الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45 الرجوع إلى "الثقافة"

الترجمة الذاتية، (ترجمة الكاتب لنفسه)

Share

كان جيته صادقًا حقًا ، موفقًا أعظم التوفيق ، حين أطلق على ترجمته لنفسه اسم " الشعر والحقيقة " ، فكل ترجمة ذاتية ، مهما يكن من دقة صاحبها ، وبراعته في الوصف ، وقدرته على التحليل والتصوير ومهما يكن من حرصه على أن يكون صريحًا عاري الصراحة ، قاسيًا في تشريح نفسيته والكشف عن نواحي حياته الحساسة المستورة ، هي لا بد مزيج اشترك في تكوينه عاملان متعارضان هما الحقيقة والخيال ، وكلا العاملين ضروري ، وكلاهما أيضًا صادق .

فمن من الناس أقدر على وصف حياةٍ من صاحب هذه الحياة ؟ ومن أدرى منه بجهازها المعقد الدقيق وهو صانعها ؟ ومن أشد إحساسًا منه بها وهو بطلها الممثل لمأساتها ، المُعاني لأطوارها وأحداثها ، المبدع لمضمونها

الروحي ومحتوياتها ؟ ألا إنه وحده هو الذي يستطيع أن يعرف الدوافع الحقيقية التي دفعته إلى ما قام به من أعمال لعلها أن تكون غير مقصودة ، أو مقصودة على نحو آخر غير الذي جرت عليه بالفعل . وهو الذي يدرك تمام الإدراك ، أو على أقل تقدير هو أقدر الناس على إدراك المؤثرات التي خضع لها في حياته الباطنة وحياته الخارجية الظاهرة ، والعواطف المختلفة التي تضطرب بها نفسه ، والمشروعات الناقصة ، والخواطر القلقة التي أجالها في ذهنه . وما أشد حرص الإنسان على أن يستر من أحواله عن الناس الشئ الكثير ؛ فللإنسان رغبات وميول طبيعية ، وله نزعاتٌ نحو معان لا تقره عليها الجماعة ، وتنكرها منه أشد الإنكار ، فيحاول هو أن يحققها في غفلة منها ، فلا يعلم الناس من أمرها شيئًا.

هذا في داخل نفسه ، وهو في حياته الخارجية ليس بأقل قدرة . لأن الإنسان كالبؤرة الضوئية تتجمع فيها أشعة يكاد يكون من المستحيل على من هو خارج البؤرة أن يتبين مصادرها ، ويحصر مداها ، ويدرك أثرها ومقدارها ؛ فإن لبعض هذه الأشعة سبلا ملتوية معقدة ، ولبعضها الآخر مسارب خفية لا تستبين للناظر إلا عند أطرافها البعيدة ، أو لا تكاد تظهر إلا لدى طرف واحد ، هو المكان الذي تنتهي إليه ، أي صاحب الحياة التي تكونها هذه الأشعة.

ثم إن القدرة على التعبير عن التجارب الروحية لا تتوفر لإنسان ما من الناس كما تتوفر لمن يعانيها . فهو وحده القادر على الكشف عن شدتها النوعية ، ووصف الفروق

الدقيقة بين أطوار التجربة الروحية الواحدة ، وتلوينها بألوان لانهاية لتدرجها . وفي هذه التجارب الروحية تتلخص حياة الإنسان بمعناها الصحيح ، لأن بها وحدها يتميز الفرد الواحد عن الآخر . أما التجارب الخارجية فالعادي منها يكاد الناس جميعًا أن يشتركوا فيه ، والممتاز من بينها ليس في الواقع إلا المظهر الخارجي للتجارب الروحية التى تقابلها ، والتي هي ينبوعها الذي تصدر عنه .

كل هذا يؤكد جانب " الحقيقة " في الترجمة الذاتية ، فيكفي من يصف حياته أن يكون أمينًا في هذا الوصف ، مخلصا في بيان حقيقتها ، لا تخدعه الأثرة ولا يجور به عن سبيل الحقيقة الغرور ، كي يقدم لنا صورة صادقة كاملة لهذه الحياة التي حيِييَها ، ولما عاناه من تجارب روحية ، وما مر عليه من أحوال وأطوار . فحياته سجل فليقرأ صفحاته ، وحياته مناظر متتابعة فليلتقط صورها ثم ليعرضها من بعد على الناس.

ولكن هيهات هيهات ، فدون ذلك أشد العقبات . فليست المسألة من السهولة واليسر بالقدر الذي يذهب بنا إليه الظن أول الأمر . فإن ثمة من العوامل الكثيرة ما يكاد يستحيل على المترجم لنفسه بسببها أن يعطينا عن حياته صورة دقيقة أو حتى صورة كثيرة القرب من الحقيقة . ولم يكن عبثًا أو تواضعًا زائفًا أن يصف جيتة ترجمته لنفسه بأنها " شعر " وخيال ، إلى جانب كونها " حقيقة " وصدقًا . وتاريخ هذا الفن من فنون الكتابة أصدق شاهد على ما نقول .

وأول هذه العوامل وأقواها الحياء . فلئن دفعنا الحياء الظاهري - إن صح هذا التعبير - إلى ستر أجسامنا وعلى الخصوص الأجزاء الحساسة منها ، حتى أصبحت فكرة التعري المطلق فكرة مخيفة يقشعر من تصورها ضمير الإنسان اليوم ، بعد أن بلغ ما بلغ من سمو في الحضارة

وعلو في التطور ؛ فأحرى بالحياء الباطني - وهو الرقيب على جوهر الإنسان وكيانه الروحي الحقيقي - أن يكون أشد حرصًا على كتم ما نيط به حراسته من أسرار ، وأعظم ضنًا بها من أن تكون مذاعة في الناس . ومهما يكن من تنازع الحياء والصراحة ، فلن تستطيع الصراحة ، كائنًا ما كان برودها وصفاقتها ، أن تقضي على الحياء قضاءً تامًا أو شبه تام ، وأن تمنعه من أن يحدث أثره ، ويلعب دوره.

بل إن الحياء نفسه قد يتخذ من الصراحة أداة غير مباشرة لتحقيق أغراضه ؛ وذلك بأن يكون المرء صريحًا في ناحية خطيرة ، كي يستطيع أن يخدع الناس عن ناحية أخرى أقل منها خطورة في نظر الناس ، ولعلها أن تكون في نظره هو أخلق من الأولى بالستر والإخفاء ؛ فإذا كان رُسو ، الذي بلغت الصراحة به في " اعترافاته " حد الوقاحة الفجة ، لا يجد حرجًا في ذكر أفضح المسائل الجنسية ، ولا يتورع من القول بأنه كان يرسل أبناءه إلى ملجأ اللقطاء ، فلعله لم يفعل ذلك إلا ليخفي حقيقة أشد إيلامًا بالنسبة إلى نفسه ، وهي أنه لم يكن له أولاد ، لأنه لم يكن في استطاعته ذلك ، كما لاحظ إشتيفان انسقايج . فهذه الصراحة الفاضحة في ناحية ليست إلا لحساب حياء في ناحية أخري . فإذا شاهدت واحدًا من هؤلاء الكتاب الماكرين يلجأ إليها ، فاعلم مقدمًا أن هناك عورة فيه يريد إخفاءها بطريق غير مباشر ، وذلك أن يوهمك بأنه صريح كل الصراحة لا يخفي عنك شيئًا .

ولا تحسبن الحياء مقصورًا على الناحية الجنسية وحدها ، وإن كانت هذه الناحية أوضح نواحيه . بل هو عام شامل ينتظم مرافق الحياة الإنسانية جميعها ، فيدفع الإنسان إلى أن يخفي ما هو عليه من نقص ، وما يعتور سلوكه ونشاطه من عيوب ؟ ويحمله على تزييف الواقع وتصويره تحت أضواء باهرة ، بتبديده ظلال الخطايا والنقائص.

فلا قِبَل للإنسان إذاً بالتعري ، سواء منه ما هو جسمي وما هو روحي .

ولئن كان الحياء عاملا سلبيًا لا يقتضي من المرء إلا الصمت عن الخطايا وإخفاء العيوب ، أي أنه أداة دفاعية صرفة ، فإن هناك عاملا اخر إيجابيًا يهاجم الحقيقة الفعلية والواقع في غير ما تأثم ولا تحرج : فيكذب ويخترع ويموه ويضيف ، ويستبعد ويختار . ذلك لأن الذي يكتب تاريخ حياته لا يقصد به إلى العلم الخالص أو التاريخ الصرف ، بقدر ما يقصد به إلى قضاء حاجة في نفسه ، وتحقيق غاية يرتجيها من وراء هذا العرض لحياته. والموضوعية التي يتصنعها إيهام وتلبيس ، ومن ورائها يخفي أغراضه الذاتية المستورة .

فتراه أولا يختار الأحداث المهمة الضخمة في حياته ، والوقائع الممتازة التي تدفع إلى الظن أنه عظيم ممتاز ، ساحبًا ستار النسيان على الحياة العادية ، وكأن حياته لم تتركب إلا من هذه الوقائع الممتازة وتلك الأحداث الخطيرة . وفي هذا الاختيار والأستبعاد تلعب إرادة القوة دورًا خطيرًا من شأنه أن يعطي صورة ناقصة مشوهة لصاحب الترجمة الذاتية . والواقع أن هذه الوقائع والأحداث جزء ضئيل جدًا من حياته .

وتراه ثانيًا يخترع من الأسباب والدوافع للأعمال التي صدرت عنه ما لم يكن مائلا في ذهنه حين عزم على القيام بهذه الأعمال . فأكثر هذه الأعمال جبرية لا اختيار له في إتيانها ، وإنما اندفع فيها قهرًا ، وسيق إليها قسرًا ؛ أو قدر القيام بها علي نحو آخر ، ورسم خطتها في مخيلته بطريقة مباينة ، وحين يذكرها من بعد يذكرها وكأنها إرادية مقصودة ، ويدعي أنه قدرها من قبل على النحو الذي حدثت عليه بالفعل . ولعله أن يكون مخلصًا في هذا القول . ولكن هذا الإخلاص ليس معناه أنه غير مخدوع ، قد خدعته ذا كرته وعقله عن الدوافع

الحقيقية ، والخطة الأصلية . وإن من طبيعة الإنسان ألا يصدر في أفعاله عن العقل والمنطق غالبًا ، وإن من طبيعته أيضًا أن يحاول تبريرها من بعد عن طريق العقل والمنطق . وأوضح نموذج للتراجم الذاتية في هذا الباب مذكرات القواد العسكريين . فهم يدعون أن الخطة التي وضعوها للدفاع والهجوم ، والكر والفر ، هي بعينها الخطة التي حدثت على نحوها المعارك في الواقع ، مع أن خططهم الأصلية عبثت بها رياح المعركة منذ بدأ هبوبها .

ثم إن واضعي التراجم الذاتية فنانون قبل كل شئ . ومعنى هذا أنهم لا يستطيعون أن يسردوا الوقائع سردًا ، ويسجوها تسجيلا خالصًا ، لا أثر فيه للصنعة والخيال . وإنما هم يحاولون جهدهم أن يقدموا لنا حياتهم كلوحة فنية رائعة ، قد روعيت فيها النسب والأوضاع ، وأُحسن فيها توزيع الأضواء والظلال ؛ أو كقطعة موسيقية بارعة ، لم يوضع اللحن الواحد بجانب الآخر إلا تبعًا لقوانين الانسجام ، ولم تختلف النغمة عن النغمة شدة ونوعًا إلا حسبما تقتضيه قواعد التأليف فكأنهم إذا كتبوا ترجمة حياتهم سيكتبونها كروائيين ، يخلقون الكثير من وقائعها ، ويؤلفون بين أحداثها تأليفًا بديعًا ، ولكنه بعيد عن الواقع كل البعد . فالخلق والاختراع إذاً ضرورة لا مناص لهم من الخضوع لما تقتضيه.

وحتي لو سلمنا جدلًا بأن صاحب الترجمة الذاتية سيتحلل من هذا كله ، فلا يمنعه حياء ، ولا تخدعه أثرة ، ولا يغريه بالاختراع فن ؛ وبأنه سيكون صريحًا كأوقح ما تكون الصراحة ، قاسيًا كأشد ما تكون القسوة ، فإنه لا يستطيع أن يكون بهذه القسوة ، وتلك الصراحة إلا فيما يتصل بشخصه فحسب . أما فيما يمس الآخرين ، الأحياء منهم والأموات ، فلا بد أن يجد من نفسه وازعًا ، ويشعر بشيء غير قليل من الحرج ، وهو يقص ما كان بينه وبينهم من صلات ومغامرات . وصلات

الإنسان بغيره من الناس لها النصيب الأوفر في تكوين نسيج حياته ؛ فكأن جزءًا كبيرًا إذاً سيتورع صاحب الترجمة الذاتية من ذكره ، مما يجعل الصورة التي يقدمها لنا مبتورة ، لا تخلو من الهوات والاضطراب .

كل هذه عوامل إرادية ، أغلب الظن أن صاحب الترجمة الذاتية يشعر بها شعورًا قويًا وهو يكتب هذه الترجمة ، ويدرك تمام الإدراك أنه سببها ومريدها عن قصد ووعي ، أو عن شئ يشبه الوعي والقصد . ولم أحدثك بعدُ عن عوامل أخرى لا تقل أثرًا في تشويه الصورة الحقيقية لحياة صاحب الترجمة الذاتية ، عوامل غير إرادية ولا واعية ، يخضع لها المترجم لحياته قسرًا دون شعور منه بها ولا إدراك ، وتكاد ترجع كلها إلى الذاكرة والطريقة التي يسير عليها هذا الجهاز المعقد الغريب .

فالذا كرة ليست آلة صماء تسجل الأحداث والأفكار دون تمويه أو تشويه ، أو دون زيادة ولا نقصان ، وإنما هي جزء من نسيج الإنسان الحي - وكدت أقول إنها كائن حي - يتطور ويتغير ، ويخضع أعظم الخضوع لعامل الزمان . فهي أولًا لا تحتفظ بكل الآثار والأفكار ، ولا تسجل كل ما تضطرب به حياة الإنسان من تجارب وأحداث . وإنما هي تميز وتختار وتأخذ وتدع . وهي في هذا الأخذ وذلك الاختيار مدفوعة لغاية وخاضعة لشروط ؛ فهي إذا اختارت فإنما تختار السار والنافع ، وهي إذا أخذت لم تأخذ غير الثابت الوطيد القادر على البقاء والحياة. فذكريات الطفولة مثلًا نادرًا ما تبقى طويلا ، لأنها قلقة مزعزعة ، لم تحكم ربطها في الذاكرة الأوضاع الاجتماعية ، ومن هنا ندر جدًا من يكتب وصفًا دقيقًا لطفولته مثل تُلستوى . والذاكرة لا تحتفظ بالكثير من الأحداث المؤلمة ، لأن النسيان المقدس ، وهو هذه النعمة الكبرى التي تجعلنا أقدر على احتمال الحياة ، يعفى عليها قدر المستطاع ؛ وبعد هذه الحركة الانتخابية التي تكون الذاكرة دائرتها

والتي فيها يضحي بالكثير من الذكريات ، لا يخرج ظافرًا إلا عدد ضئيل من الأحداث والتجارب والمؤثرات ، وليت هذا العدو الضئيل بقى كما هو لا يتغير نوعًا أو مقدارًا . وإنما الواقع هو أن الذكريات تنمو أو تضعف كالكائن الحي سواء بسواء ، والذكريات الجديدة تعفي على الذكريات القديمة أو تطبعها بطابع جديد ، يغير من طبيعتها تغييرًا غير قليل . وكلها يؤثر بعضها في بعض ، وتتفاعل جملة تفاعلات . وأوضح مثال لهذا النوع من تأثر الذكريات بالذكريات واختلاطها بعضها ببعض ، اختلاطًا يكاد يستحيل معه التمييز بينها ، ما رواه إسْتَنْدال من أنه لم يستطع أن يتبين ما إذا كانت الصورة التي يستثيرها في ذاكرته اجتياز نابليون لمضيق سان برنار الكبير (في جبال الألب) ، هي حقًا ذكرى لحادث شهده بعينه ، أو هي ذكرى للوحة تمثل هذا الحادث . فهو في الواقع قد شهر الحادث واشترك فيه ، ثم هو قد رأى من بعدُ لوحة فيها تصوير له ، ومن بعدُ اختلطت ذكرى شهود الحادث بذكرى رؤية اللوحة فلم يعد بقدر على التمييز بين كلا النوعين .

تلك إذاً عوامل رئيسية قوية تثبت ما " للشعر " .والخيال من نصيب وافر في الترجمة الذاتية . فهي ليست حقيقة خالصة ، وليست شعرًا خالصًا ، وإنما هي تجمع بين الاثنين ، ولم يستطع واحد من أصحاب الفكر أو أصحاب الفن أن يجعل من ترجمته الذاتية حقيقة صرفة ، على الرغم مما بذلوه من محاولات ، وما أنفقوه من جهد في هذا السبيل ، وما أكثر هذه المحاولات ، وما أشد اختلاف الأغراض التي قصد إليها أصحاب هذه المحاولات ! .

فالإنسان من قديم حريص على الخلود ، كلف بمصارعة الزمان ، يريد جهد استطاعته أن يؤكد ذاته وسط سيله القوي الجارف اللانهائي . فكان يكتب اسمه وطرفًا من حياته على أحجار يبنيها فوق مقبرته . وكان هذا أول صورة من صور الترجمة الذاتية ، وكان هذا أول غرض قصد إليه

الإنسان منها ، ولا يزال غرضًا حتى اليوم لدى هؤلاء الذين يكتبون تراجمهم الذاتية في صورة بدائية أولية . فكأن هذا النوع الأول إذاً يقصد منه الإنسان أن ينقذ حياته من الغرق والفناء في بحر الزمان العميق غير المحدود ؛ وهو لهذا يقتصر على ذكر حوادث خارجية فحسب ، وليس للتحليل النفسي العميق من أثر فيه ، لأنه لا يدرك ذاته ، وإن أدركها فإدراكه لها إدراك يسير هين ، فليس لها عنده كيان مستقل ، وإنما هي نغمة خافتة وسط ضجيج الوجود الخارجي .

وأما حين يبدأ الإنسان بإدراك ذاته إدراكًا قويًا ، ويشعر بنفسه شعورًا مليئًا ، أو على حد تعبير القديس أوغسطين حين يصبح الإنسان مسألة بالنسبة إلى نفسه ، وحينما يحاول أن يجد عن هذه المسألة جوابًا لنفسه هو وحده فحسب ، تكون الغاية من هذا الفن أكثر سموًا وأعظم نزاهة . فيصبح مَعرضًا يعرض فيه الإنسان مجرى حياته الباطنة ، وتجاربه الروحية ، ومعملًا للتحليل النفسي الدقيق الذي يكشف عن خبايا النفس وقواها ، ومدِّها وجزرها ، وضلالها وهداها .

وهنا يختلف الغرض من هذا العرض والتحليل . فمنهم من يرى من ورائهما إلى أن يقدم حسابًا عما أدته نفسه من أعمال ، وعما ارتكبته من خطايا ، وما بذلته من نشاط ، وما سلكته لأجل تحقيق غايتها من سبيل . وهذا النوع من الترجمة الذاتية يقصد به إلى شيء آخر غير معرفة حياة صاحب هذه الترجمة معرفة حقيقية . فإما أن يقصد به إلى غرض ديني ، كما فعل القديس أوغسطين في " اعترافاته " ، حيث أراد منها ان يرى الناس كيف يسلك الإنسان طريق الهدى ، ويهتدي إلى الصراط المستقيم ، بعد أن ضل وظل سادرًا في غيه في مستهل حياته . وإما أن يقصد به إلى غرض فكري

أو فني ، كما فعل اسبنسر في " ترجمته الذاتية " ونيتشه في كتابه " هاهو ذا الإنسان ! " ؛ و كما فعل بنفنوتو تشلِّيني في " ترجمته الذاتية " . فهؤلاء أرادوا أن يكشفوا عن طبيعتهم الروحية ، الفنية أو الفكرية ، والخصائص التي بها يتميزون ، والدوافع التي تضطرب أو اضطربت في نفوسهم ، والمؤثرات التي وقعوا تحت تأثيرها . وكلا النوعين يتجه إلى الخارج ، أي أنهما يفترضان وجود أناس إليهم يتحدثون بهذا الحديث ، ومن أجلهم أيضًا أنشأوا ما أنشأوا من تراجم ذاتية ؛ فهم فيها يخاطبون شيئًا آخر غير نفوسهم في واقع الأمر ، وإن كانوا يخاطبون نفوسهم أولًا وبالذات .

ومنهم من لا يريد من ترجمته الذاتية إلا أن تكون حديثًا بينه وبين نفسه ، يخاطبها فيه فتستمع إليه ، وتخاطبه هي بدورها فيستمع إليها ويأخذها عنها, في شئ كثير من الرفق والهدوء واليسر ، فهي مناجاة عذبة ، ولكنها عميقة دقيقة ؛ ساكنة ، ولكنها حية خصبة . وتراها مكتوبة على شكل " يوميات " حديثها هادئ ، قصير النفس ، ثم يتعمد صاحبها تأليفها ، ولم يصطنع في كتابتها ما يصطنعه المؤلفون . ومن أجمل النماذج في هذا الباب " يوميات " كيركجورد ، و "اليوميات الخاصة " لنوفالس .

وبين هذين النوعين نوع ثالث يجمع بين المناجاة والحديث العلني ، لم يبرع فيه كل البراعة إلا العبقريات الخصبة الفسيحة ، مثل جيته واستَندال وتولستوى ، وهم أقطاب هذا الفن في أوربا ، بل وفي تاريخ الإنسانية بأسره . وإن لنا في اللغة العربية لتراثًا ضخمًا من التراجم الذاتية . فهلَّا ترى معي أن نفرد له فصلا خاصًا ، نتحدث فيه عن تاريخه ومصادره ومميزاته ، باحثين محللين ، مقارنين إياه بتراث الأوربيين ؟

اشترك في نشرتنا البريدية