الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 664الرجوع إلى "الثقافة"

التربية والتعليم

Share

أتيح لي منذ أسابيع أن أزور جامعة " ويسترن ريزيرف " بمدينة كليفلاند بولاية أوهايو بالولايات المتحدة ، وقد حداني إلى قصدها بالذات أنها جامعة أمريكية صرفة نفضت عن نفسها كل تقاليد الجامعات الأوربية واختطت طريقا خاصا بها راعت فيه حاجات إقليمها الذي قامت فيه وحاجات البلدة الأمريكية عامة ، ولا تنفرد جامعة كليفيلاند بهذا النهج ، بل يشاركها فيه عدد عظيم من الجامعات التي تقوم في النواحي الداخلية من الولايات المتحدة ، فكلها قد أهملت تلك القواعد الأوربية في إنشاء الجامعات ، وبدت كل منها وكأنها طراز خاص قائم بذاته في التعليم الجامعي ، فهي تهمل اللغات القديمة وتحل محلها أكبر عدد من اللغات الحديثة ، وتكتفي من الفلسفة بأيسر نصيب ، ولا تعنى من التاريخ إلا بالحديث والمعاصر ، وتعطي طلبة الآداب بدلا من ذلك نصيبا وافيا من دراسات تنفعهم في حياتهم العملية ككتابة الرسائل وفنون الإعلان واستعمال الآلات الحاسبة وفن الخطابة والكلام وعلم النفس التجريبي وما إلى ذلك .

* وإلى جانب ذلك رأيت الكلية مهتمة اهتماما بالغا بتربية الطلاب تربية عملية ، فهم الذين يديرون معظم الأعمال الداخلية في الجامعة كتنظيم الفرق الرياضية وحفلاتها ، وهم يديرون المقاصف والمطاعم ، ويشتركون مع الأساتذة في إدارة الكلية ؛ ولما كانت الجامعة تملك عقارات كثيرة تبرع بها نفر من أهل الخير فإن الطلبة يشتركون في هذه الإدارة ، وهم طول اليوم في الجامعة مع أساتذتهم ورجال إدارتها ، يشتركون في كل شئ وينشرون عن تجاربهم تقارير في صحيفتهم التي توزع الآلاف كل أسبوع .

وقد اجتمعت بأحد أساتذة كلية الآداب في هذه الجامعة وهو رجل اشبب مهيب ، هيئته أقرب إلى هيئات رجال الأعمال منها إلى هيئة أساتذة الجامعات ، وأبديت له عجبي من هذا الطراز الغريب من التدريس الجامعي ، وقلت له إن

المفروض أن كليات الآداب إنما تقوم لرعاية تراث الإنسانية الفكري وتلقينه للطلاب حتى لا تقطع صلة الحاضرين بالماضين ، وحتى يلم الطالب المتخصص بكل ما ألف الماضون في فرع تخصصه وبما انتهوا إليه من أساليب البحث حتى يصبح هو نفسه قادرا على البحث والإنتاج وحتي تتربى في البلاد دائما خميرة طيبة من البحاثين والدراسين الذين يحملون مشعل الأدب الجميل والبحث التاريخي الدقيق والتفكير الفلسفي القويم والسير به إلى الأمام .

فاستمع إلى حديثي ثم قال : نحن نعلم ذلك كله ، وعندنا في هذه البلاد نحو ست جامعات تعنى بما تقول وتسير على القواعد التقليدية للجامعات الأوربية فيما يتصل بالبرامج وطرق التدريس وأهدافه . وفي هذه الجامعات كغاية لتحقيق الأغراض التي تحدثت عنها . ونحن هنا في داخل الولايات المتحدة لا نؤمن بذلك ونرى أن الجامعة ينبغي أن تقدم للطالب ما يحتاجه في حياته العملية ، لا مجرد دراسات نظرية لا ينتفع من ورائها إلا القليلون . وما فائدة تدريس اللاتينية لطالب يريد أن يشتغل في الإذاعة بعد ذلك ؟ أليس الأجدى عليه أن يتعلم أساليب وضع البرامج وطرق الإذاعة والنواحي الفنية من الإعلان بطريق المذياع ؟ ثم ما فائدة إجهاد ذهنه بفلسفة العصور الوسطى . إننا نريد أن نؤهله لحياة أمريكية ذات مطالب جديدة ، ولهذا فنحن نجتهد في تكوين خلقه تكوينا عمليا ، حتى يصبح صالحا للحياة قادرا على تولي اي عمل . إن هذا النوع العتيق من التدريس الجامعي قد انزل بالشعوب الأوروبية التي أسرفت فيه أضرارا كثيرة ، إن مأساة بلد كفرنسا ترجع إلى كثرة عدد المتخرجين في الجامعات النظرية : آلاف من الشبان أنفقوا أعمارهم في دراسات قيمة بالفعل ، ولكنها لم تنفعهم في كسب رزق محترم ، فامتلأت نفوسهم يأسا ومرارة ، وهانت في أنظارهم كل القيم الاجتماعية في سبيل الكسب ،

ودخل الكثيرون منهم ميدان السياسة وفي نفوسهم حقد عظيم على المجتمع وجشع عظيم إلى الكسب عن أى طريق . وها أنت ترى النتيجة : إن تسعين في المائة من السياسيين وأعضاء البرلمان في ذلك البلد من خريجي كليات الحقوق والآداب . وحدث مثل ذلك في ألمانيا ، ليس في الدنيا بلد فيه من حملة الدكتوراه مثل ما في ألمانيا ، وهؤلاء جميعا تعلموا تعليما نظريا بحتا ، ووضعتهم شهاداتهم في مستوى عال من الناحية الذهنية ، ولكنها لم تؤهلهم للكسب أو العيش الكريم ، وانفوا أن يتناولوا أعمالا بسيطة ، لأنهم حملة شهادات عليا ، فتعطلوا وضاقت بهم سبل العيش ، ثم جاء هتار وجعل يمينهم بالخير الكثير فتراموا على أقدامه وساروا خلفه دون فهم لغاياته ، لأن تعليمهم كما قلت لك نظري صرف ، فانساقوا في الطريق المحزن ولم ينتفع بهم بلدهم في شئ . قارن بذلك بلدا كانجلترا : إن التعليم الجامعي هناك غال لا يستطيعه إلا من يريده حقا ، ولهذا لا تخرج الجامعات هناك إلا بالقدر الذي تحتاجه الأمة من ذوي الشهادات العالية ، وبقية الشبان ينصرفون إلى دراسة الفنون العملية ويتخرجون بشهادات متوسطة ثم ينصرفون إلى سد حاجات مجتمعهم العملية ، ولما كانوا يتخرجون من مدارسهم المتوسطة في سن مبكرة فإن الاندماج في الحياة العملية يربيهم ويكونهم ، ويصبحون بعد ذلك رجالا عمليين لا يسهل خداعهم ولا يفسد خلفهم التعطل ، ثم إنهم بسبب تعليمهم البسيط - لا يأنفون من أى عمل ويبدأون الحياة دائما من أول السلم . وها أنت ترى بعينيك أن الإنجليز كشعب لم يفشل في ميدان الحياة فشل الفرنسيين والألمان . إنهم يتجهون هناك نحو التربية ، أما الفرنسيون والألمان فيتجهون نحو التعليم ، والتاريخ يرينا بوضوح أن التربية أجدى على الناس من التعليم : قليل من العلم مع كثير من التربية خير من كثير من العلم مع قليل من التربية ، وليس هناك أضر على الشعوب من آلاف الجامعيين الذين يحمل كل منهم شهادة لا تدل إلا على أنه قرأ كذا كتابا ، أما نفسه وقلبه فخاويان ، لا تكوين ولا تدريب ولا فهم لطبائع الحياة ولا قدرة على الإنسجام مع حقائق الحياة الواقعية . صدقني أن التاريخ يدل بوضوح على أن النصر دائما للشعوب الحسنة التربية على الشعوب

المتعلمة ، لهذا فنحن نحاول أن نتحاشى هذا القدر ونجتهد في أن نربي نفوس الطلاب ونمرنهم على مطالب الحياة العملية ولو أدى ذلك إلى  اهمال بعض فروع الدراسة النظرية . وقد رأينا نحن أن الشبان مغرمون بالجامعة ، كل منهم يريد أن يكون طالبا جامعيا ويأنف من دخول المدرسة المتوسطة ؛ ولهذا جعلنا بعض كليات الجامعة أشبه بمدرسة متوسطة حتى تلائم بين مطالبنا وفلسفتنا في التعليم وبين غرور الشباب ، فكانت النتيجة أننا ابتدعنا لونا جديدا من الجامعات ، لونا يعني أولا وقبل كل شئ بالتربية والتكوين . أما أولئك الذين يريدون العلم لذاته ، أولئك الذين يحسون في أنفسهم الميل إلى البحث فأمامهم جامعات هارفارد ويل وبريستون وكولومبيا وبيركلي .

واستقرت في نفسي كلماته ، ومضيت أتدبر قوله " إن التاريخ يدل بوضوح على أن النصر دائما للشعوب الحسنة التربية على الشعوب المتعلمة ، ورأيت أن أطبق هذا الرأي على ماضينا قبل أن انظر في السياسة التعليمية التي ينبغي لنا أن ننتهجها في هذا البلد .

وجدت أولا أن الأمة الإسلامية كانت قبل أن يدهمها الأضمحلال أمة متعلمة . فقد حفلت بلاد المسلمين من شمال الهند إلى حدود جبال البرتات ) البرانس ( بالعلم والمتعلمين ، ولم تكن هناك قرية فما دونها إلا كان فيها من يقرأ ويكتب بل من يضم صدره العلم الغزير ، وأمامك أسماء المؤلفين ممن بقيت لنا كتبهم فانظر في ألقابهم ومواضع ميلادهم ، تجد أنه ما من قرية أو بلدة إلا أخرجت العالم والعالمين بل النفر الغفير منهم ، وتناولت كتاب تاريخ الآداب العربي لبروكلمان وبسطت أمامي خريطة العالم الإسلامي ومضيت أضع نقطة في كل بلد أو قرية خرج منها عالم أو شاعر أو فيلسوف ، وماهو إلا قليل حتى كانت الخريطة قد تغطت بتلك النقط ، ولم أصل مع ذلك إلى نصف فهرس الأسماء . ثم تناولت بعض كتب الرحلات والمسالك والممالك ومضيت أحصي أعداد من لقبه الرحالون والجغرافيون من العلماء أو المتعلمين في كل مرحلة من الطرق التى اجتازوها فملكني العجب ، وتبينت أن حالة العلم في البلاد الإسلامية حتى في

عصور الأضمحلال كانت طيبة جدا ، حتى نواحي الصحراء مثل فزان وودان وأطراف المملكة الإسلامية في نواحي سرقسطة وصقلية وسردانية وجزائر الهند وأطراف فارس إلى حدود الصين ، بل داخل الصين وفي بلاد مثل كانتون وفي داخل الدولة البيزنطية ، كان هناك من علماء المسلمين ومتعلميهم نفر ، بل نفذ علم العرب إلى أقاصي بلاد الغرب فوصلت كتبهم إلى باريس وسالرنو وبعض نواحي ألمانيا ، ولم تخل بلاد المسلمين في يوم من الأيام من علماء وصلوا إلى أقصى حدود العلم المعروف في تلك العصور ، بل تخطى علمهم عصورهم بزمان كما فعل ابن الهيثم في البصريات وابن سينا في الطب وابن البيطار في النبات والبيروني في الفلك والرياضيات ، ثم إنني لاحظت من كتب الرحلات أن بلاد الإسلام كلها لم تخل في أي موضع منها ممن يقرأ ويكتب ، فكان في كل قرية عشرات ممن يقرأون ويكتبون .

وقد كان الناس في الماضي لا يحتاجون إلى أن يتعلموا جميعا القراءة والكتابة كما هو الحال اليوم ، لأن عماد الناس لم يكن على الكتابة في كل شيء كما نفعل الآن ، لأن الكتابة تحتاج إلى ورق وحبر ، وكان الورق سلعة غالية والحبر صناعة معقدة لابد أن يتقنها من يريد الكتابة . فكان الكاتب يصنع حبره بيده كما يطبخ طعامه في بيته وكانت الكتب شيئا غاليا أو خاصا ، والقراءة والكتابة صناعة إذا أهملها صاحبها نسيها ، فلم يكن يتكلف عناء تعلمهما إلا من عول على أن يعيش من الكتابة والقراءة . - أما عامة الناس فكان تعلم القراءة والكتابة بالنسبة لهم جهدا ضائعا ، لأن مصيرهما كان إلى النسيان لقلة الاستعمال ، ثم إن الناس كانوا يجدون الكفاية ممن يقرأ ويكتب في كل زمان ومكان ، وكانوا يجدون من يحدثهم بما في بطون الكتب وميادين العلم في كل حين . ومن ثم لم يتكلف معظمهم تعلم القراءة والكتابة لانعدام الحاجة الماسة إليهما دون أن يكون معنى ذلك أن يظلوا جهلاء ، فقد كان الجو حولهم عامرا بالعلم والعلماء والكاتبين والقارئين . فلم يكن العالم الإسلامي إذا عالما جاهلا بل متعلما ، ولا يمكننا رد انهياره إلى شيوع الجهل كما يقع في ظنون الكثيرين

ونظرت من ناحية اخرى إلى التربية في العالم الإسلامي

فتبينت حقائق تنير موضوع بحثنا هذا ، وأنا أقصد بالتربية تكوين الناشئين وتهيئتهم لمواجهة مصاعب الحياة ومطالب المجتمع ، ولا أقصد بذلك علم التربية ، فرأيت أن الناشئ المسلم في هذه العصور نفسها كان يخرج إلى الحياة دون تربية أصلا ، فتعدد الزوجات وكثرة العيال في البيت الواحد حالت بين الوالد وتربية أولاده ، ثم إن هوان شأن المرأة في البيت وعيشها تحت رحمة الضرائر والطلاق ، هبط بها إلى مراتب الهوان والذل وجعلها أشبه بالرقيق . ومن كانت هذه حالته لم يكن بقادر على تربية الأولاد أو تكوينهم ، والأم هي التي تربي الأولاد وتهذبهم ، وهي لا تستطيع ذلك إلا إذا كانت لها في نفسها سيادة وفي بيتها اطمئنان ، ومن ثم لم تستطع القيام بواجبها في تربية أولادها ، ولم يصبح البيت الاسلامي مكان تربية بل مكان إفساد ، بسبب ما يمر تحت نظر الصبي من مناظر الخصومة بين الضرائر ، وبسبب ما يراه من تحقير أبيه لأمه وانصرافه إلى غيرها من النساء وإذلالها بشتى صنوف المهانة والتحقير .

ثم إن العالم الذي كان الناس يعيشون فيه كان عالما لا يوحي إلى النفس أى معنى كريم أو خلق رفيع ، فقد تحولت الدولة الإسلامية من أوائل العصر الأموي إلي استبدادية عسكرية يقوم على رأسها خليفة أو سلطان أو حاكم لا يعتمد إلا على طوائف من الجند وأصناف المرتزقة ، وكانت نظرة الحاكم إلى رعيته نظرة الصياد للطائر يستحل لنفسه مال أي واحد منها ودمه ، وكلما مست أولئك الحكام الحاجة إلى مال عمدوا إلى من عنده مال فاستصفوه ، وكلما ثارت بنفوسهم الريب من ناحية إنسان عمدوا إلى دمه فأراقوه ، فانبثت همم الناس عن طلب الرزق والاستكثار من الكسب وإظهار النعمة حذرا من طمع الحكام ، وانصرفت الهمم عن الاشتغال بما نسميه اليوم الأعمال العامة طلبا للسلامة وبعدا عن مواطن الريب ، وقعد الناس عن إتقان الحرف ، لأن الذي يكلف نفسه عناء إتقان صناعة يفعل هذا وهو يرجو بيعها لمن يقدرها والتنعم بمكاسبها ، فأما وقد كان عامة الناس لا يملكون المال الذي يشترون به ، الطرفة الطيبة ، أو يملكونه ولا يجرءون على إظهاره ، وأما ورجال السلطان يطوفون بأصحاب الحرف كالذئاب يقدرون عليهم المغارم

والجبايات ، فقد قعدت همم الناس عن تجويد الحرف ، ولم تعد تجد في العصور المتأخرة منهم إلا القليل النادر . والمغريزي نفسه يحدثنا في كشف القمة ، عن ندرة الصناع في بلد اشتهر أهله بتجويد الصناعات كمصر ، فما بالك بالحال في نواحي العالم الإسلامي الأخرى ؛ وإن الناظر إلى ما خلفته هذه العصور الماضية من طرف الصناعات وبدائع الآثار ليجدها قليلة جدا بالنسبة لما كان ينتظر من عالم واسع متحضر كالعالم الإسلامي ، فإن مجموع ما لدينا من آثار العمارة والفن الإسلامي خلال هذه العصور الطويلة لا يزيد على ما تجده في بلد صغير مثل هولندا .

ثم إن حكام المسلمين من مطالع العصر العباسي درجوا على أن يعتمدوا على الجند الأجانب في تأييد عروشهم ، وكان دافع العباسيين إلى ذلك أول الأمر سوء الظن بالعرب ، ثم درجوا على ذلك وأصبحت قاعدة من قواعد الحكم ، ولم يعد الحكام يفكرون في استغار رعاياهم للحرب وتربيتهم تربية عسكرية إلا في النادر ، وغدت الشعوب الإسلامية شعوبا مغلوبة على أمرها يحتلها الأجانب في الواقع ، فكان لهذا أسوأ الأثر على أخلاق أهلها ، فقد حرم رجالها فرص الاشتراك في الحروب وما يتأصل في النفس تبعا لذلك من شعور العزة والكرامة والنجدة والفتوة ، واستقر في نفوسهم شعور من القهر والذل والمسكنة .

والناس منذ خلقوا تربيهم البيوت أولا ثم الأندراج في تيار الحياة ومعاناة الصنائع والحرف والتعرض لطلب العيش ثانيا ، ثم الاشتراك في الحروب ثالثا . مما يبعث في نفوسهم الحمية والعزة من ناحية ، ويفتح أمامهم سبل الحكم وإدارة الأمور في بلادهم ، ويوطد الصلة بينهم وبين الأرض التي يعيشون عليها من ناحية اخرى ؛ وقد حرم أهل الدولة الإسلامية هذه الفرص الثلاث ، خرجوا إلى الحياة دون تربية أصلا وغلب على نفوسهم الاستسلام للقدر والهلع أمام حوادث الأيام ، والسذاجة التي تبعث إلى الدهشة في كثير من الأحيان .

ولم ينفع العالم الإسلامي علمه ، لأنه كان علما نظريا لا يقويه بتربية صالحة ، بل كان المتعلمون أنفسهم وبالا على أمهم من نواح كثيرة . لأن تعلمهم اشعرهم بأنهم أرفع

مستوى من عامة الشعب وأنهم ينتمون إلى السلاطين والحكام ، فجروا في ركابهم التماسا للعيش ، حتى الفقهاء منهم جعلوا همهم إصدار الرخص والفتاوى لتبرير أعمال أهل الحكم . وأنا أتكلم هنا عن الكثرة الغالبة ، لأن الواقع أنه كان هناك قلائل ربأوا بانفسهم عن ذلك السبيل ، ولكنهم كانوا قلة لا يعول عليها في قياس . وعندما يقرأ الإنسان بعض ما خلفه أولئك العلماء يملكه العجب من سذاجتهم وقلة فهمهم لشئون الحياة وطبائع البشر على رغم علمهم الواسع في نواح معينة ، وهي سذاجة مصدرها قلة التجربة وانعدام التربية والتكوين . وكان الحكام يلجأون في بعض الأحيان إلى أدباء أو شعراء أو فقهاء ، فيتخذون منهم الوزراء والمشيرين ، فكانوا يسومون الأمور على نحو هو أسوأ من سياسة قادة الجند الأجلاف لها ، وذلك بسبب السذاجة وقلة التربية أيضا ، وهذا هو ما حدا بابن خلدون إلى أن يقول في مقدمته إن الفقهاء والمؤدبين إذا تعرضوا لشئون الحكم ساءت عاقبتهم وعاقبة الحكم على أيديهم أيضا .

فإذا التفتنا ناحية أوربا خلال عصور الإسلام الزاهرة رأينا صورة تخالف ذلك كل المخالفة ، رأينا شعوبا ران على نفوسها جهل شديد ، كان هناك نفر من الرهبان وأهل الكنائس يقرأون ويكتبون ، ولكن عامة الناس ، حتى الحكام والقادة والأمراء كانوا لا يقرأون أولا يكتبون إلا في النادر ، حتى إن شرلمان نفسه كان لا يكتب إلا اسمه وبصعوبة بالغة ، وكنت تبحث في البلد الكبير عمن يقرأ كتابا أو يكتب خطابا فلا تجد ، وعندما نطلع نحن على ما خلفته هذه العصور الأوربية من كتب ندهش لهذا الجهل العميق ، وعندما وصلت إليهم كتب العرب تلقفوها بشوق العطشان إلى الماء ، وجعلوا يتدارسونها كأنها صادرة من أهل كوكب آخر .

يبد أنها كانت إلى جانب ذلك شعوبا مجربة تعرض رجالها لمضانك الحياة ومتاعب الحروب ، وعاشت في بيئات جغرافية قاسية قضت على الضعفاء منهم أولا فأولا ، ولم تبق إلا على الأقوياء الصالحين . ولم يطمئن كل شعب منها في إقليمه إلا بعد معاناة حروب طويلة مهلكة مع جيرانه .

فصلبت أعواد رجالها وضربت نفوسهم على الحروب وأفادوا من غمار الحروب ومعاناة أمور السياسة والحكم ما جعلهم جلهم ذوي خبرة وفهم لشئون الحياة وجرأة على ركوب الأخطار ، فلم يجد حكامهم أنفسهم مضطرين إلى البحث عن الجنود المرتزقين خارج بلادهم . واعتمدوا على رعاياهم في تكوين جيوشهم ، لأن هؤلاء الرعايا كانوا يعيشون في دويلات صغيرة أو كبيرة كل منها إقطاعية ، يعتمد صاحب الإقطاعية على ما يؤديه إليه من يعيشون في إقليمه من الخدمة العسكرية ، ويعتمد الملك على ما يقدمه إليه أصحاب الإقطاعيات من معاونات عسكرية ، فكان صاحب الإقطاعية حريصا على ولاء أهل إقطاعيته والملك ، حريصا على ولاء مقطعيه ، ومن ثم جرت العادة على أن يتراضى صاحب الإقطاعية مع من يسكنون أرضه ويتراضى الملك مع أصحاب الإقطاعيات ، فلا يدخل إنسان في ولاء إنسان إلا بموجب وثيقة محددة الشروط تبين بوضوح حقوق هذا وحقوق ذاك ، فدرج الأوربي في العصر الوسيط على النظر في أمور نفسه والتفكير فيما له وما عليه ، وكان اشتراكه في جيش الإقطاعية أو جيش الملك وقاية له من الذل للسادة ، ونما في نفسه دائما شعور المسئولية والإحساس بأنه قادر على الدفاع عن نفسه إذا لزم ذلك .

ثم إن حياة الناس في إقطاعيات منفصل بعضها عن بعض ألزم أهل كل إقطاعية أن يصنعوا بأنفسهم كل ما يلزمهم من أدوات وسلاح ، وكان كل صاحب اقطاعية ينافس جيرانه في مظاهر الحياة وعدة الحرب ، فحرص على الصناع من أهل اقليمه واجتهد في ترضيتهم وتشجيعهم ولم يجرؤ على غصبهم اموالهم خوفا من أن يثور عليه أهل الإقطاعية ويرفضوا أداء الخدمة العسكرية وعليها معول سلطانه . فنشطت نفوس الناس هناك للعمل والإنتاج . وكثر الصناع والتجار ، وغنيت قلوب الناس هناك بشعور الرجولة والعزة وكسبوا من معاناة الحرف والكسب الطيب من ورائها خبرة بشئون الحياة ومعرفة بما ينبغي لها من صبر وخلق .

وإلى جانب ذلك درج أولئك الناس على الزواج بالواحدة منذ دخولهم المسيحية ، فكانت المرأة على ضآلة شأنها في ذلك المجتمع آمنة في بيتها مطمئنة إلى أولادها ، والمرأة إذا

اطمأنت من هذه الناحية قامت بواجبها الطبيعي وهو تربية الأولاد ، وبفضلها تأصلت " فكرة البيت " في النفوس ، ونبتت في البيوت مع مضي الزمن تقاليد أسرية بينية كان لها اكبر الأثر في تهذيب نفوس أولئك الناس على مر السنين ، وحرصت المرأة بطبيعتها على أن تدخر لنفسها ولأبنائها ، لأنها كانت تشعر - مهما ساءت العلاقات بينها وبين زوجها - أن أحدا لن يقتلعها من هذا البيت ، وان امرأة أخرى لن تشاركها فيه ، ونشأ الأولاد في هذه البيوت الآمنة فتأصل في نفوسهم شعور الأمان ، وخرجوا إلى الدنيا يعملون في مجتمع امن مستعد لتقبل ثمرات الصناعة والفن ، يختلف كل الاختلاف عن جو الغصب والمصادرة والاستصفاء الذي كان الصانع ينشأ فيه في المجتمعات الإسلامية ، فمضى الصناع يعملون في اجتهاد ، وأخذت الصناعة ترقى ، وغنيت المدن الكبيرة والصغيرة في غرب أوربا بالمباني الجميلة الياسفة يزينها الرياش الطيب ، وقدم أولئك الصناع لجيوش بلادهم من يديع الأسلحة والزرود ودروع الحديد ما كان نادرا في بلاد الإسلام ، ومن ثم فإننا نرى الشرق الإسلامي يخوض معركة خاسرة مع النصرانية ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي ، وما عليك إلا أن تتبع تفاصيل المواقع والمصادمات من الجانبين في صقلية وأسبانيا حتى تتبين صدق ما أقول ، وهزائم الإسلام في هذين الميدانين إنما هي نتيجة لامتياز جيوش النصارى في العدة والسلاح وثبات الجند النصارى مع قوادهم ، لأنهم لم يكونوا مجموعين بالقوة والغصب كما كان يحدث في تكوين جيوش الإسلام في هذه الناحية ؛ ولا يمكن الاعتراض على هذا بما حدث أثناء الحروب الصليبية ، لأن انتصارات الإسلام على النصرانية في تلك الحروب كان مرجعها في الغالب إلى بعد الصليبيين عن ديارهم وصعوبة حصولهم على الإمدادات ، بينما المسلمون يحاربون في عقر دارهم ؛ ثم إن الإسلام لم يكسب انتصارات حربية حقيقية في الصليبيات إلا بفضل عبقرية صلاح الدين ، وهذا وحده عامل كبير يحمل انتصارا كخطين خارجا عن موضوع القياس ، وإذا أردت أن تتحقق من ذلك فانظر إلى صراع الإسلام والنصرانية في الأندلس .

هكذا انتصر مجتمع جاهل حسن التربية على مجتمع متعلم سئ التربية ، هكذا لم ينفع المسلمين علمهم على بعد افاقه وانتشاره . ونفعت أولئك الأقوام تربيتهم على ما كان يسود مجتمعهم من الجهل والظلام . لقد انتصرت الشعوب الحسنة التربية على الشعوب المتعلمة في العصور الوسطى كما حدث في العصر الحديث . ثم إن العالم الإسلامي انهار بعد ذلك ولم ينفعه علمه ، انهار واضطربت شئونه على رغم آلاف المتعلمين الذين كانوا يتولون شئون الدولة في المكاتب والدواوين . بل إنك لتجد أن سوء تربية أولئك المتعلمين كانت من أسباب ضياع الدولة ، فكان العلماء من أسرع الناس انقيادا للحكام ومعاونة لهم على الفساد . ولو أنك أردت أن تتعرف مفهوم التربية الحسنة مما بين أيدينا من مؤلفات المسلمين في هذا الباب ، لوجدتها كلها تربية خضوع وضعف وذلة وحيلة ومراوغة وحض على الابتعاد عن الدنيا خوفا من شرورها وغرورها لا عن طريق الشبع والزهد الصحيح ، وليس في الدنيا أدب فيه من الشحاذة والتسول والترامي على أقدام ذوي الجاه والشذوذ كما في تراثنا الذي نتدارسه ، و " العلة الأولى " في ذلك هي سوء التربية لا قلة العلم .

علتنا إذا هي سوء التربية لا الجهل ، وقد بسطت فيما سلف من الكلام ما أردته " بسوء التربية " وعرفت بالأسباب التاريخية لذلك ، وليس من الغريب والحالة هذه أن تكون محنتنا الراعنة محنة أخلاق لا جهل ، وشكوانا من ضعف أخلاق المتعلمين أحر من شكوانا من جهل الجهلاء .

وقد كان العلاج الصحيح الذي يرفعنا من الوهدة هو الاهتمام بالتربية قدر اهتمامنا بالعلم ، وان تكون مدارسنا معاهد للتربية لا فصولا يحشر فيها الطلبة حشرا ليلقى عليهم المدرس قشورا من العلم ، وكنا قد سرنا في هذا الطريق الصحيح ، واجتهدنا في أن يكون المدرس بيداجوجيا مكتمل التدريب ، وبذلنا عناية كبرى في إعداد المدرسين ، ولكن هذا الطريق بدا طويلا بطيئا لقوم يتعجلون النتائج وينظرون إلى الكم لا إلى الكيف ، وحسبوا أن العبرة بكثرة المتعلمين ، غير ناظرين إلى ما يتعلمون وغير ملتفتين إلى ما ينبغي أن تكون عليه التربية الصحيحة ،

وها هي ثانوياتنا تعج بآلاف الطلاب لا يكادون يتعلمون شيئا ، وقضينا بجرة قلم على التعليم الصناعي وفائدته لنا لا تقل عن فائدة الجامعات ، وحولنا المدرس الجامعي إلى خطيب يلقي دروسه على مئات الطلاب دون أن تكون أمامه أي فرصة للتعرف عليهم وتربيتهم ، ودون أن تكون أمامهم أي فرصة للإفادة منه ، إننا نجري في هذا الباب وراء أمم لا تبنية أثبتت التجارب فشلها في ميدان الحياة أمام غيرها . . وهذا الغير - وهم الإنجليز والأمريكيون - يدققون في قبول طلبة الثانويات ، وبتقاضون المال الكثير عن التعليم في الجامعات ، فلا يظفر به إلا من يريده حقا أو من يؤهله امتياز واضح للتعليم بالمجان ، أما بقية الطلاب فأمامهم المدارس الصناعية وأبواب الحرف ، ولم يقل أحد إن صاحب الحرفة لا يكون إلا سقط المجتمع ونفاية الناس ! إن العامل مفيد للأمة كالطبيب ، وصاحب الحرفة في نفس المستوى مع القانوني من حيث الخدمة التي يؤديها للمجتمع ، ولن يرتفع مستوي عمالنا ، ولن يكثر ويصح إنتاجهم إلا إذا خرجوا من أوساط المتعلمين ، وإلا إذا كانوا في نفس المستوي العقلي الذي يعيش فيه الأطباء والمهندسون والمحامون ، وهذا - على الأقل - هو ما تجده في بلاد موفقة كانجلترا والولايات المتحدة .

اشترك في نشرتنا البريدية