"ظهر هذا المقال الممتع في مجلة "العصر الجديد في المدرسة والمنزل "، وهي لسان حال رابطة التربية الحديثة في لندن . وقد شرحت فيه كاتبته ما أحدثه تقدم علم النفس من تطورات في أساليب التربية والتعليم ، مثل الحرية في النظام وطريقة المشروعات ... الخ ، فآثرنا أن تقن للقراء" - المحرر
ليس من اليسير أن نعزل تأثير عامل بذاته من العوامل التي يرجع إليها ما نشاهده اليوم من انقلاب متواضع في عالم التربية . ومن الممكن أن نعزو الكثير من هذا الانقلاب إلى التطور السريع المطرد في أساليب الحياة الاجتماعية عامة ، وما علم النفس الحديث إلا واحد من المؤثرات الكثيرة التي خضعت لها المدارس . على أن مما له مغزاه أن المشتغلين بعلم النفس أنفسهم قد أخذوا يولون وجوههم شطر المدارس ، ويقررون أن فيها - لا في عياداتهم - الميدان الحقيقي للبحث السيكولوجي ، وأن رجال التربية في جميع أنحاء العالم قد أخذوا ينسبون التغييرات العملية في أساليبهم صراحة إلى النظرية الحديثة عن طبيعة الطفل . فما هي هذه التغييرات التي نتجت من اتصالنا بعلم النفس الحديث زهاء ربع قرن ؟
تغير نظرة المعلم :
أول ما يلفت النظر أن عملية التربية قد اتضحت عناصرها و اكتسبت أهمية لم تبلغها من قبل . وقد أصبح المكان الأول للتربية المنزلية بدلا من النوبية المدرسية ، وذلك بعد أن ثبتت أهمية السنين الأولى من الحياة لتعيين القالب او الاسلوب الذي يتخذه سلوك الطفل الاجتماعي في المستقبل . فنحن إذا أردنا علاج رجل من مرض نفساني ، لا نبحث عن مركزه الحالي ، ولا عن رصيده في البنك ، بل نبحث في الغالب عن صلاته العاطفية الأولى في الأسرة. فالطفل الذي يشعر بأنه غير محبوب يكون فريسة لأشباح
الخوف أو لثورات الغضب التي تولدها الغيرة في نفسه . ومن المحقق أنه يصبح طفلا مشكلا في المدرسة ، ثم بعد ذلك رجلًا حسودًا ، قلقًا ، ثائرًا لمناسبة ولغير مناسبة . ومن الغريب أن ما يتعلمه في هذه الأثناء ليس له أي تأثير في حالته هذه ؛ فقالبه يظل كما هو في جوهره سواء أكان يتعلم نظريات إقليدس وخطابات شبشرون ، أم كان يتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب فيما يسمى المدارس الأولية.
ومن الجليِّ إذن أن المعلم الذي يعتقد أن واجبه الأساسي تزويد الطفل بالمعلومات سيجد نفسه أمام موقف عسير ، فعليه أن يدرك أن كل ما في جعبته من معلومات دراسية لا يمكن أن يصل بالطفل القلِق إلى أن يصير أقل قلقًا في رجولته ، بل إن قلق الطفل بالذات قد يجعل المعلومات التي يتلقاها عبثًا ثقيلا محيرًا له ، لأنه لا يستطيع أن ينتفع به على وجه من الوجوه .
وبإزاء هذه المشكلة كان على المعلم أن يتحول ، فلم بعد مجرد " مدرس " بل إنسانا قبل كل شئ ، مستعدًّا لأن يقف من الطفل الموقف الذي تقتضيه حاجته النفسية إلى تبادل المودة والعطف ، مع ما يتطلبه هذا الموقف من المدرس من سعة صدر وما يكلفه إياه من جهد ، وفي الوقت نفسه عليه ألا يهمل القيام بوظائفه الثانوية التي لا يزال الكثيرون يرون فيها عمله الأساسي ، أعني تمكين الأطفال من اجتياز الامتحانات وبلوغ المستويات العلمية المقررة .
ونرى من هذا أن عمل المعلم قد يكون أشق من عمل الاخصائي في العيادة السيكولوجية ، فهذا يعمل على إصلاح ضر وقع ، أما ذاك فعليه أن يمنع وقوع الضرر بتهيئة الأسباب التي تساعد على النمو الطبيعي ، وهو عمل وقائي يتطلب منه بصيرة ثاقبة ، وملاحظة دقيقة دائبة ، وعناية فائقة في معاملة التلاميذ. وهناك أمران يدلان أصدق الدلالة على ما يمتاز به المعلم الحديث من المرونة والشعور الإنساني ، وهما : (أولًا) اتصاله اتصالًا وديا منتجًا بالعيادات السيكولوجية عند معالجة الأطفال المشكلين بها. (ثانيًا) اتصاله الوثيق بمنازل الأطفال واهتمامه بما فيها من ظروف قد تؤثر في حياة الطفل العاطفية.
النظام :
ولم يكن ثمة مفر من أن يغير هذا الفهم العميق لظروف الطفل مركزه في الفصل : ففي بعض الحالات ينبغي أن يعامل بكثير من التسامح ، وفي حالات أخرى يتعين التشدد فيما يطالب به . وعلى أي حال فإن التطبيق الدقيق للمبادئ الاجتماعية والخلقية بدون تمييز لم يعد من المستحب ، إذ أن من العوامل التي تساعد على زيادة احترام الطفولة الاهتمام بالمشاكل العميقة الخطيرة التي يواجهها كل طفل على انفراد . فالمدرس الآن لم يعد واعظًا أخلاقيًا ، بل صار على تمام الاستعداد ليقوم بالاشتراك مع الطفل في كشف قانون أخلاقي جديد ، يكمن الأطفال والراشدين من أن يعيشوا معًا مع احتفاظ كل منهم بشخصيته في شجاعة وإخلاص . وهذا هو المعنى الحقيقي " للنظام الحديث " ، إذ ليس المقصود منه ، كما يتوهم بعضهم ، مجرد الأخذ عرضًا بنظام للحكم الذاتي . وقد أوجب هذا الفهم الجديد للنظام على المعلم قدرًا من المرونة يفوق ما يتصوره معظم الناس.
وكثيرًا ما نسمع احتجاجًا مثيرًا للعواطف من المدرس الذي يحاول أن يطبق هذه الأفكار ، إذ يقول :
إن علم النفس يفسر كل شئ ويدعو إلى الصفح عن كل ذنب ، فماذا ينبغي بعد ذلك من المبادئ الخلفية ؟ والجواب على هذا أن تفسير علم النفس لصعوبات الطفل في التوفيق بين نفسه وبين مطالب الحياة يمدنا بوسيلة فعالة لجعل هذا التوفيق ممكنًا . فإنك إذا استطعت أن تعيد إلى الطفل " الغيران " الثقة بأنه محل عطف ، أزلت بذلك نتائج " غيرته " المضادة لقوانين الأخلاق ، كالكذب ، والتخريب ، بل السرقة . كما أنك ربما عالجت بذلك ما قد يكون به من تقصير في العمل وعجز عن فهم الدروس ، لأنك تحرر عقله من مشكلة " الغيرة " التي تأخذ عليه مسالك تفكيره ، فيصبح الطفل من جديد قادرًا على أن يحشد كل قواه لمواجهة ما يصادفه في دراسته من عقبات ومشكلات .
إن التجارب التي أجريت على الحرية في النظام لم تبن في كل الحالات على أسس حكيمة . فإننا إذ نحاول تجنب استخدام السلطة الغاشمة ونعمل على الاحتفاظ بشعور المودة في نفس الطفل نحو أبيه ومعلمه ، ونحو القانون نفسه ، كثيرًا ما نتطرف فنلقي السلطة بتاتًا . هذا ما يفعله الأب الذي يدلل طفله من قديم الزمان ، وهو بعينه ما يحدث في أنظمة الحكم الذاتي إذا لم تقم على تفكير وفهم كافيين .
ولكن الطفل لا يريد هذا . إن المحبة التي تختلج بها نفس الطفل في بداية حياته تعتمد على المعاونة المتواصلة من الوالدين . وهو في مراحل النمو التالية ، بالرغم من نقص اعتماده على الأبوين شيئًا فشيئًا ، لا يزال أشد ما يكون حاجة إلى الإرشاد والتوجيه ، ورغبة فيهما . وإنه لينتظر الإرشاد من معلمه اولًا ، ثم من جماعات خاصة من الرفاق ، وأخيرًا من المجتمع عامة .
إن حرية الفرد التامة في تصريف شئونه أمر نادر جدًا حتى بين الكبار . فنفس الإنسان - إلى ما بعد بلوغه الرشد - إنما هي خلاصة للأفكار والقيم التي استخلصها من محيط اجتماعي دائم الاتساع . وكثيرًا
ما يشعر الأطفال بالإرهاق إذا فرض عليهم نظام للتوجيه الذاتي فرضًا لم تراع فيه الحكمة . وإنني لأعرف طفلا جاء يتوسل إلى ذويه ليرسلوه إلى " مدرسة عادية " حيث لا تترك الدروس لمحض اختياره ، وحيث لا تكون مسائل الزي وآداب السلوك وكيفية قضاء وقت الفراغ مشاكل فردية ، على كل طفل أن يحلها بنفسه !
ولعلنا قد هيأنا مسألة شائقة نعود إليها في فرصة مستقبلة : وهي دراسة الصعوبات الخلقية التي تنشأ من شعور الأطفال بانعدام الاستقرار والطمأنينة عند ما يعوزهم التوجيه القائم على السلطة ، بدلًا من شعورهم بوطأة الضغط الناشئ من استعمال السلطة القامعة ، كما يحدث في المدارس التقليدية.

