا أنه لا يتحتم وضع منهج لدراسة كهذه مقدما ، بل يكفي تسجيل ما درس بعد الفراغ من دراسته ,
هذا فيما يتعلق بموضوعات الدراسة ، أما فيما يتعلق بالطريقة فالطفل يلذ له النشاط في اللعب . وكثيرا ما يكون ميله إلي النشاط الجسمى ، خصوصا إذا كان اللعب متصلا بالمواد والآلات ؛ لكنه يصرف النظر عن ذلك ينشط دائما في لعبه نشاطا عقليا . فتراه يتساءل : متى يصل الجحر إلي باطن الأرض ؟ ولم ينهال الرمل في داخله ؟
ولم يأخذ الحجر هذا الشكل الخاص ، ولا يأخذ شكلا غيره ؟ ... وهكذا ينتقل من سؤال إلي سؤال دون انقطاع . أما إذا بدأت باعطائه درسا على " الأجحار " فان هذه , الأسئلة لن تتوارد على ذهنه ، بل إنه سوف يمل دراسة الآجحار كما يمل دراسة التاريخ . فالطريقة الطبيعية إذن أن تدع الطفل يجرب في مواقف حقيقية بقدر ما تسمح به ظروف غرفة الدراسة ، وأن تشكل تدريسك وفقا لتطور تجاربية.
والآن لننظر كيف يمكن تنفيذ هذا عمليا . وجدت معلمة حاذقة اشتغلت بالتعليم عشر سنوات ، أن معظم تلاميذها كانوا مشتركين في مجلة من مجلات الأطفال ، وكانوا يكثرون من الاشارة إليها في أثناء الدروس والاستعانة بحقائقها في مناقشاتهم ، كما كانوا يقرمون فيها سرا في أوقات الدراسة . وكان من الواضح أنه ما دامت هذه المجلة مركز اهتمام الأطفال ، فقد وجب أن تكون مركزا لنشاط الفصل ؛ ولذلك أفسحت المعلمة المجال لدراستها في الحصص ، وصارت تضع للأطفال اسئلة عما فيها ، وتطالبهم بأن يبينوا لها مزاياها والخطة المتبعة في تحريرها . ومن هنا نشأت فكرة تحرير صحيفة للفصل ؟ ولكن كل طفل فضل أن يحرر لنفسه صحيفة خاصة , وأصر على ذلك بقوة .
ودارت مناقشة الفصل وقتا ما حول الناحية التي يرغب كل طفل أن تكون بارزة في صحيفته . فمثلا رأت " دوروتي " أنها تجيد الكتابة حول مباريات الفصول في كرة الشبكة ، وقالت "إيلين" إنها ستخصص عددا من صحيفتها لأسبوع الطفل ، أما ؟ "فيرا" فقد قالت إن في حديقة منزلها وردة للرياح ، وإنها لذلك ستكتب عن أخبار الجو . وقد أعجبت هذه الفكرة بقية الأطفال ، فشرعت مجموعة منهم في عمل مقياس للمطر ووردة للرياح ،
وإعداد خريطة لتسجيل حالة الجو عليها ، حتى يمكن إبلاغ ذلك إلي جميع الصحف . ولم يقتصر كل طفل على التحرير في صحيفته الخاصة ، بل صاروا يكتبون لصحف غيرهم ، ويأخذون على ذلك أجورا حددت فئاتها . وكانت هذه الأجور وغيرها من النفقات تقيد في دفاتر خاصة ، فتدرب بذلك كل طفل على أعمال الحسابات وإمساك الدفاتر وعمل بيانات الإيراد والمصروف . وقد كانت كتابة الصحف في أول الأمر سيئة ، فأشير على الأطفال باستخدام نوع أجود من الأقلام ، ثم تدربوا على الكتابة بالحروف المنفصلة (Script) ؛ وأعقبت ذلك دراسة الأعلانات العادية والصورة . وقد فاجأت "دورين " الفصل يوما بتأليف قصيدة ، ومنذ ذلك الحين تدفق سيل الشعر ودرس الأطفال الأوزان والقوافي لتحسين شعرهم .
وقد ابتكرت " دوريس " في صحيفتها فكرة " الرسائل إلى المحرر " ,وبدأتها بخطاب قوي هذا مطلعه : " سيدتي العزيزة : إني لأرجو أن تعنى بالنظر في مسألة الواجبات المنزلية... وتبعت ذلك " فيرا " بخطاب تسأل فيه عن نصائح في التجميل . وتلا ذلك فتح أبواب جديدة لنقد الكتب ، وفلاحة البساتين ، وملاحظات عن الطبيعة ، والحوادث السياسية الجارية ، وقد تعاقبت هذه الأبواب بسرعة . وأدى " اسبوع الطفل " الذي نفذته إيلين " إلي مراجعة كل كتب الصحة التي في مكتبة الفصل .
وعلي مر الأيام طرأت أسئلة أخرى ، إذ وجدت المعلمة يوما ما قشرة رقيقة من الخشب في نسيج ورقة صحيفة من الصحف ، فدفعهم هذا إلي البحث عن كيفية صنع الورق ومن أين يجيء ؟ وبدءوا بدراسة صناعة الورق في كندا ، فاندفع جماعات منهم إلي الكتب لدراسة عدد من المسائل التى شغلت كل تفكيرهم ، مثل : كيف يعيش قطاع الخشب ؟ وكيف ينقل الخشب بعد قطعه ؟ وكيف
يسير العمل في مصانع نشره ؟ وما هي البلاد الأخرى التي يوجد بها ؟ ...
وقد أدى ذلك بالطبع إلي سؤال آخر ، هو : كيف كان الناس يكتبون الرسائل قبل صناعة الورق ؟ وهكذا انتقل الفصل خطوات عديدة في ثنايا التاريخ ، فدرست مجموعات من التلاميذ الطرق الفطرية لكتابة الرسائل ، وأعدت مكتبة في ركن من الغرفة تحتوي علي ما في متناولهم من الكتب والصور ، ودونت مذكرات ، وصنعت نماذج لكل شكل من أشكال الكتابة القديمة على المواد الملائة له ؛ وبعد ذلك أعطيت نتيجة هذا الاستقصاء للفصل على صورة محاضرات قصيرة . وكانت الخطوة التالية دراسة نظام البريد ووسائل المواصلات الحديثة ؛ ولم تكن المواصلات الدولية بعيدة عن البحث .
إن المحافظين على القديم منا لن يسعهم إلا أن يتساءلوا بإزاء هذا كله : هل تتسع هذه الطريقة لاعطاء الطفل معلومات في التاريخ أو الجغرافيا وإن لم يكن في المواقف التي يصادفها في بيئته ما يدفعه إلى البحث عنها ؟ والجواب أن هذا ممكن ، وإني أسوق الأمثلة الآتية على إمكانه : فقد رأيت في الأسابيع الأخيرة فصلا مكونا من بنات في سن الثانية عشرة يدرسن سجلات مدينة لندن في سني الوباء والحريق ، وذلك نتيجة لشغفهن بمذكرات "مستر بيبس" (Mr Pepys)، ورغبتهن في عمل يوميات مشابهة ليومياته . كما رأيت جماعة أخري في التاسعة من العمر مشغولة بعمل نموذج من الخشب والورق المقوي لشارع في القرون الوسطى ، بمنازله وما فيه من وسائل النقل ، وقد وضعت فيه نماذج تمثل الناس في أزياء ذلك العصر ؛ وكل ذلك كان منقولا بدقة تامة من الصور . وإني لأذكر كذلك فصلا يتألف من تلاميذ في الحادية عشرة من عمرهم صنعوا في العام الماضي نموذجا لنظام الري في حقل عندي ، كما أنه عرضت على حديثا
خريطة للعالم صنعها تلاميذ فصل ما من الخشب ، ودلوا علي أماكن المواني الجوية والبحرية الرئيسية فيها بمصابيح صغيرة تضاء بالكهرباء .
هذه أمثلة قليلة ، جادت علي بها ذاكرتي ، من كثير من وجوه النشاط التي تنصب على المواد الدراسية مباشرة . وإني لا أشك في أن الاهتمام بها بدأ في أول الأمر بإ بحاء من المعلمة ، ومع ذلك فقد تقبلها الأطفال برضى وحماسة ، فأثار تنفيذها نشاطهم من الناحيتين العقلية والجسمية . وقد سمح لهم بـأن يقوموا بتجارب على المواد اللازمة لتحقيق أغراضهم ، كما أن التنفيذ أتاح لهم الفرصة كي يدرسوا ويكتبوا ويتحدثوا ويرسموا الخطط ، منقسمين إلى جماعات متعاونة ؛ وما كانوا يدركون قط إذا كان عملهم بعد درسا في اللغة الانجليزية أم في التاريخ أم الجغرافيا ؛ ذلك أن النشاط أزال الحواجز بين المواد في عقل الطفل ، فلم يعد يري إلا أن كل عمل من أعمال الفصل كان خطوة معقولة في سبيل إتمام مشروعهم ؛ وكان له في ذهنه معني ، لأن له غرضا .
لقد أثبت علم النفس الحديث - وأيدته تجارب المعلمين في ذلك - أن بالأطفال حاجة نفسية لأن يتعلموا ، وأن التعليم بالنسبة للطفل لا يخرج عن كونه طريقة خاصة تمكنه من السيطرة علي بيئته . فلماذا إذن نجد من الأطفال من يأبون أن يتعلموا ؟ يرجع ذلك أولا إلي أن الحقائق التي كنا نريد أن يتعلمها الطفل في الماضي لم يكن لها اتصال ظاهر ببيئته ، ومن ثم لم يكن يري فيها وسيلة للسيطرة في أية صورة من صورها . ويرجع ثانيا إلي أن التعليم الجمعي (في فصول يتراوح عدد تلاميذها بين الثلاثين والخمسين) لم يكن بالنسبة للتلاميذ الذين لم يوهبوا سرعة الفهم سبيلا إلي القوة ، بل كان أداة تبعث في نفوسهم
شعورا مفزعا بالعجز والضعف . كانت عملية التعلم أشبه بالكابوس بثقل صدورهم لعجزهم عن التقدم ، وكانت في النهاية ، لقلة ما يلاقونه من عناية فردية ، تسلمهم إلى الجهل والانحراف .
ولقد عرض على في الشهر الماضي أربعة أولاد من هذا الطراز كانوا في العاشرة من العمر ، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون قراءة سطر واحد . وقد بلغ اليأس من أحدهم أن قال لي : " إنك لا تستطيعين أن تعلمى كل الناس القراءة أيتها الآنسة " فوافقته على ذلك في أول الأمر . وكان اثنان منهم ممن عرضت حالاتهم على المحاكم ، ووالد أحدهم من المشغوفين بسباق الخيل ، وكانوا جميعا يعيشون في أحياء كلها بؤس وشقاء .
قلت لهم إن القراءة مفيدة في المراهنة على الخيل ، وإن الحوادث المثيرة لا تسجل إلا في الصحف ، فتجلي في نظرتهم إلي عندئذ احترام لم ألحظه من قبل . وانتهي بنا الأمر إلي أن نشتغل بجد مدة عشرين دقيقة ، تعلم فيها كل منهم قراءة فقرة صغيرة من كتاب ، وكان ثلاثة منهم يتلون معظم ما يقولونه من الذاكرة ، ولكنهم كانوا يحسبون أنهم يطالعون . وفي نهاية هذه المدة كدت لا أعرف أولئك الصغار لفرط ما بدا عليهم من تغيير . وحينما خاطبني أشد الأربعة بؤسا قائلا : " هذا غريب ؛ يظهر أن تعلم القراءة يدخل السعادة إلى نفس الانسان " شعرت أن الفوز قد تم ، وأن التقدم أصبح محققا . ويرجع التغيير الذي طرأ عليهم إلى أنهم قد خصوا بالعناية الفردية مدة عشرين دقيقة ، وأن مطالبتهم ببذل شئ من المجهود قد بنيت على سبب يفهمونه ، وأخيرا - وهذا أهم الأسباب - إلي أنهم قد أدركوا بعض النجاح وشعروا بلذته . ولم يكن لدي شك في أن كل هذا ستكون له نتيجته .
إن المعلمين قد أخذوا يكسبون خبرة في تنظيم أعمالهم
على صورة تسمح بتفرغهم للعناية بالأفراد والجماعات الصغيرة من تلاميذهم ، وذلك بترك بقية التلاميذ ليدرسوا بأنفسهم . وهذه الطريقة لا يتم نجاحها إلا إذا صغرت الفصول ، وخفت الأعمال الاضافية التي تستغرق كثيرا من جهد المعلم ووقته ، بالاستغناء عما يمكن الاستغناء عنه من الأعمال الكتابية مثلا .
التنظيم والاعداد المادى :
من الواضح أن أساليب كالتي بسطناها ستقلب جداول الدراسة المألوفة رأسا على عقب . ولكن الجدول أيضا يجب أن يخضع لأحدث المعلومات عن العمليات العقلية ، فما من طفل مشغول باقامة مسرح صغير يرضي أن يلقي آلاته بعد مضي أربعين دقيقة من بدء العمل ، ومن الصعب أن تخرج الأطفال من غرفة الدراسة للفسحة في مثل هذه الحالة . كذلك قد يقوم الأطفال بدراسات في الجغرافيا والتاريخ ومشاهد الطبيعة في وقت واحد ، في فصل واحد ، وفي مشروع واحد ، وعلي هذا لا يمكن فصل بعض هذه المواد عن بعض . على أن اليوم المدرسي يجب أن يتناوله بالرغم من هذا شيء من التقسيم ، إذ أن تهيئة الطفل لأنواع النشاط المغربية في الفصل ، وللحياة الاجتماعية المستقبلة ، يتطلب تدريبه علي بعض العمليات الخاصة ، حتى يتقنها ويصير قادرا علي القيام بها بطريقة آلية . ومن ذلك العمليات الحسابية ، والقراءة والكتابة ، فهذه المواد لا بد أن يفرد لها وقت خاص في الجدول . كما أن المواد التي لا تجد لها مكانا في أنواع النشاط التي يقوم بها الأطفال في وقت معين يجب أن تخصص لها من آن لآخر بعض الحصص ، حتى يكون المنهج متزنا . كذلك يحتاج الطفل إلي ممارسة الرياضة البدنية والموسيقي والقراءة التي يقصد منها إلي التسلية . وفيما عدا ذلك ، فإن
الجدول ينبغي أن يحتوي علي فترات طويلة تخصص لأنواع النشاط ، وتختلف تسميتها باختلاف أذواق المدرسين . وإني أعرف مدرسا أسماها حصص " الكشف " ؛ وقد يكون الكشف تاريخيا ، أو جغرافيا ، أو طبيعيا ، أو مجرد تنفيذ لفكرة نشأت من اقتراحات الأطفال ، وأخذوا يسيرون غورها حتى يصلوا منها إلي القرار .
ومن المسائل التي نواجهها إذا أردنا الأخذ بأساليب التربية الحديثة ضرورة توافر الفضاء في غرف الدراسة وتزويدها بما يلزمها من الخامات والأدوات . وكل فصل يجب أن يكون حجرة للأشغال ، فلا يجدي كثيرا أن يكون في المدرسة حجرة واحدة للأشغال أو النشاط . وينبغي أن يكون لكل طفل كرسي ونضد يمكن زحزحتىهما بسرعة عند الحاجة ، لإيجاد الفضاء الكافي للتمثيل . كما أن الأثاث يجب أن يكون متحركا حتى يستطيع جماعة من الأطفال أن يقتربوا بعضهم من بعض المناقشة . ويجب أن يكون بالفصل مائدة لعرض ما تم أو ماقارب التمام من أعمال التلاميذ ، كما يلزم أن يكون به مخزن للخامات والأدوات . إني أقول " يجب " و " يلزم ", ولكن المعلمين في الواقع يأتون بالمعجزات من غير أن يتوافر لهم شئ من هذا ، متى تحلوا بالصبر والأناة . والحقيقة أنه ما من شيء تتوقف عليه هذه المشروعات ويتعذر السير فيها من غيره مني وجدت جماعة من الأطفال وقدر من فضلات المواد الأولية ومعلم له وجهة نظر خاصة . أما أخطر الأشياء عليها - على الأقل مع أطفال لم يتجاوزوا العاشرة - فهم المعلمون الأخصائيون الذين لا يعلم كل منهم إلا مادة واحدة . فالتخصص في التعليم يجب ألا يكون له وجود إلي هذه السن ، بل إلي ما بعد ذلك في اعتقادي . وإن هذا لأمر على جانب كبير من الأهمية .
ومن المسائل الأخرى مسألة الكتب المدرسية للأطفال . فمهد الكتب القديمة التي تحتوي علي استعراض عام لمادة معينة قد انقضي ، ولم يعد من المرغوب فيه أن يجمع كل ما يحتاج إليه فصل معين من مادة التاريخ أو الجغرافيا في كتاب واحد . إن أماني الآن مجموعة من رسائل صغيرة مكتوبة بخط اليد ، وهي من عمل زميلة اعدتها للاستعمال في الدراسة ولم تطبعها بعد . إنها صغيرة ، وموضحة برسوم حقيقية ، ولن يتجاوز ثمن الواحدة منها بعد طبعها تسعة بنسات أو شلنا . وهي لفصل يدرس الحياة الاجتماعية في القرون الوسطى ، وسن الأطفال فيه العاشرة . أما عنوانات الرسائل فهي :
١ - الحرف في المدينة . ٢ - الحرف في الريف . ٣ - منازل القرون الوسطى . ٤ - الأزياء * - الطعام والولائم . ٦ - الموالد وحفلات الاستعراض .
وبعد فمن الواضح أن كثيرا من المشكلات التي كشف عنها علم النفس الحديث لم تطرق في هذا المقال . فتعليم الفن والأدب والإنشاء الابتكاري مثلا قد تقدمت كثيرا في السنين العشر الأخيرة ، وقد اتخذنا موقفا جديدا بإزاه بعض المسائل الشائكة مثل تعليم النحو والمحادثة ، ونتجت عن ذلك تعديلات في طرق التعليم لا تحصى .
ثم إن كثيرا من التغييرات التي أشرنا إليها لا تزال في بدايتها ، ولكن النزعة التجريبية في التعليم قد حلت في كل مكان ، وستكون لنا من نتائجها موضوعات شائقة للدراسة في المستقبل .
( مترجم بتصرف من علة " السر الجديد في المدرسة والمنزل ")

