الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 621الرجوع إلى "الرسالة"

التصوير الفني في القرآن

Share

يجب أن أشكر للأستاذ الفاضل عبد اللطيف السبكي المدرس  بكلية الشريعة عنايته بنقد كتابي   (التصوير الفني في القرآن) .  ولكن ليس هذا هو الذي يشفع لي في أن اشغل حيزاً من الرسالة!.  إنما هو أثار مسألة أساسية في القرآن وفي الطبيعة البشرية.  أثار مسألة يوسف في:   (ولقد هّمت به وهمّ بها لولا أن رأى  برهان ربه)  وهي مسألة تستحق المناقشة:

وقبل أن أتناول هذه المسألة الأساسية أستأذن القراء في  سطور للحديث العابر عن المسائل الأخرى التي أثارها الأستاذ ١ -  لقد لا حظ أن هناك بضعة نصوص أصابها الخرم عيّن  مواضعها. وأنا اشكر له التنبيه، وآسف لوقوعها في الكتاب.  وما دام هو قد لاحظها فأنا أرجوه أن يتفضل بإرسال بيان عنها  إليّ، لملاحظتها في الطبعة التالية، موفراً علي جهد البحث عنها ٢ -  ولاحظ أني لم أبدأ عملي بالتسمية   (ليرتفع عن نمط  الروايات وكتب التسلية) ! وأحسب أن هذه إن كانت  ضرورية في كل عمل فليست ضرورية في كتابي هذا! إذ ماذا تعني  التسمية إلا إثبات التوجه إلى الله بالعمل. فهل كتاب عن القرآن  على نمط كتابي في تمجيده من الوجهة الفنية، في حاجة إلى هذا  الإثبات الشكلي؟ إنه كله توجه، وطبيعته كلها تسمية، من  صفحته الأولى إلى صفحته الأخيرة! ٣ -  ولا حظ أن ليس بالكتاب دليل في نهايته. وله كل  الحق في ملاحظته. ولكن من يعلمه: كم جاهدت لوضع هذا  الدليل. وكم وقفت أزمة الورق وضرورات الطباعة بي عما أريد؟ ٤ -  ولاحظ - ولا أدري كيف - أنني أمنّ على الناس  بما قدمت، وهو ما عدت إلى الكتاب أبحث عنه فلم أجده. أم  لعله يقصد ما ذكرته من أن الاتجاه إلى إدراك الجمال الفني في  القرآن على النحو الذي اتجهته لم يكن من نصيب الباحثين في  بلاغة القرآن - قدامي ومحدثين - فتلك حقيقة تاريخية لا بد

من إثباتها ولا ضير فيها ولا منّ. . . وبقي قوله:   (فلا  يغمز الأوائل بالتجهيل أو القصور ونحن لا نبني إلا من  الحصيات نجمعها من ساحاتهم الواسعة) .

فتلك قضية أخالفه فيها فيما يختص بالجمال الفتى  في القرآن. لقد أثنيت ما استطعت على رجلين اثنين: عبد القاهر  والزمخشري. وعرضت نماذج من حسن فهمهم - المحدود بحدود  الزمان - لبعض الجمال الفني في القرآن وهذا كل ما يطلب مني. . .  وأحب أن أقول بعد هذا: إنني - فيما يختص بالجمال الفني - لم أبن  من حصيات أحد. . . وهذه حقيقة تاريخية كذلك لا أرى أن  تقديرنا للقدامى يكفي لإنكارها. ومن الأمانة للبحث العلمي ألا  نبخس الناس أشياءهم. . . ولكن من الأمانة كذلك ألا نعطيهم  فوق ما يستحقون.

ثم أخلص إلى القضية الأساسية. قضية يوسف: يتحدث الأستاذ عن تصويري ليوسف بالأستاذ إلى ما ورد  عنه في القرآن بأنه الرجل الواعي الحصيف، واستشهادي بإبائه  على مراودة امرأة العزيز، وقولي   (ومع ذلك لقد كاد يضعف)   فيقول:

(وهذا تصوير غير فني لإنسان هيأه ربه للنبوة، وكتب له  العصمة من قبل ومن بعد. وأظن الأستاذ منساقاً في هذا وراء  ما يقال: من أن يوسف إنسان لم تفارقه نوازع البشرية، فهو  يميل كما يميل أي إنسان ويكاد يضعف أي إنسان  وأظنه كذلك يحسب الآية في ظاهرها هذا إذ قررت أن  المرأة همت به وأن يوسف هم بها، وليسمح لي الأستاذ أن أنبهه  إلى أن هذا فهم سطحي غير سديد). . .

وأنا بدوري أحب أن أقول للأستاذ: إنني أخالفه فيما أتجه  إليه. وأن هذه قضية مدروسة جيداً عندي - وإن لم أتعرض لها  بتوسع في كتابي - لأنها من مباحث كتابي آخر أعده الآن  عن   (القصة بين التوارة والقرآن) . والمجال لا يتسع هنا للتفصيل  إلا أن يشاء الأستاذ وقراء الرسالة أن أعرضها كاملة. ولكن هذا لا يمنع من بضع كلمات: لقد كنت حريصاً في تعبيري فقلت:   (كاد يضعف)  ولم

أقل إنه ضعف فعلاً. وليس في هذا ما يخالف العصمة في اعتقادي.  فالعصمة لا تقتل النوازع البشرية، ولكنها تقيم حولها الحواجز،  وتجعل الروادع في النفس أكبر من الدوافع. . . وهذا يكفي ولقد عصم الله يوسف، فجعله يكافح النوازع البشرية وينتصر  عليها في اللجنة التي لا ينتصر فيها إلا أولو العزم. وإن هذا  ليكفي ليقال عنه في القرآن: (إنه كان من عبادنا المخلصين). وغير يوسف أنبياء مخلصون: منهم موسى ويذكر القرآن  أنه قتل رجلاً ثم تاب فتاب عليه الله. وداود وسليمان ويذكر  القرآن أنهما قد فتنا ثم استغفر وأنابا. . .

فالعصمة النبوية مسألة تحتاج إلى أفق أوسع في النظر إليها.  ولست ممن يميلون إلى أنها التجرد من جميع النوازع البشرية  وإن كنت أومن بأنها الانتصار على جميع النوازع البشرية.

ونفي الهمّ عن يوسف - بالمعنى الذي يريده الأستاذ - يحتاج  إلى تأويل النص الصريح، وأنا أنفر من التأويلات التي لا يدعو  إليها إلا الغلو في التخرج. وإن دراستي لطريقة التعبير في القرآن  لتبيح لي أن أقول: إن للنص القرآني معنى واحدا في كل حالة.  وإن الاحتمالات المختلفة التي يرويها المفسرون للنص الواحد، إنما  تتوارى مع شيء من التدقيق ليبرز منها احتمال واحد هو الذي  يتفق مع طبيعة التعبير القرآني. وهذه مسألة لا يكفي الفراغ المتاح  لشرحها اليوم. فقد أقوم ببيانها بتوسعه إذا وفقت.

على أن هناك عدة احتمالات في موقف يوسف: ١ -  فهل العصمة النبوية قبل الرسالة وبعدها؟ أم بعد الرسالة  فحسب؟ هذا مبحث طويل. ٢ -  وهل حادثة يوسف كانت قبل رسالته أم بعدها؟  لا يذكر القرآن عن ذلك شيئاً. ولنا الحق في أن نفهم أنها كانت  قبلها. ولا سيما أن التوراة تحدد سنة في هذا الوقت بأنها كانت  دون الثلاثين.  ٣ -  ثم ألا يكون سجن يوسف تكفير عن النزعة التي  قهرها وعصمه الله منها؟ ليكون بعد ذلك   (من عبادنا المخلصين) ؟ كل هذا يجوز ولكني لا احب الارتكان إليه، لأن تفسير  العصمة على النحو الذي أسلفت يغنينا عن كل هذه الاحتمالات. للأستاذ الفاضل شكري على ما أتاح من هذا البيان.

اشترك في نشرتنا البريدية