يقول علماء النبات إن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره أنتج نمراً أحلى من النباتين ؛ فالتفاح إذا طعم بالكمثرى جاء فاكهة جديدة ، أحلى مذاقا ، واعطر شذى ، وكان بالتالى فى السوق أكثر طلبا وأغلي ثمنا ، ففيه طعم الفاكهتين ورائحتهما .
ويقول علماء الورانة والباحثون في الذكاء : إن الأسرة أو القبيلة بتزوج أفرادها بعضهم البعض الآخر يكون مصير أجيالها الضعف والباء جيلا بعد جيل ، وعلى الكس إذا دخل الأسرة دم جديد من اسرة او اس جديدة ، جاء النسيل كثر قوة ، واذ في عقلا ، وبالتالي أصلح للبقاء وأفوي علي النضال في الحياة .
ويقول علماء التاريخ والاجتماع والحضارة : إن الشعب أو المجتمع أو الدولة أو الحضارة التى تعيش وحدها ، وتنطوى على نفسها ، ولا يصيبها تطعيم أو تلقيح من حضارة غيرها ، يكون مصيرها الضعف والانحلال - ولا نقول الزوال - فإنها تبقى موسومة فى سجل التاريخ بأنها حضارة ضعيفة ؛ وهكذا نجد أن الحضارات القديمة كانت دائما على اتصال ، فإذا ضعفت الحضارة القديمة قامت الحضارة اللاحقة لها ، وفيها جماع مافى سابقتها من خير ، تتخذه كأساس لتبنى فوقه أبحاثا ، وكشوفا ، وعلوما ، وآدابا ، وفنونا جديدة هى كلها ثمرات لمجهود بشرى جديد .
ولهذا لا نجد الحضارة - من قديم - وقفا على شعب واحد دون غيره ، بل هى كالوديعة يتناولها أبدا الشعب القوى فيزيد فيها وينميها ، حتى إذا انتابته عوامل الضعف والكلال ، أسلمها أمانة - أيضا - إلى الشعب
الذى ولد جديدا وفيه عناصر القوة الجديدة ، وهكذا دواليك ؛ فلا عجب إذاً أن يجد طالب الفلسفة الحديثة - مثلا - نفسه فى حاجة لان يدرس تاريخ الفلسفة والفلاسفة عند أمم الشرق القديم ، ثم عند اليونانيين ، ثم عند المسيحيين والمسلمين فى العصور الوسطى ، إلى أن يصل إلى العصر الحديث ؛ لأنه يجد للفلسفة قصة طويلة واحدة لا يمكن أن يقرأ فصلها الأخير ويفهمه ، إلا إذا بدأ بالفصل الأول فاستوعبه ، ثم أتبعه الفصول الاخرى فتفهمها ، وهذا مثل بسيط ينطبق على كل علم أو فن أو أدب ، بل وعلى كل فرع من علم أو فن أو أدب .
وطرائق التطعيم والتلقيح بين الحضارات بعضها والبعض الآخر كثيرة مختلفة تختلف باختلاف العصور ، فقد كان الاتصال والتأثير عن طريق الحروب أحيانا ، وعن طريق الهجرة والرحلة أحيانا أخرى ، وقد كانت وساطته التجارة آنا ، والسفارة آنا آخر ، والزواج آنا ثالثا . . . الخ ، غير أن نقل العلوم من حضارة إلى حضارة وترجمتها من لغة إلى لغة كانت هى الوسيلة المشتركة دائما ، والناجحة أبدا .
فهؤلاء هم العرب كانت حضارتهم قبيل ظهور الإسلام - إذا استثنينا ما قام فى اليمن من حضارات قديمة - حضارة بدائية إذا قورنت بغيرها من الحضارات التى كانت تجاورها كالحضارة المصرية ، أو الحضارة البيزنطية ، أو الحضارة الفارسية . وانتشر الإسلام فى سرعة جامحة عجيبة شهد لها العالم أجمع ، وورث فى سنوات قليلة أملاك الدولتين المجاورتين ، وأخذ الدين الجديد ينتشر بين الأهلين ، وأصبحت له حكومات فى هذه البلاد الجديدة ، وتزاوج الشعب العربى مع هذه الشعوب جميعا جنسا ولغة وحضارة . غير أن القرن الاول للدولة الإسلامية الجديدة انقضى والجهود تبذل لتوطيد الدعائم ، وتثبيت الأسس ؛
وبذلت جهود ضئيلة فى عهد بنى أمية للنقل عن علوم الروم والفرس ، ولم يبدأ العصر الذهبى للحضارة الإسلامية إلا فى عنفوان الدولة العباسية - فى عصرى الرشيد والمأمون - ، حيث أقبل العلماء - يدفعهم ويشجعهم هذان العاملان العظيمان على الترجمة عن اللغات الأجنبية ، فترجمت كتب كثيرة فى الطب والفلك والرياضة والفلسفة والجغرافية . . الخ . . ، ومنذ ذلك الحين تفتحت عقول المسلمين وأقبلوا يقرأون ويفهمون ، ثم أدبروا يفكرون ويبحثون ، فكان لهم بعد ذلك طب إسلامى ، وفلك إسلامى ، ورياضة إسلامية ، وفلسفة إسلامية ، وجغرافية إسلامية . . الخ . . ، وكون هذا كله حجارة جديدة ، وطابقا جديدا فى بناء الحضارة العلمية انبعث منه وسط دياجير العصور الوسطى المظلمة أشعة قوية نفاذة ملأت بلدان أوربا وممالكها نورا على نور ، وكانت مبعث النهضة الأوربية الحديثة وبعض مقوماتها ، وكان السلاح القوى لنقل هذه الحضارة الإسلامية إلى أوربا وقتذاك هو الترجمة أيضا ، فقد ترجمت معظم مؤلفات المسلمين فى هذه العلوم إلى بعض لغات أوربا ، وخاصة اللغة اللاتينية - لغة العلم والتعليم فى أوربا فى تلك العصور - بل وكان العرب هم الذين يدرسون فى بعض تلك الجامعات وخاصة إيطاليا .
انتقلت الحضارة الإسلامية الى أوربا عن طرق ثلاث : أ - اتصال الأوربيين بالمسلمين فى الأندلس ومملكة الصقليتين . ب - التجارة . ج - الحروب الصليبية .
وانقلب الأوربيون - بعد أن منوا بالفشل فى الحروب الصليبية - إلى عقر دارهم ، وقد بهرتهم أنوار الحضارة الإسلامية ، ومعهم مفاتيح تلك الحضارة ، فتفرغوا لها يقتبسون معالمها ، وينقلون آثارها ، ويدرسون تواليفها .
وساعدتهم عوامل جغرافية وتاريخية اخرى على أن يسيروا بالحضارة فى دورها الجديد على طريقة جديدة تعتمد أكثر ما تعتمد على التفكير الحر أولا ، وعلى الملاحظة والتجربة ثانياً ، وقد مهد لهم هذا كله السبيل إلى كشوف علمية جديدة كانت هي الطلائع الممهدة لظهور حضارة القرنين التاسع عشر والعشرين .
وعندما بدأت مصر نهضتها الحديثة فى عصر محمد على اتجهت إلى الغرب تنقل عنه علومه وتترجم كتبه وتآليفه ، وفى يقينى أننا - ونحن فى طريقنا إلى استكمال هذه النهضة - فى حاجة ماسة إلى استئناف هذه الحركة بجهود وتوجيهات كثيرة صالحة .

