الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 253 الرجوع إلى "الثقافة"

التصوير عند العرب

Share

التصوير كلمة لم تتخذ معنى محدودا فى لغة العرب ، وذلك لأن (( الصورة )) - وهى أصل اشتقاق التصوير - ليس لها معنى محدود ، فالصورة : الشكل والنوع والصفة وغير ذلك من المعانى لا يستلزم البحث ذكرها ، ومن هذا الاتساع قول الجاحظ : (( ولولا أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة ، لصورت لك فى هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبى عبيدة ومن هو أبعد فى وهمك من أبى عبيدة )) (١) . وورد فى اللغة أن التصاوير هى التماثيل ، والأصل فى التصوير أن يجعل للشىء صورة كائنة ما كانت ، قال الله تعالى : (( الله الذى جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم )) (٢) . ووصف - جل من واصف - نفسه بالمصور فى قوله : (( هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى )) (٣) . فالمصور من الأسماء الحسنى ، ومن أجل ذلك قل بل عدم أن نجد من وصف نفسه (( بالمصور )) ناعتا أو محترفا .

ومما نذكر ها هنا - والقول ذو شجون - أن اسم (( المنصور )) حرف فى بعض النسخ من تاريخ بغداد للخطيب البغدادى إلى (( المصور )) ، فظنه العلامة السعيد (١) أحمد باشا تيمور صحيحا ، وحسب أن الموصوف به (( كان نابه الذكر لنبوغه فى فنه ، فاستحق بشهرته أن يعرف الشارع به دون غيره من ساكنيه )) (٥) . وقد ذكرنا ما يدل على أن الآداب الإسلامية تمنع أبدا مثل

هذا الظن والحسبان . وقد اشتهر عند العرب والمسلمين منهم ومن غيرهم ، نسب (( الدهان والمزوق والدقاش )) بمعنى (( المصور )) ، قال شمس الدين الذهبى فى وفيات سنة (( ٦٠٨ )) ه : (( على بن عبد الرزاق بن على بن محمد بن على أبو الحسن بن الجوزى الدهان ... وكان ساكنا مهيبا يزوق الدور )) (١) . وذكر والده فى وفيات سنة (( ٥٨٥ )) ه ، وقال : (( عبد الرزاق بن على بن محمد ... أبو البقاء البغدادى الصفار أخو العلامة أبى الفرج ... كان مزوقا دهانا . . سقط من الصقالة فزمن مدة )) (٢) . وذكر غيرهما من الدهانين كالذى أورد ترجمته فى وفيات سنة ((٦٠٦)) ه وقال : (( محمود بن على بن شعيب أبو الشكر البغدادى ابن الدهان ... كان يكتب العمر (٣) (كذا) ويزوقها )) (٤) ، والأدلة على ذلك طويل تعدادها .      وأما (( المزوق )) فقد ذكره أبو سعد السمعانى ، قال : (( المزوق : هذه النسبة إلى حرفة التزويق وتدهين الأشياء الحشبية (٥) والسقوف ، والمشهور بهذه النسبة أبو على الحسن بن حاتم المزوق من أهل بغداد )) . قال مصطفى جواد الكاتب لهذا : ومن المعروفين بالمزوق عمر البناء ، أحد البغداديين الذين سكنوا مكة - شرفها الله - روى عن أبى بكر الشبلى شيئا من كلامه ، وروى عنه أبو نعيم الأصبهانى (٦) . وقال ياقوت الحموى فى ترجمة ابن البواب على بن هلال : (( بلغنى أنه كان فى أول أمره مزوقا يصور الدور ، ثم صور الكتب ثم تعانى الكتابة )) (٧) .

وقوله : (( صور الكتب )) جميل ، فهى كتب مصورة .

وأما (( النقاش )) فقال فيه السمعانى فى الأنساب ، (( النقاش ... هذه الحرفة لمن ينقش السقوف والحيطان ، وعرف بها أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد ... المقرئ النقاش الموصلى ... وأبو عبد الله هبة الله بن عيسى ابن النقاش البزاز من أهل بغداد ... وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن مرة المقرئ النقاش ... )) . وذكر شمس الدين ابن خلكان فى ترجمة أبى بكر النقاش الموصلى المذكور من وفيات الأعيان ، أن (( هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرها ، وكان أبو بكر المذكور فى مبدأ أمره ، يتعاطى هذه الصنعة فصرف بها )) . وذكر المقريزى فى حوادث سنة (( ٦٨٦ )) ه من السلوك ، أنه (( فيها جهز السلطان قلاوون الألفى هدية سنية إلى ملك المغول بأرض القفجاق ، ومبلغ ألفى دينار برسم عمارة جامع قرم ، وأن تكتب عليه ألقاب السلطان ، وجهز نقاش لنقش ذلك وكتابتها - أى الألقاب - بالأصباغ )) .

والظاهر أن العرب اليمنية ممن اتخذوا التصوير منذ الزمان القديم فى معايشهم ومساكنهم ، فقد جاء فى قصيدة الشاعر الهمدانى التى وصف فيها قصر المملكة الكبير المسمى بعرق وقصر ذى لعوة :

نرى كل تمثال عليها وصورة

              سباعا ووحشا فى الصفاح خلائطا

بجانب ما تنفك تنظر قابضا

              لإحدى يديه فى الحيال وباسطا

ومستبقات من عقاب وأجدل

              على أرانب وهم وأفراخ قامطا (١)

وسرب ظباء قد نهلن بمخنق

              وغضف ضراء قد تعلقن ناشطا

فهذه صورة من صور الصيد لأحد الملوك اليمانيين ، وقد نقل العلامة السعيد أحمد باشا تيمور فى كتابه (( التصوير عند العرب )) أخبارا من الهمدانى غير هذا . وكانت العرب تصور على الثياب والأكسية وغيرها صورا تعرف بالتهاويل جمع تهويلة ، كأنها تهول من يراها ، قال بشر وذكر الظعائن :

عليهن أمثال الخدارى خلقة

             من الربط والرقم التهاويل كالدم

وقيل إن (( التهاويل )) الألوان المختلفة من الأحمر والأصفر والأخضر (١) ، ولكننا نرى القول الأول ، فإن البسط والأنماط والأمخاخ كانت فيها تهاويل أيضا ، وفى مثلها يقول الشريف الرضى فيمن تعجب صورهم ولا غناء فيهم :

صور رائقة لا يرتجى         نفعها مثل تهاويل النمط

وكان فى الكعبة أيام الجاهلية صور للذين تعتقدهم عرب عدنان كإبراهيم - عليه السلام - ومريم ابنة عمران - عليها السلام - قال الواقدى : (( وقد روى أن رسول الله - ص - محا الصور بيده . روى ذلك ابن أبى دأب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمر مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد ، قال : دخلت مع رسول الله - ص - الكعبة فرأى فيها صورا ، فأمرنى أن آتيه فى الدلو بماء فجعل يبل به الثوب ويضرب به الصور ويقول : (( قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون (٢) )) ، وللخبر رواية أخرى بوجه آخر ذكره مؤلف (( التصور عند العرب )) (٣) . وروى المرزبانى بالواسطة عن أحمد بن محمد اليزيدى قال : لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان (٤)

- وهو القصر الذى كان للعباسة - جلس فيه وجمع أهل بيته وأصحابه ، وأمر أن يلبس الناس كلهم الديباج وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسيفساء الذى كان فى صدره صورة عنقاء ... )) (١) . وللعنقاء فى تاريخ العرب بحث طويل .

وقال أبو الحسن محمد بن عيسى الكرحى فى

حمام مصور .

أعجيب ببيت يربك باطنه

              جوارحا أرسلت على الوحش

تغدو لصيد الظباء مسرعة

               كأنها فى غياضها تمشى

طيوره قد تقابلت نسقا

               كأنها وقع على العش

فضاؤه طاب فسحة وهوى

               مصقل الأرض موثق الفرش

وأنت فى خلوة مساعدة          تولع بالدلك ثم بالرش (٢)

وقال أبو على الحسن بن أحمد بن أبى الناس العسقلانى فى صورتين كانتا على كنيسة تعرف بكنيسة ابن مريم عند باب الصوارف بعسقلان :

لو ذقتما طعم الفراق لغافصت

              شخصيكما الدنيا بوشك فراق

فى أبيات ، فما مضى لهذا الشعر إلا سنة أو نحوها حتى أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم الكنائس ، فهدمت وهدمت معها هذه الكنيسة ، وأزيل الشخصان ، فقال :

طوبا كما من دميتين تعانقا        وتفرقا من بعد طول عناق (٢)

وفى غرة ذى الحجة من سنة (( ٥٤٧ )) ه خطب ببغداد لولى عهد الخليفة المقتفى لأمر الله ، وهو ابنه يوسف الذى لقب بالمستنجد بالله بعد ذلك ، وعلقت بغداد ،

أى زخرفت ، فعمل الذهبيون - وهم الذين يشتغلون بدار الضرب - قبة على باب الخان العتيق عليها صورة مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقى ، وخاص بك بن بلنكرى الأمير ، وعباس الأمير ، وغيرهم من الأمراء بخركاة ، أى خيمة ملبدة تدور ، وعلق القاضى سديد الدين يحيى بن سعيد بن المرخم قبة فيها خيل تدور وعليها فرسان بخركاة ، وعلقت بنت قاروت بباب درب المطبخ قبة فيها صورة السلطان (مسعود) وعلى رأسه شمسة (١) . وعلق ترشك الأمير قبة على سطح داره قائمة على تماثيل صور أتراك يرمون بالنشاب (٢) . وفى مثل هذه الأخبار يكثر التصحيف ، فتكون الخركاة (( حركات )) , و (( بنت قاروت )) غير ابنته .

وقد رأى ابن جبير الكنانى فى مسجد الرسول - ص - سنة (( ٥٧٩ )) تصاوير أشجار عجيبة ، قال : (( والنصف الأعلى من الجدار (جدار القبلة) منزل كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء ، وقد نتج الصناع نتائج من الصنعة غريبة ، تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات ، مائلات الأغصان بثمرها ... والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك ومن جهة الجوف أيضا ، والغربى والشرقى الناظران إلى الصحن ، مجردان أبيضان ومقر نصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة إلى ما يطول وصفه وذكره )) (٣) . وورد فى أخبار الخليفة المقتدر بالله أنه علق فى قصوره كثير من الستور الديباج المذهبة المصورة بالجامات والفيلة والخيل والسباع والجمال والطيور (٤) .

ومما قدمنا من الأخبار يظهر لكل محقق أن العناية

بالتصوير على الورق وعلى غيره مما ينقل كانت معدومة ، على الضد مما هو شائع فى عصرنا ، ولعل السبب فى ذلك قلة الورق القابل لأن يصور عليه بل عدمه . ومن العجيب ما ذكره الخطيب البغدادى : أن بغداد صورت لملك الروم أرضها وأسواقها وشوارعها وقصورها وأنهارها غربيها وشرقيها ؛ والجانب الشرقى صورت شوارعه ، فصور شارع الميدان وشارع سويقة نصر بن مالك من باب الجسر إلى الثلاثة الأبواب والقصور التى فيه والأسواق والشوارع من سويقة خضر إلى قنطرة البردان ، فكان ملك الروم إذا شرب دعا بالصور فيشرب على مثال شارع سويقة نصر ويقول : لم أر صورة شىء من الأبنية أحسن منه (١) . ولم يذكر لنا المؤرخ من صور لملك الروم بغداد وعلام صورت ؟

ورأيت فى ترجمة الأمير الحكيم فخر الدين أبى سعيد بغدى بن شرف الدين على بن الملك جمال الدين قشتمى البغدادى المتوفى سنة (( ٦٨٥ )) ه أنه صنف كتبا فى البزدرة والبيطرة والصيد والقنص ، وحضر بين يدى السلطان هولاكو وقد صور نفسه فى أول كتابه ، وجعل لحيته بيضاء ، فقال له هولاكو : أنت شاب فما معنى البياض ؟ قال : أرجو أن أعيش فى دولة الإيلخانية (٢).

والتصوير فى الإسلام مختلف فى جوازه لكل ذى حياة ، والكلام فى هذا الموضوع مفروغ منه ، وليطالع من به حاجة إلى الاطلاع على ذلك (( باب تعليق الستور ذوات التصاوير والنهى عنه )) من كتاب أبى بكر الحازمى العلامة )) (٣) ، فالعالم الإسلامى لم يحرم فيه تصوير ذى الحياة إلا فى عصور المتشددين من الخلفاء والملوك ، والظاهر أن عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسى كان

عصر تساهل فى هذا الفن الرفيع ، وأنه كتب الحازمى كتابه المذكور فيه ، لأننا علمنا وجود صورة إنسان قاعد فى أعلى باب الحلية من أبواب بغداد الشرقية ، نقشت سنة (( ٦١٨ )) ه من خلافة هذا الخليفة الأوحد فى عظمته ، ثم جاز تصوير أحوال المقامات الحريرية كما فى النسخة المرقومة (( ٥٨٤٧ )) التى بدار الكتب الوطنية بباريس ، وكاتب هذه النسخة ومصورها هو يحيى بن محمود بن يحيى بن كوريها (١) الواسطى . وفى دار الكتب المذكورة الجزء الخامس من كتاب ربيع الأبرار ، رقمه ٦٧٤٢ ، وهو مكتوب بيد الواسطى المذكور ، وفى الورقة (( ١٢٠ )) منه ما هذا نصه : (( ثم الجزء الخامس من ربيع الأبرار ، وافق الفراغ منه سلخ صفر المبارك من سنة تسع وأربعين وستمائة ، كتبه وما قبله يحيى بن محمود بن كوريها )) (١) ، وفى الورقة ١٢٣ أضاف إلى نفسه (( الواسطى )) (٢) .

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية