الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341الرجوع إلى "الثقافة"

الترجمة، خير الوسائل لتزاوج الحضارات

Share

يقول علماء النبات إن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره أنتج نمراً أحلى من النباتين ؛ فالتفاح إذا طعم بالكمثرى جاء فاكهة جديدة ، أحلى مذاقا ، واعطر شذى ، وكان بالتالى فى السوق أكثر طلبا وأغلي ثمنا ، ففيه طعم الفاكهتين ورائحتهما .

ويقول علماء الورانة والباحثون في الذكاء : إن الأسرة أو القبيلة بتزوج أفرادها بعضهم البعض الآخر يكون مصير أجيالها الضعف والباء جيلا بعد جيل ، وعلى الكس إذا دخل الأسرة دم جديد من اسرة او اس جديدة ، جاء النسيل كثر قوة ، واذ في عقلا ، وبالتالي أصلح للبقاء وأفوي علي النضال في الحياة .

ويقول علماء التاريخ والاجتماع والحضارة : إن الشعب أو المجتمع أو الدولة أو الحضارة التى تعيش وحدها ، وتنطوى على نفسها ، ولا يصيبها تطعيم أو تلقيح من حضارة غيرها ، يكون مصيرها الضعف والانحلال - ولا نقول الزوال - فإنها تبقى موسومة فى سجل التاريخ بأنها حضارة ضعيفة ؛ وهكذا نجد أن الحضارات القديمة كانت دائما على اتصال ، فإذا ضعفت الحضارة القديمة قامت الحضارة اللاحقة لها ، وفيها جماع مافى سابقتها من خير ، تتخذه كأساس لتبنى فوقه أبحاثا ، وكشوفا ، وعلوما ، وآدابا ، وفنونا جديدة هى كلها ثمرات لمجهود بشرى جديد .

ولهذا لا نجد الحضارة - من قديم - وقفا على شعب واحد دون غيره ، بل هى كالوديعة يتناولها أبدا الشعب القوى فيزيد فيها وينميها ، حتى إذا انتابته عوامل الضعف والكلال ، أسلمها أمانة - أيضا - إلى الشعب

الذى ولد جديدا وفيه عناصر القوة الجديدة ، وهكذا دواليك ؛ فلا عجب إذاً أن يجد طالب الفلسفة الحديثة - مثلا - نفسه فى حاجة لان يدرس تاريخ الفلسفة والفلاسفة عند أمم الشرق القديم ، ثم عند اليونانيين ، ثم عند المسيحيين والمسلمين فى العصور الوسطى ، إلى أن يصل إلى العصر الحديث ؛ لأنه يجد للفلسفة قصة طويلة واحدة لا يمكن أن يقرأ فصلها الأخير ويفهمه ، إلا إذا بدأ بالفصل الأول فاستوعبه ، ثم أتبعه الفصول الاخرى فتفهمها ، وهذا مثل بسيط ينطبق على كل علم أو فن أو أدب ، بل وعلى كل فرع من علم أو فن أو أدب .

وطرائق التطعيم والتلقيح بين الحضارات بعضها والبعض الآخر كثيرة مختلفة تختلف باختلاف العصور ، فقد كان الاتصال والتأثير عن طريق الحروب أحيانا ، وعن طريق الهجرة والرحلة أحيانا أخرى ، وقد كانت وساطته التجارة آنا ، والسفارة آنا آخر ، والزواج آنا ثالثا . . . الخ ، غير أن نقل العلوم من حضارة إلى حضارة وترجمتها من لغة إلى لغة كانت هى الوسيلة المشتركة دائما ، والناجحة أبدا .

فهؤلاء هم العرب كانت حضارتهم قبيل ظهور الإسلام - إذا استثنينا ما قام فى اليمن من حضارات قديمة - حضارة بدائية إذا قورنت بغيرها من الحضارات التى كانت تجاورها كالحضارة المصرية ، أو الحضارة البيزنطية ، أو الحضارة الفارسية . وانتشر الإسلام فى سرعة جامحة عجيبة شهد لها العالم أجمع ، وورث فى سنوات قليلة أملاك الدولتين المجاورتين ، وأخذ الدين الجديد ينتشر بين الأهلين ، وأصبحت له حكومات فى هذه البلاد الجديدة ، وتزاوج الشعب العربى مع هذه الشعوب جميعا جنسا ولغة وحضارة . غير أن القرن الاول للدولة الإسلامية الجديدة انقضى والجهود تبذل لتوطيد الدعائم ، وتثبيت الأسس ؛

وبذلت جهود ضئيلة فى عهد بنى أمية للنقل عن علوم الروم والفرس ، ولم يبدأ العصر الذهبى للحضارة الإسلامية إلا فى عنفوان الدولة العباسية - فى عصرى الرشيد والمأمون - ، حيث أقبل العلماء - يدفعهم ويشجعهم هذان العاملان العظيمان على الترجمة عن اللغات الأجنبية ، فترجمت كتب كثيرة فى الطب والفلك والرياضة والفلسفة والجغرافية . . الخ . . ، ومنذ ذلك الحين تفتحت عقول المسلمين وأقبلوا يقرأون ويفهمون ، ثم أدبروا يفكرون ويبحثون ، فكان لهم بعد ذلك طب إسلامى ، وفلك إسلامى ، ورياضة إسلامية ، وفلسفة إسلامية ، وجغرافية إسلامية . . الخ . . ،  وكون هذا كله حجارة جديدة ، وطابقا جديدا فى بناء الحضارة العلمية انبعث منه وسط دياجير العصور الوسطى المظلمة أشعة قوية نفاذة ملأت بلدان أوربا وممالكها نورا على نور ، وكانت مبعث النهضة الأوربية الحديثة وبعض مقوماتها ، وكان السلاح القوى لنقل هذه الحضارة الإسلامية إلى أوربا وقتذاك هو الترجمة أيضا ، فقد ترجمت معظم مؤلفات المسلمين فى هذه العلوم إلى بعض لغات أوربا ، وخاصة اللغة اللاتينية - لغة العلم والتعليم فى أوربا فى تلك العصور - بل وكان العرب هم الذين يدرسون فى بعض تلك الجامعات وخاصة إيطاليا .

انتقلت الحضارة الإسلامية الى أوربا عن طرق ثلاث : أ - اتصال الأوربيين بالمسلمين فى الأندلس ومملكة الصقليتين . ب - التجارة . ج - الحروب الصليبية .

وانقلب الأوربيون - بعد أن منوا بالفشل فى الحروب الصليبية - إلى عقر دارهم ، وقد بهرتهم أنوار الحضارة الإسلامية ، ومعهم مفاتيح تلك الحضارة ، فتفرغوا لها يقتبسون معالمها ، وينقلون آثارها ، ويدرسون تواليفها .

وساعدتهم عوامل جغرافية وتاريخية اخرى على أن يسيروا بالحضارة فى دورها الجديد على طريقة جديدة تعتمد أكثر ما تعتمد على التفكير الحر أولا ، وعلى الملاحظة والتجربة ثانياً ، وقد مهد لهم هذا كله السبيل إلى كشوف علمية جديدة كانت هي الطلائع الممهدة لظهور حضارة القرنين التاسع عشر والعشرين .

وعندما بدأت مصر نهضتها الحديثة فى عصر محمد على اتجهت إلى الغرب تنقل عنه علومه وتترجم كتبه وتآليفه ، وفى يقينى أننا - ونحن فى طريقنا إلى استكمال هذه النهضة - فى حاجة ماسة إلى استئناف هذه الحركة بجهود وتوجيهات كثيرة صالحة .

اشترك في نشرتنا البريدية