الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45الرجوع إلى "الثقافة"

التربية في المدارس الحديثة

Share

"ظهر هذا المقال الممتع في مجلة "العصر الجديد في المدرسة والمنزل "، وهي لسان حال رابطة التربية الحديثة في لندن . وقد شرحت فيه كاتبته ما أحدثه تقدم علم النفس من تطورات في أساليب التربية والتعليم ، مثل الحرية في النظام وطريقة المشروعات ... الخ ، فآثرنا أن تقن للقراء" - المحرر

ليس من اليسير أن نعزل تأثير عامل بذاته من العوامل التي يرجع إليها ما نشاهده اليوم من انقلاب متواضع في عالم التربية . ومن الممكن أن نعزو الكثير من هذا الانقلاب إلى التطور السريع المطرد في أساليب الحياة الاجتماعية عامة ، وما علم النفس الحديث إلا واحد من المؤثرات الكثيرة التي خضعت لها المدارس . على أن مما له مغزاه أن المشتغلين بعلم النفس أنفسهم قد أخذوا يولون وجوههم شطر المدارس ، ويقررون أن فيها - لا في عياداتهم - الميدان الحقيقي للبحث السيكولوجي ، وأن رجال التربية في جميع أنحاء العالم قد أخذوا ينسبون التغييرات العملية في أساليبهم صراحة إلى النظرية الحديثة عن طبيعة الطفل . فما هي هذه التغييرات التي نتجت من اتصالنا بعلم النفس الحديث زهاء ربع قرن ؟

تغير نظرة المعلم :

أول ما يلفت النظر أن عملية التربية قد اتضحت عناصرها و اكتسبت أهمية لم تبلغها من قبل . وقد أصبح المكان الأول للتربية المنزلية بدلا من النوبية المدرسية ، وذلك بعد أن ثبتت أهمية السنين الأولى من الحياة لتعيين القالب او الاسلوب الذي يتخذه سلوك الطفل الاجتماعي في المستقبل . فنحن إذا أردنا علاج رجل من مرض نفساني ، لا نبحث عن مركزه الحالي ، ولا عن رصيده في البنك ، بل نبحث في الغالب عن صلاته العاطفية الأولى في الأسرة. فالطفل الذي يشعر بأنه غير محبوب يكون فريسة لأشباح

الخوف أو لثورات الغضب التي تولدها الغيرة في نفسه . ومن المحقق أنه يصبح طفلا مشكلا في المدرسة ، ثم بعد ذلك رجلًا حسودًا ، قلقًا ، ثائرًا لمناسبة ولغير مناسبة . ومن الغريب أن ما يتعلمه في هذه الأثناء ليس له أي تأثير في حالته هذه ؛ فقالبه يظل كما هو في جوهره سواء أكان يتعلم نظريات إقليدس وخطابات شبشرون ، أم كان يتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب فيما يسمى المدارس الأولية.

ومن الجليِّ إذن أن المعلم الذي يعتقد أن واجبه الأساسي تزويد الطفل بالمعلومات سيجد نفسه أمام موقف عسير ، فعليه أن يدرك أن كل ما في جعبته من معلومات دراسية لا يمكن أن يصل بالطفل القلِق إلى أن يصير أقل قلقًا في رجولته ، بل إن قلق الطفل بالذات قد يجعل المعلومات التي يتلقاها عبثًا ثقيلا محيرًا له ، لأنه لا يستطيع أن ينتفع به على وجه من الوجوه .

وبإزاء هذه المشكلة كان على المعلم أن يتحول ، فلم بعد مجرد " مدرس " بل إنسانا قبل كل شئ ، مستعدًّا لأن يقف من الطفل الموقف الذي تقتضيه حاجته النفسية إلى تبادل المودة والعطف ، مع ما يتطلبه هذا الموقف من المدرس من سعة صدر وما يكلفه إياه من جهد ، وفي الوقت نفسه عليه ألا يهمل القيام بوظائفه الثانوية التي لا يزال الكثيرون يرون فيها عمله الأساسي ، أعني تمكين الأطفال من اجتياز الامتحانات وبلوغ المستويات العلمية المقررة .

ونرى من هذا أن عمل المعلم قد يكون أشق من عمل الاخصائي في العيادة السيكولوجية ، فهذا يعمل على إصلاح ضر وقع ، أما ذاك فعليه أن يمنع وقوع الضرر بتهيئة الأسباب التي تساعد على النمو الطبيعي ، وهو عمل وقائي يتطلب منه بصيرة ثاقبة ، وملاحظة دقيقة دائبة ، وعناية فائقة في معاملة التلاميذ. وهناك أمران يدلان أصدق الدلالة على ما يمتاز به المعلم الحديث من المرونة والشعور الإنساني ، وهما : (أولًا) اتصاله اتصالًا وديا منتجًا بالعيادات السيكولوجية عند معالجة الأطفال المشكلين بها. (ثانيًا) اتصاله الوثيق بمنازل الأطفال واهتمامه بما فيها من ظروف قد تؤثر في حياة الطفل العاطفية.

النظام :

ولم يكن ثمة مفر من أن يغير هذا الفهم العميق لظروف الطفل مركزه في الفصل : ففي بعض الحالات ينبغي أن يعامل بكثير من التسامح ، وفي حالات أخرى يتعين التشدد فيما يطالب به . وعلى أي حال فإن التطبيق الدقيق للمبادئ الاجتماعية والخلقية بدون تمييز لم يعد من المستحب ، إذ أن من العوامل التي تساعد على زيادة احترام الطفولة الاهتمام بالمشاكل العميقة الخطيرة التي يواجهها كل طفل على انفراد . فالمدرس الآن لم يعد واعظًا أخلاقيًا ، بل صار على تمام الاستعداد ليقوم بالاشتراك مع الطفل في كشف قانون أخلاقي جديد ، يكمن الأطفال والراشدين من أن يعيشوا معًا مع احتفاظ كل منهم بشخصيته في شجاعة وإخلاص . وهذا هو المعنى الحقيقي " للنظام الحديث " ، إذ ليس المقصود منه ، كما يتوهم بعضهم ، مجرد الأخذ عرضًا بنظام للحكم الذاتي . وقد أوجب هذا الفهم الجديد للنظام على المعلم قدرًا من المرونة يفوق ما يتصوره معظم الناس.

وكثيرًا ما نسمع احتجاجًا مثيرًا للعواطف من المدرس الذي يحاول أن يطبق هذه الأفكار ، إذ يقول :

إن علم النفس يفسر كل شئ ويدعو إلى الصفح عن كل ذنب ، فماذا ينبغي بعد ذلك من المبادئ الخلفية ؟ والجواب على هذا أن تفسير علم النفس لصعوبات الطفل في التوفيق بين نفسه وبين مطالب الحياة يمدنا بوسيلة فعالة لجعل هذا التوفيق ممكنًا . فإنك إذا استطعت أن تعيد إلى الطفل " الغيران " الثقة بأنه محل عطف ، أزلت بذلك نتائج " غيرته " المضادة لقوانين الأخلاق ، كالكذب ، والتخريب ، بل السرقة . كما أنك ربما عالجت بذلك ما قد يكون به من تقصير في العمل وعجز عن فهم الدروس ، لأنك تحرر عقله من مشكلة " الغيرة " التي تأخذ عليه مسالك تفكيره ، فيصبح الطفل من جديد قادرًا على أن يحشد كل قواه لمواجهة ما يصادفه في دراسته من عقبات ومشكلات .

إن التجارب التي أجريت على الحرية في النظام لم تبن في كل الحالات على أسس حكيمة . فإننا إذ نحاول تجنب استخدام السلطة الغاشمة ونعمل على الاحتفاظ بشعور المودة في نفس الطفل نحو أبيه ومعلمه ، ونحو القانون نفسه ، كثيرًا ما نتطرف فنلقي السلطة بتاتًا . هذا ما يفعله الأب الذي يدلل طفله من قديم الزمان ، وهو بعينه ما يحدث في أنظمة الحكم الذاتي إذا لم تقم على تفكير وفهم كافيين .

ولكن الطفل لا يريد هذا . إن المحبة التي تختلج بها نفس الطفل في بداية حياته تعتمد على المعاونة المتواصلة من الوالدين . وهو في مراحل النمو التالية ، بالرغم من نقص اعتماده على الأبوين شيئًا فشيئًا ، لا يزال أشد ما يكون حاجة إلى الإرشاد والتوجيه ، ورغبة فيهما . وإنه لينتظر الإرشاد من معلمه اولًا ، ثم من جماعات خاصة من الرفاق ، وأخيرًا من المجتمع عامة .

إن حرية الفرد التامة في تصريف شئونه أمر نادر جدًا حتى بين الكبار . فنفس الإنسان - إلى ما بعد بلوغه الرشد - إنما هي خلاصة للأفكار والقيم التي استخلصها من محيط اجتماعي دائم الاتساع . وكثيرًا

ما يشعر الأطفال بالإرهاق إذا فرض عليهم نظام للتوجيه الذاتي فرضًا لم تراع فيه الحكمة . وإنني لأعرف طفلا جاء يتوسل إلى ذويه ليرسلوه إلى " مدرسة عادية " حيث لا تترك الدروس لمحض اختياره ، وحيث لا تكون مسائل الزي وآداب السلوك وكيفية قضاء وقت الفراغ مشاكل فردية ، على كل طفل أن يحلها بنفسه !

ولعلنا قد هيأنا مسألة شائقة نعود إليها في فرصة مستقبلة : وهي دراسة الصعوبات الخلقية التي تنشأ من شعور الأطفال بانعدام الاستقرار والطمأنينة عند ما يعوزهم التوجيه القائم على السلطة ، بدلًا من شعورهم بوطأة الضغط الناشئ من استعمال السلطة القامعة ، كما يحدث في المدارس التقليدية.

اشترك في نشرتنا البريدية