الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 126الرجوع إلى "الثقافة"

التضامن الاجتماعى، صخرة النجاة

Share

أسمع هاتفا قويا يدعونى إلى الكتابة فى هذا الموضوع ، وأراه يلاحقنى بين حين وحين ، كلما نسيت مناسبة ظهرت أخرى فاستحيت ما قبلها وأضافت نفسها إليه      الكلام قد يكون فى بعض أجزائه معادا ، والفكرة قد تكون من محفوظاتنا العتيقة ، وحديث (( المؤمن للمؤمن كالبنيان )) قل من لم يسمعه أو يقرأه فى مسجد أو حوار أو كتاب أو غير ذلك . ولكن سيرتنا فى الحياة كمجتمع تظهر قلة انتفاعنا بهذا الوعظ ، وضعف تطبيقنا لهذا المبدأ . وإن الأمثلة لتتبايع بين فعل وقول مثبتة شدة الحاجة إلى إحياء تلك الفكرة وإقامتها ، هاديا لأخلاقنا وسلوكنا ، وقاعدة تنتظم أفكارنا وتشريعنا وأعمالنا .

أليس من العجيب أن يثور فى صحفنا حوار حول الفقراء والأغنياء ، يخال من يتتبعه أن فى البلد طبقتين لا يجوز التفاهم والتعاون بينهما ، وأن على كل منهما أن

تقف من صاحبتها - أو عدوتها - موقف المناجزة المقاتلة ، لأن ميدان الحياة لا يتسع للاثنتين معا ، فوجب أن تفنى الواحدة لتعيش الأخرى ؟

إن هذا التفكير ليس تفكيرا خطرا هداما  فحسب ، ولكنه قبل ذلك تفكير ابتدائى ؛ ومن عجب أن نفطن إلى وجوب ائتلاف الأحزاب تم تدعو إلى حرب الطبقات ! ... بل لعلى أظلم ((الابتدائية )) حين أنسب هذا التفكير إليها ؛ فقد وقع فى يدى مقال قديم نشرته منذ سبعة عشر عاما مجلة المدرسة الخديوية لتلميذ من تلامذتها ، أغلب الظن أن سنه لم تعد وقت كتابته السادسة عشرة ؛ وفى ذلك المقال المعنون : (( الجمعة اليتيمة )) رأيت الكاتب الصغير يقول :

(( كلكم من عجينة واحدة يامعشر الآدميين ، ومحال أن يستقيم للرغيف المصنوع منها قوام إذا لم تتعاون طبقتاه العليا والسفلى ، وتأخذ إحداهما بتلابيب الأخرى ؛ فمتى تؤمنون ؟ )) فأعجبنى هذا التفكير الصادق ، ولم يضعف من إعجابى اتخاذ هذه الصورة الطفلية لتأدية المعنى السامى الدقيق.

ليس لمصرى صادق الوطنية صادق النظر أن يدعو إلى إهمال طبقة العمال أو طبقة الزراع أو غيرهم أو ترك الفقراء لفقرهم .

وكذلك ليس لمصرى صادق الوطنية صادق النظر أن يكتم عن هذه الطبقات عيوبها ، فلا يحدثها عن واجباتها ولا يعنفها على ما يظهر بين صفوفها من إهمال وخيانة وغدر وفوضى ، حين يحدثها فى حقوقها المعقولة أو مطالبها الغالية .

والذى ينادى بأن الفقراء هم المسئولون وحدهم عن فقرهم مسرف فى القول إسراف الذى ينادى بأنهم أبرياء من كل مسئولية ، تقاة نقاة لاوزر عليهم من تقصير أو عمد . ولئن كانا فى الإسراف سيئين فإنى لا أتردد فى

النص على أن الإسراف الأول أقل ضررا من الاسراف الثانى ، لأنك حين تشق على المقصر بالتعنيف وتفلظ له اللوم ، لا تعرضه لمثل الأذى الذى يتعرض له حين تخفى عنه عيوبه وتتركها تتخرم كيانه ، ثم تخلق فيه بأسلوبك شرا أفتك ، هو الحقد الاجتماعى ، وهو شر مستطير فى ذاته من الناحية الخلقية البحتة ، وشر من الناحية العملية الذاتية ، لأنه يصد صاحبه عن العمل ، ويلهيه باجترار أسباب حقده ، وشر من الناحية العملية الاجتماعية ، بما بقيت الجماعة من عمل الأفراد ، ومما ينالها من وبال أكبر حين يخرج الحقد شطأه فتقع الواقعة .

بين المذاهب التى أريد اعتمادها أساسا للقاعدة القانونية ، مذهب التضامن الذى أتخذه بعض رجال الدين وبعض رجال الاقتصاد فلسفة سلوكية وقاعدة يجب أن تتحقق ؛ فالتضامن فضيلة اجتماعية ينبغى أن تسود ؛ والقاعدة القانونية يجب أن تكون متأثرة ومقيدة بهذا الاعتبار : (( لقد تضامن الناس فى تحمل آثار خطيئة واحد ، وإنهم ليتضامنون فى الانتفاع بيركات واحد )) ؛ وكما أن تضامن أعضاء الجسم هو الذى يكفل حياته ، وما الموت إلا تفكك هذا التضامن ، فكذلك البنيان الاجتماعى فى نظر أولئك التضامنيين .

ولقد تعلق الأستاذ (( ديجى )) بفكرة التضامن الاجتماعى ، ولكنه لم يتعلق بها كهدف يسعى إليه باعتباره مثلا أعلى ، وإنما كحقيقة واقعة ، كأمر كائن لا كأمر يجب أن يكون . وكما أن المجتمع حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها ، فكذلك التضامن فى نظر ديجى . إنه قوام المجتمع الثابت ، فعلى القانون أن يكون فى خدمته وحراسته ، يفعل كل ما يؤكد هذا التضامن ويحميه ، ويكف عن كل ما يضعفه . وليست الدولة فى هذا بأكثر حقوقا أو أقل واجبات من الفرد . وليس الفرد بصاحب حق فى شئ إلا أن يمكن من القيام بقسطه فى التضامن ، أى أن حقه

هو أن يؤدى واجبه ، وحقه هذا ليس مطلقا حتى حين وجوده . فاذا كانت الملكية الفردية تخدم التضامن الاجتماعى فى وقت ما فلنحم الملكية الفردية ، ولكن لنقيدها بفرضها الاجتماعى ، فلا نسمح لمالك بأن يعتصف فى استعمال حقه إيجابا أو سلبا . . وليس الفرد إلا عاملا فى مصنع التضامن ، فعليه أن يقوم بقسطه من العمل دون إن يعترض ، وهذا القسط قد تقضى الظروف على مدير المصنع أى الدولة بتغييره ، ولكن هذا المدير ليس حاكما بأمره وإنما هو حاكم بأمر التضامن الاجتماعى (١)

ولقد أخذت على هذا المذهب أمور ؛ فقيل إنه جحد حق الفرد باعتباره فردا ، وأتخذ التضامن حقيقة بدلا من اتخاذه هدف يسعى إليه ؛ ولكنها انتقادات نظرية لا تقلل من شأن المذهب ، ولا تضعف وجاهة الفكرة ، وهى بديهية وقائمة قبل أن تفلسف .

فاذا استهدى المشرع هذه الفكرة ، واستهداها المنفذ ، واستهداها الصانع والمستصنع والموظف لدى الحكومة والموظف لدى الأهلين ، تحقق الخير لكل أولئك ومن يتصل بهم ، وتحقق للكتلة القومية أى للجماعة .

إننا محتاجون إلى توكيد الاحساس الاجتماعى فى نفوسنا ، فالواقع أنه ضعيف ؛ ومثل ذلك الحديث الشريف ، حديث (( المؤمن للمؤمن )) ، ومثل تلك الوصية العتيقة العريقة : (( عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به )) التى يعود عهدها إلى قرون وقرون قبل الامام علي ، والتى بشر بها الكهنة قبل أن يعرف الانسان قانونا مسنونا ؛ ومثل هذا البيت المألوف : (( الناس للناس )) الخ - كل هذا وغيره خليق أن يكون لمدرسينا ووعاظنا نقطة ابتداء لبث هذا الروح وتوطيد أركان التضامن الاجتماعى ، لأن الأمر الواحد قد يفسر تفسيرا ضيقا بتركه مجرد وصية خلقية

محصورة ، وقد يفسر تفسيرا واسعا متقفا يجعله فى نفس الموعوظ ، مهما تكن سنه وثقافته ، فلسفة خليقة أن تلون سلوكه فى المستقبل ، حتى إذا لم يستطع فى حاضره أن يفهمها كل الفهم ، وذلك بما يستقر من آثارها فى عقله الباطن .      إن أحدنا ليجلس فى القطار فينسى كل السفر إلا نفسه ، فيفتح النافذة لأنه هو يريد الهواء أو الغبار ، غير ملق بالا إلى جاره الشيخ الذى يزلزله السعال ، ويرمده العثير .

وإن أحدنا ليظل فى المحطة يترقب طلعة السيارة العامة وهو يحرق الأرم ، ويتسخط على الشركة والعمال ، فإذا أقبلت أخذ مكانه منها متضجرا ، ولكنه ما يكاد يطمئن إلى مقعده حتى يدعو السائق إلى إهمال المنتظرين فى المحطات الأخرى ، ويحرضه على الاينال فى السير ، وعدم التلبث ، ولو كان بالسيارة فراغ للراكبين ، فيقع رعاؤه من نفس العامل موقع الماء من ذى القلة الصادى ، ويبدى له سخطه على هؤلاء الشاغبين الذين يتقدمون إلى الشركة بالشكوى من مثل ما يدعوه إليه ! . .

أنانية فى التفكير ، وانطواء على النفس ، وانعدام للاحساس الاجتماعى من ناحية ، وللاحساس بالواجب أمن ناحية أخرى .

وقعت فى يدى أوراق جنحة قتل خطأ أتهم به سائق     سيارة : بهرنى أن أقرأ فيها أن مربية انجليزية كانت تروض الطفل على مقربة من الحادث ، تقدمت من تلقاء نفسها تدلى بشهادتها ، وتلوتها فأحست فيها الحياد والنزاهة والخلوص ، إلا من أمر لاحيلة لها فيه ، هو التأثر الوقتى بمنظر الدم ، وما يبعثه الموت من عطف على القتيل . ولم تكد تدور فى خاطرى الموازنة بين هذا الاحساس بالواجب والغيرة للحق ، وبين ما يعانيه رجال العدالة فى مصر من عزوف الشهود عن الصدق ، وكتمان الشهادة رغم ما تهددهم به القرآن الكريم ، حتى قدمت إلى الأوراق

ذاتها عزاء طيبا . فهذه المربية لا تعرف العربية ، والمحقق يثبت فى ختام شهادتها أن الذى تطوع بترجمة أقوالها محام مصرى من القاطنين بنفس العمارة التى تقيم بها (١) .

أكبرت الصنع والصانع ، وتعزيت ولكن إلى حين ؛ فليس لنا أن نقنع بحادث فردى فى حياة فرد ، ولا بطبع متأصل فى نفوس نبيلة لأفراد معينين ؛ وإنما نبغى أخلاقا اجتماعية وفلسفة عملية تضامنية تنتظم تفكيرنا كلنا وتصرفاتنا جميعا .

وإن من النكران أن أفرغ من حديثى دون أن أشير إلى الحادث الذى قصه على اليوم صديق ، فكان هو الباعث المباشر لكتابة هذا المقال .

كان صديقى فى طريق منزله منتصف ليل الأمس ، فإذا صوت يستوقفه ، فاسغتراب أمره وسط هذا الظلام ، وفى تلك الضاحية المعزلة ، وهم بالإسراع ؛ ولكن صاحب الصوت لاحقه قائلا : إن ثمة سلكا كهربيا مقطوعا ، ولقد خفت أن يلم بالمارة منه سوء ، فأقمت منذ رأيته أنبه الغادين والرائحين ليجتنبوه .

وكان صديقى معجبا بإيثار الرجل ، فشاطرته إعجابه وسألته : ماذا صنع ؟ فأجابنى إنه ذهب إلى منزله ونام .

صارحت صديقى بأسفى لاهماله القيام على واجبين : الأول تنبيه الشرطة إلى مراقبة السلك والاستيثاق من صلاح حاله ، والثانى السؤال عن اسم الرجل وعنوانه وإبلاغه إلى الشرط والصحف لتروى حديثه بين ما تروى من نافع وضار ، إعلانا للفضل ، وليرى الفاضل أن العمل الطيب لا يذهب بغير كلمة طيبة ، وليكون منه للناس أسوة        فإلى هذا المحسن المجهول أهدى هذا المقال .

اشترك في نشرتنا البريدية