الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 969الرجوع إلى "الرسالة"

التصحيف والتحريف:

Share

سألني سائل في رسالة خاصة: (لقد جاء في كلمتك الأخيرة  في رسالة الزاهدة قولك   (التصحيف ولا أقول التحريف) .(1)  فهل ثم فرق بين التصحيف والتحريف)؟

وإني إذ أشكر للسائل الفاضل سؤاله واهتمامه بلسان العرب  ولغة القرآن أرجو أن يتفضل فيعلم أن   (التصحيف  غير التحريف)  وإن كان بعض الكاتبين بجمع بينهما على معنى. .

فالتصحيف مصدر صحف أي أخطأ في الكلمة - كتابة  أو قراءة أو الرواية - لتشابه وتجانس في صورة كلمتين واختلاف  في النقط. ولقد رقع التصحيف منذ قديم في كلام بلغاء العرب  ورجال الأدب وأشعار القدامى وسائر الأمثال حتى أن أبا عبد الله  حمزة بن الحسن الأصفهاني وضع في ذلك كتابا سماه   (التنبيه على  حدوث التصحيف) .

وأمثلة التصحيف بالنقط أكثر من أن تحصى،  ومن أطرف التصحيفات التي تذكرها التواليف ما قيل  من أن جماعة من المخنثين كانوا في المدينة في خلافة سليمان بن  عبد الملك الأموي فأرادوا أن ينفيهم منها فكتب إلى عامله فيها -  وكان وقتذاك أبا بكر عمر بن حزم - أن (أحص)  من عندك  من المخنثين. وصادف أن نقطة من السطر الأعلى من كتاب  الخليفة وقفت أو وقعت فوق الحاء من لفظة  (إحص)    المهملة فصارت (إحص) بالمعجمة، فما كان من أبي بكر إلا أن

خصاهم أجمعين.

وكذلك يقع التصحيف من تشابه رسم الحروف وهو من  آفات العربية. وفي ذلك يقول البيروني في كتابه   (الصيدنة)     (ولكتابة العربية آفة عظيمة هي تشابه صور الحروف  المزدوجة فيها! واضطرها في التمايز إلى نقط المعجم، وعلامات  الإعراب التي إذا تركت استبهم المفهوم منها. .)  الخ.

جاء في لسان ابن منظور في مادة   (سوف) . السواف  بفتح السين: الفناء وفي القاموس السواف كسحاب: القثاة  فأين الفناء من القثاء؟ ولكنه التصحيف يقع فيه القاموس  ويسلم منه اللسان لينقلب الفناء قثاء كما انقلب المخنثون خصيانا!.

ومما أذكر في هذا الباب ما جاء في تعقيب لي (2)على كلمة  لإمام العربية المحقق المدقق المرحوم إسعاف النشاشيبي قس تحقيقه  لكتاب (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)  وتصحيحه لفظة      (الأدب) من (والأدب من ذي الغيبة)(3) إلى(الغنم)  ثم  تعقيبي  (والأدب من ذي الغيبة)    بالواو وهو الأصل الذي  صحف عنه     (الأدب)   واستحسانه - رحمة الله - التعقيب  والتصويب شاكراً ومقدورا في قوله)(4): (لا ريب في أن أصل        (والأدب من ذي الغيبة) هو  (والأدب من ذي الغيبة)     والدليل على ما ذهب إليه أنت قريب وإن تباعد مني، فإن  الناسخ القديم البارع   (سامحة الله)  استبدل بالواو دالا ثم جاء  الطابع فطبع)

وأما التحريف فهو وقوع اختلاف في الحركة أو السكون  مع تشابه أحرف الكلمة في النوع والشكل والعدد والترتيب.

فلفظة   (الحب)  مثلاً تأتي الكسر على معنى المحبوب والمحب،  وبالفتح البزر المعروف، بالضم الجرة الضخمة. فاختلاف  الحركة - كما ترى - نتج عنه اختلاف المعنى اختلافا واضحا  ووقوع القارئ أو الكاتب أو الراوي في مثل هذا الاختلاف  هو المقصود بالتحريف حركة أو سكونا. . .

وقد يجتمع التصحيف والتحريف معا في الكلمة الواحدة

فيزيد الكشف سوء كيلة، والطين بلة، والداء علة. مثال ذلك  ما ورد في القاموس في مادة (برقش)  (أبو براقش طائر صغير  يرى   (كالقنفذ)  والخطأ بالتصحيف ظاهر في لفظة التشبي ه لا يحتاج إلى تنبيه. والصواب   (كالقنبر)  ذلك لأن القنفذ  ليس بطائر باثنين حتى يشبه طائر به، وإنما هو دابة تدب  على أربع. (راجع المقتطف٣٩: ٤٨٨ في أبي براقش)

وبعد: فمجمل القول في التصحيف والتحريف أن  التصحيف يكون أكثر ما يكون باختلاف الحرف واختلاط  النقط إهمالا وإعجاما، وأن التحريف يكون باختلاف الحركة أو  السكون في الكلمة قراءة أو كتابة أو رواية. وقى الله لسان  العرب وأصحاب القلم من الخلط ومصحفاً ومحرفا والسلام.

الحف أردأ الثمر .

الزيتون

اشترك في نشرتنا البريدية