كتب الأستاذ الكبير أحمد بك أمين مرة في مجلة الثقافة مقالا ممتعا يدعو فيه الأفراد للتضحية بمصالحهم الذاتية في سبيل مصلحة الجماعة . وقد جاء في هذا المقال : " إن علماء النفس المحدثين قد أضاعوا جمال التضحية بما أفرطوا من تحليل ، وما ارجعوا من اعمال نبيلة إلي غرائز وضيعة ، وما وصلوا إليه من أن مظاهر إنكار الذات تعود في آخر أمرها إلى حب الذات " .
وقد ذكرني هذا الكلام بكتاب قرأته منذ سنين للكاتب الأمريكي (مارك توبن ) عنوانه " من هو الانسان ؟ " ضمنه رأيه في طبيعة الانسان وحقيقته . والكتاب على صورة حوار بين رجل مسن عرك الدهر وخبر صروف الزمان ، وشاب لا يزال فطيرا ساذجا تخدعه الظواهر .
وفي هذا الكتاب فصل يشرح فيه الكاتب التضحية والايثار . ولعله من انصار اولئك العلماء النفسيين الذين لا يؤمنون بأن الإنسان يضحي براحته أو بماله ، إلا إن كان له من وراء ذلك نفع شخصي . وفي هذا الرأي خلاف لما ذهب إليه الأستاذ أحمد بك أمين في مقاله . وقد يكون الاستاذ أدنى إلى الصواب . ولست أريد بكلمتي هذه أن أنحاز إلي أحد الرأيين . وإنما أحب أن أعرض - مع شئ من التصرف والتحوير - صورة من ذلك الحوار الجميل الذي يدور بين الشيخ والشاب في كتاب (توبن ) عن الأثرة وحب النفس .
قال الشيخ : هناك دافع واحد بدفع الإنسان إلي العمل الشاب : وما ذاك ؟ الشيخ : ذلك أن يظفر باللذة الذاتية ورضي النفس . الشاب : إن هذا الزعم لا يتفق والواقع ، فمن الناس
من يقوم بالعمل يضره ويؤذيه ، ولكنه يعود على غيره بالنفع والفائدة
الشيخ : أنت لا شك مخطئ ، فالعمل لا بد أن يعود على فاعله بالخير اولاً ، وقد تأتي مصلحة الآخرين في ذلك عرضاً واتفاقاً .
الشاب : عجيب منك أن تظن هذا ! وماذا تري في التضحية بالنفس ؟
الشيخ : وما هي التضحية بالنفس ؟ الشاب : هي أن تفعل الخير في شخص آخر حيث لا ظل من الأمل في الفائدة تعود على فاعل الخير .
الشيخ : اضرب لي مثلا ، ثم لنحلل هذا المثل معاً حتى نصل إلي لباب الحق .
الشاب : خذ مثلا ما شاهدت بعيني رأسي بالأمس . رأيت رجلا على بعد ثلاثة اميال من المدينة ، وقد اقبل الليل واشتد البرد وتساقط الثلج ، فاستأجر عربة تحمله إلي بيته . وما إن هم باعتلائها حتى تقدمت إليه امرأة عجوز في ثياب رثة وبؤس شديد . ومدت إليه يدها العجفاء تطلب إليه أن ينقذها من الجوع والموت . ولم يكن لدي الرجل غير قروش معدودات ، وهي الأجر الذي اتفق مع سائق العربة أن يدفعه له . ولكنه لم يتردد لحظة ، وآثر أن ينفح المسكينة بالمال ويسير إلي بيته راجلا وسط العواصف والأنواء . أليس هذا عملا نبيلا جميلا لا تلوثه وصمة من حب الذات ؟
الشيخ : هل لك أن تضع نفسك موضع الرجل وتخبرني بماذا أحس وفيم كان يفكر ؟
الشاب : هذا أمر يسير . إن منظر تلك العجوز المتألمة حز في قلبه الكريم وآلمه إيلاما لم يقو عليه ولم يستطع له احتمالا كان بوسعه أن يحتمل مسير الأميال الثلاثة راجلا ، ولم يكن بوسعه أن يحتمل عذاب ضميره لو أنه أشاح بوجهه عن العجوز وخلفها فريسة للموت . لو انه فعل هذا ما استطاع أن ينام ليلته من بشاعة الصورة وشناعتها .
الشيخ : ولعله نام تلك الليلة ملء جفنية ؟
الشاب : لا أشك في هذا .
الشيخ : حسنا . والآن دعنا نجمع ما فصلت ، ونري ما حصل عليه الرجل لقاء المال اليسير الذي جادت به نفسه على المرأة العجوز . ولنحاول بعد هذا أن نتعرف إلي السبب الحقيقي الذي دفعه إلي إنقاذ المسكينة من البرد والجوع . إنه لم يستطع أن يحتمل الألم الذي كان ينبعث عن منظر المرأة العجوز . ومن ثم تري أن هذا الرجل الطيب كان يحاول أن يتحاشي الألم ، فاشتري بماله راحة النفس . وإذا لم يتقدم للعجوز بالمعونة فان ضميره يعذبه وهو في طريقه إلي البيت ، فاشتري بماله راحة الضمير . وإذا لم ينقذ المرأة فقد لا ينعم بالنوم ، فاشتري بماله نوماً هادئــًا .
يالها من صفقة رابحة ! لقد اشتري هذا الرجل بعده عن الألم وراحة الضمير ونوم ليلة كاملة ببضعة قروش ! وأنت بعد هذا كله تقول إن قلبه كان يرقص طربا وهو سائر في طريقه إلي البيت ، وهذا ربح جديد .
فالدافع الذي دفع الرجل إلي معونة المرأة إذاً هو إرضاء نفسه وتخفيف ألمه قبل كل شئ . أفلا تري معي بعد هذا أن الانسان لا يندفع إلى ما يعمل إلا بدافع واحد وذلك وهو حب الذات !
الشاب : من اليسير أن أبرهن لك على خطأ هذا الزعم . الشيخ : اضرب لي مثلا. الشاب : تلك العاطفة النبيلة : حب الوطن . وهل
يسعى وراء راحته رجل يترك بيته وأبناءه ويخرج للدفاع عن بلده معرضا نفسه للجوع والبرد والتجريح والموت ؟ إنه يتعرض لكل هذا رغم انه لاشك يحب الراحة ويخشى الألم ، ولكن حب الوطن فوق هذا وذاك .
الشيخ : ما إخال إلا أن هناك شيئاً آخر يحبه أكثر مما يحب الراحة والأمان . وربما كان ذلك رضي حيرانه ورضي الجمهور . وشيئاً آخر يخشاه أكثر مما يخشى الألم , وذلك سخط جيرانه وسخط الجمهور . فان كان ممن يخشون العامة فهو يذهب إلي ميدان القتال لا لأنه يتطلب
هناك راحة الضمير كاملة ، ولكنه يلتمس هناك راحة نفسية أكثر مما يلتمس في بيته . إن هذا الرجل يترك وراءه ابناءً باكين وهو جد آسف ؛ ولكن أسفه لم يبلغ به حداً يدفعه إلي أن يضحي براحة ضميره الشخصي في سبيل راحة ابنائه . الشاب : وهل تظن حقا أن الرأي العام يدفع رجلا جبانا محباً للسلم إلي النزول بساحة الوغي ؟
الشيخ : أجل ، إن الرأي العام يدفع بعض الناس إلي القيام بأي عمل .
الشاب : لا أظن أن الرأي العام بمستطيع أن يدفع رجلا يعتنق مبادئ الخير على فعل الشر ، او يدفع رجلا شفيقا على القسوة . وماذا نقول في رحل يضحي بحياته كى ينقذ طفلا من بيت محترق ؟
الشيخ : إن مثل هذا الرجل لا يحتمل أن يري طفلا في خطر الموت لأن طبيعته لا تسمح له بهذا ، فهو يندفع وراء طبيعته غير مكترث بالنتائج ، وقد تكون لغيره طبيعة أخري فيترك الطفل للنار تنشب فيه ولا يتحرك .
الشاب : وماذا تري في حب الأم ابنها ؟ الشيخ : إنه لا يخرج على هذه القاعدة الصارمة - حب الذات ، إن الأم لتعري كي تكسو ابنها ، وتموت جوعاً في تشبعه ، وتتحمل صنوف العذاب كي تنقذه من الألم . ولكنها تستمد من هذه التضحية سروراً ما بعده سرور . إنما هي تقدم هذه التضحيات كي تظفر برضا النفس واطمئنان الفؤاد . ولو كانت تظفر بمثل هذا الشعور لو قدمت هذه التضحية لابنك أو ابني ما ترددت لحظة في تقديم التضحية .
الشاب : وما الرأي في المحسنين ؟ الشيخ : إنهم يشترون بالاحسان سعادة النفس . وأما البخيل فيلتمس السعادة في الشح والكزازة . كل يعمل وفق طبيعته .
الشاب : أنت إذاً لا تعتقد أن أحداً يعمل الواجب للواجب .
الشيخ : هذا أمر لا وجود له . إن الواجبات لا تؤدى من أجل الواجبات ، وإنما تؤدي لان إهمالها يجلب القلق لصاحبها ، والإنسان إنما يسعى دائما لتحقيق الطمأنينة ورضا النفس . وإن كان يجدهما في معاونة جاره لفعل وإن كان يجدهما في غشه وخداعه لفعل . وقد يظن فاعل الخير غير ذلك ، ولكنه عن حقيقة نفسه مخدوع .
الشاب : عندي في هذه القصة التي بين يدي دليل على التضحية البريئة من الغرض والهوي . وتلك قصة شاب موظف علم بوجود فئة من الناس ثائرة على الدين فاستقال من وظيفته ، وضحى براتبه كي يناوئ هذه الفئة ويخطب ضدها في كل ناد ومجتمع .
الشيخ : وهل كان لدي هذا الشاب من يعولهم من أسرته ؟ الشاب : أجل . الشيخ : وكيف كان أثر هذه التضحية التي ضحي على هؤلاء ؟ الشاب : كان يعول أبا متقاعدا ، وأختا لها صوت رخيم تتعلم الموسيقى ، وتبشر بمستقبل عظيم في عالم الغناء ، وأخاً يتعلم في كلية الهندسة . .
الشيخ : وماذا كان من أمر هؤلاء بعدما ضحي الشاب بعمله ؟
الشاب : اضطر الأب إلي أن يقلل من أسباب راحته ، وانقطعت الفتاة عن دروس الموسيقى ، وعجز الطالب عن مواصلة التعلم ، واضطر إلي العمل كي يعول اباه وأخته . الشيخ : عجباً لهذا الشاب الذي تزعم أنه ضحي بنفسه ، وهو كما تري لم يضح بغير ابيه واخته واخيه . إن هذا الشاب قد افسد على هؤلاء حياتهم كي يرضي ضميره ، فظفر بسعادة النفس ، ولم يبوءوا بغير الخسران والنحس
الشاب : أنت إذاً تنكر التضحية بالنفس ، وهي أجمل ما في الانسان !
الشيخ : كلا أنا لم أقل بهذا الشاب : ماذا عنيت إذا ؟
الشيخ : إنما قصدت أن أقول إن أحداً لا يضحي بنفسه بالمعنى الذي يفهم الناس من هذا - وهو أنه يضحي بنفسه لمصلحة غيره من الناس وحدهم . أنا لا أنكر أن كثيرا من الناس يضحي كل يوم في سبيل غيره . وإيا الدافع الأول هو إرضاء نفسه ، وتأتي بعد ذلك مصلحة الآخرين .
الشاب : وما رأيك في هذه القصة : كانت هناك سفينة انجليزية مزدحمة بالجند وازواجهم وبنيهم . وقد ارتطمت السفينة على صخرة ناتئة ، وبدأت تهبط إلي قاع البحر . ولم يكن في زوارق النجاة متسع لغير النساء والأطفال ، فأمر القائد جنده أن يخلوا الزوارق لهؤلاء الأطفال وأمهاتهم ، وأن يضحوا بحياتهم في سبيلهم فقبلوا جميعاً . ولم يبد السخط على جندي واحد منهم , وماتوا جميعا ضحية الواجب المقدس .
الشيخ : لو كنت مكان أحدهم أما كنت تفعل ما فعل ؟
الشاب : ما أظن ذلك ، فانني جبان أخشى الموت ، ولست كهؤلاء الجنود الشجعان .
الشيخ : ولكن هؤلاء الجند كانوا ألفا ، بل وأكثر من ألف ، أفلم يكن بينهم رجل واحد جبان كمثلك ؟ إنك لو جمعت الفاً من العمال الآن واوقفتهم مثل هذا الموقف لوجدت من بينهم من يحتج ومن يسخط . ولكنك لو دربتهم جنوداً لكانوا كتلك الزمرة المضحية ، لأنهم يكتسبون بعد التدريب كبرياء الجند ، ومثلهم الأعلى . ولا بد لهم إذا حزب الأمر ان يرضوا هذه الكبرياء التي اكتسبوها بالتدريب والمران . وهم إذاً حين يؤدون هذا الواجب المقدس إنما يرضون أنفسهم أولاً.
أفلا تري معي بعد هذا كله أن الفرد حين يضحي بنفسه إنما يفعل ذلك من أجل نفسه أولاً ومن أجل غيره ثانياً ؟
