ألقى الأستاذ ميكائيل فستر Michael Foster خطبة فى هذا الموضوع بجامعة كبردج فى ١٤ يونية سنة ١٨٩٣ لا تزال ذات قيمة.
ولابد للباحث من الرجوع إليها ليعرف نشوء الآراء وتبدلها فيما هو بصدده . ولذلك سأبدأ بتدوين ملخص رأيه .
وقال الأستاذ فستر "إن قوةالانسان الجسمانية محدودة بنقيصتين هما : ميل الجسم إلى السكون حتى ليعسر حثه على الحركة . وسرعة استعداده للتعب ، أى العجز عن مواصلة العمل المطلوب منه .
والتعب ينشأ حتى من تكرار أبسط الحركات . ولنضرب لذلك مثلا تحريك صنج أو ثقل باليد . إن هذا العمل يتم فسيولوجيا على الوجه الآتى : يحصل فى الجهاز العصبى المركزى - ولنطلق عليه اسم " المخ " تبسيطاً للشرح - تغيرات تبعث على حدوث تغيرات أخرى فى حزم من الألياف تسمى الأعصاب . وهذه التغيرات التى يسميها الفسيولوجيون دوافع عصبية تحدث فى العضلات تغيرات من شأنها أن تجعلها تقصر ثم تنكمش حتى تتلاقى أواخرها معاً ، وفعلها هذا يحرك روافع عظيمة ، وبذلك تنثنى الذراع أو اليد ويرفع الثقل
ومن الجلى أن التعب قد ينشأ بطرق ثلاث على الأقل (١) نكوص العضلات (٢) نكوص الأعصاب (٣) نكوص المخ ، أو نكوص اثنين منها أو الجميع معاً . أما ما يعتزى العضلات من نصب فلا يتوقف على مقدار ما تنفقه من جهد مثل ما يتوقف على مقدار سرعة ذلك الجهد وتعويضه ،أى على مقدار الفرق بين سرعة الهدم وسرعة البناء
ويشذ القلب عن جميع عضلات الجسم بأنه لا يعرف الكلل . وحينما يعجز عن الاستمرار فى تأدية وظيفته يكون ذلك بسبب اختلال أو فساد يصيب أحد أجزاء الجسم الأخرى لا بسبب اختلاله أو فساده هو إلا فى ماندر .
وتوجد عوامل لتعب العضلات غير الافراط في بذل رأس ماله الحيوى ، ذلك بأنها ميدان حياة وموت ، إذ تحمل اليها الشرايين مواد حية وتنقل منها الأوردة مواد ميتة . ومن مظاهر الحياة الغريبة أن كل عضو يصنع سيما لنفسه وهو يؤدى حركة من حركاته
فالتعب يتوقف على مقدار ما تفرزه العضلة من السم الضار بها كما يتوقف على ما تدخره بقية أجزاء الجسم من قوة تعين بها تلك العضلة على مقاومة ما يعتريها من وهن بإزالة السموم وجلب مواد حية جديدة .
على أن كل عمل تأتيه العضلات يشاركها فيه المخ والأعصاب ، وما ينجم من تعب لا يصيب العضلات وحدها . ومن المشاهد أن الانسان قد يبلغ به الجهد حد الاعياء ، ومع ذلك قد يدفعه الفرح أو الخوف المفاجئ إلى إتيان ما كان يظنه منذ لحظة مستحيلا ، وقد تشل حركتنا وتنضب قوتنا من تأثير انفعال مباغت . ولما كانت العضلات لاتحس ولا تشعر ولا تدرى بما يفاجئ ، فلا يمكن أن تتأثر بالانفعالات ، فالتعب الذى يمحوه الأمل أو الذى يعجل به اليأس لا يمكن أن يعزى إلى العضلات ، بل لابد أن يكون مصدره الجهاز العصبى .
وهنا يجب التنبيه على التفرقة بين الأعصاب والجهاز العصبى ، فالأعصاب لا تتعب مطلقاً ، وإنما الذى يكل هو المخ أو الارادة ، وهذا ما نقصده بالجهاز العصبى ، وهو أقل قدرة من العضلات على تحمل التعب . ولعل سرعة تكرار ذبذبة الأمواج الصوتية والضوئية وغيرها مما بجهد المخ مسجل الاحساسات ، فاننا لنرى أن الصوت المستمر يأتى علينا وقت لانسمع كما نفقد الشعور بلمسة واصبة ولا نشعر بحلاوة ما نأكل أو نذوق من مادة سكرية نا كلها أو نذوقها دون انقطاع ، واحساسنا يكاد يصبح بليداً ، دون أن ندرك بفعل التكرار ، ولذلك تفقد الملذات لذتها فى نظرنا بطول المدة وتشبع الجسم وسآمته
ولما كانت أعضاء الجسم جميعاً مرتبطة فى العمل ، فالجهد الذى يصيب أحدها لاتسلم منه سائر الأجزاء .. ولما كان الدم يحمل السموم كما يحمل المواد المنعشة فان مروره فى الجهات الحساسةكالمخ قد يسبب لها اضطرابا وقلقا او تخديراً وموتاً " . على أن تلك السموم تفيد بعض الأعضاء التى تتغذى بها أو
تحولها إلى مواد غير ضارة أو تقذف بها إلى خارج الجسيم ، ولذلك يجب علينا العناية بالأعضاء الداخلية وخصوصا الكبد . ولا يفوتنا أن الجلد لايقل أهمية عن الكبد , وليذكر كل واحد ان لأبداننا علينا حقوقاً يجب أن نوفيها بالراحة والرياضة غير المجهدة ".
هذا بعض ما يقوله الأستاذ فستر . أما الدكتور فلورى فقد أفرد باباً للتعب فى كتابه الطلى الذى جعله مقدمة لطب النفوس ، وفيه يقول : " إن الانسان يستنفد قواه اليوم ما يتعرض له من مختلف الذبذبات ، فقد أقام المسيو فيريه Fereالبرهان على أنه يكفى أن يمر تحت نظرنا لون زاه ، أو على سمعنا صوت ، حتى يهيج جهازنا العصبى إلى حد يزيد قوتنا مؤقتا ثم يعقب ذلك خمول دائم . فاذا قدرنا مايقع تحت أبصارتا من ألوان الصور ، وما يقرع أسماعنا من أصوات الموسيقى وحركة العربات وغيرها ، أمكننا أن نكون فكرة عن مقدار مايذهب من قوانا هباء بسبب التعب الجسمانى ليس غير
وإذا أضفنا الاجهاد العقلى وما تستنفده حياتنا العاطفية استطعنا أن نعرف أن أجل نومنا قصير لايعوض ما كابدنا من مشقة ، وهذا هو الارهاق بعينه ، ولا يكون علاج هذا الارهاق المدمر إلا باحدى وسائل ثلاث : الراحة والمران ثم تنبيه المراكز العصبية تنبيهاً منظماً أما الراحة فتتطلب العزلة التامة بعيدا عن المنغصات والمثيرات فى بيت من بيوت العلاج المائى حيث لا يقطع تلك الحياة البسيطة التي يقضيها المجهد هناك إلا فترات الأكل والاستحمام والنزهة والتعرض لتيارات الكهرباء الاستاتيكية .
وفلورى يرى أن هذه الوسيلة شرها أعظم من خيرها ولا يقرها علاجاً إلا حين يخفق كل علاج سواها، فان المرء لا ينبغى له أن يرتمى فى أحضان السآمة بل يجب عليه ان يصون نشاطه وَيذكيه بتنمية ميله الطبيعى إلى العمل بالمران . فان البطالة والكسل مصدر كل الموبقات ومنبع عدة اضطرابات وأمراض عصبية . والتعب الحقيقى نادر عارض لا يلازم المفكرين المنتجين إلا أمداً قصيراً ، ولكنه كثيرا ما يلازم ٠ الفارين من متاعب الحياة الذين يقضون أوقاتهم دون عمل ، والذين لاينتجون إلا إذا هبط
عليهم وحى أو الهام . لأمثال هؤلاء لا تنفع الراحة إذ هم فى راحة دائمة ، والراحة لا تفيد إلا من تعوزه ، وهى لا تعوز إلا من يبذل أقصى الجهد في عمل متواصل . أى أناة وجلد ومثابرة ، وأى جهد استلزمته مؤلفات اسكندر دوماس الكبير أو مؤلفات بلزاك أو ميشليه أو هوجو أو تيير ؟ فلتر كيف كان هؤلاء الفحول يشتغلون
يقول دوماس الصغير فى والده : لم يكن والدى يشتغل متقطعاً، بل كان يشتغل يومياً من وقت استيقاظه حتى الظهر غالباً ؛ ولم يكن الغذاء إلا فترة راحة ، وإذا تناول طعامه وحيداً ، وهذا نادر ، نقلت له مائدة صغيرة إلى حجرة العمل حيث يأكل برغبة ولذة كل ما يقدم إليه . فإذا انتهى الأكل عاد إلى كرسى العمل وتناول قلمه . ولم يكن يشرب وقت الغداء إلا النبيذ الأحمر أو الأبيض مخلوطاً بماء سلتز ، فلا قهوة ولا خمر ولا تبغ . أما بقية اليوم فلم يكن يتناول فيه إلا شراب الليمون ، وشغله فى المساء قليل ، ولكنه على كل حال لم يكن يسهر أبدا حتى ساعة متأخرة من الليل بل كان ينام نوماً عميقاً .
ولم يكن يشعر بتعب إلا إذا قضى على هذه الحال عدة أيام بل عدة أشهر . عند ذلك يسافر للصيد والقنص فى رحلة قصيرة يستغرق معظم وقتها فى النوم دون أدنى تفكير ، فاذا ماحل ببلدة فيها ما يدعو الى الفرجة ذهب لمشاهدة غرائبها ودوّن مذكرات عنها ؛ فكل راحته فى تغيير العمل .
ولقد شاهدته فى عدة سنين يصاب بالحمى يومين أو ثلاثة عقب عمله اليومى المستمر ، وتبلغ ضربات قلبه ١٢٠ أو ١٣٠ فيعالج نفسه يالنوم العميق وشراب الليمون يوضع له فى جفنة عظيمة عل منضدة بجوار السرير ، فكلما استيقظ تناول جرعات ، منها وبعد مضى يومين أو ثلاثة ينتهى كل شىء فيقوم ويستحم ويبدأ عمله .
وكان دائما فى صحة جيدة لا يرتاح راحة تامة إلا فى الصيد والسفر ، ولم أعهده يرتاح فى المنزل مطلقا . غير أنه كان كثير النوم ! وقد ينام بالنهار " على حسب هواه " ربع ساعة نوما مصحوبا بشخير عظيم ، فاذا ما استيقظ أمسك بالقلم ، ولم يكن يمحو شيئا حين يكتب ، وكان جميل الخط
أما دوماس الصغير فكان على خلاف والده ، متقطع العمل
يسكت أشهرا ثم يستأنف الكتابة ، ذلك بأنه كان عديم الخيال ، معتمدا فى تأليفه على الملاحظات والتفكير : فكان لابد من أن يستغرق زمنا طويلا فى المشاهدات ،ثم يفكر فى طريقة صوغ القصة ، حتى اذا مانضجت الفكرة عمد إلى تدوينها على القرطاس ؛ وكان يقضى مدة المخاض فى حركة ، حتى إذا ما أراد الوضع بدأ عمله مُبكرا واستراح عند الظهر . وكان يحب التأليف فى الريف ، ولايشتغل فى اليوم أكثر من ساعتين أو ثلاث ، وكلما طال عمله طال نومه وقلت رغبته فى الأكل , وكانت صناعة الكتابة منهكة له ، وكثيرا ما اضطر إلى الانقطاع عن العمل بتاتا مددا طويلة .
على أنه كان كأبيه من حيث الاعتدال ،فلم يكن يشرب نبيذا ولا قهوة ولاخمرا ولم يكن يدخن تبغا .
أما بلزاك العظيم فقد كان غريبا فى حياته التأليفية ، فلم يكن يكتب إلا بعد أن يلبس لباس الرهبان ؛وكذلك كان سلوكه مثلهم منظما نقيا جيدا ويروى تيوفيل جوتييه أن بلزاك كان ينصح لتلاميذه أن ينقطعوا للعمل سنتين أو ثلاثا بمعزل عن الناس ، وألا يشربوا إلا الماء ولا يأكلوا إلا الأرانب ، وأن يناموا عند تمام الساعة السادسة مساء ويستيقظوا عند منتصف الليل فييدأوا عملهم حتى الصباح ، كما كان ينصحهم بالعفاف المطلق ، وكان كثير التكرار لهذه النصيحة الأخيرة . ولم يكن هازلا فى نصائحه . وقد كان عظيم الانتاج بفضل إرادته الخارقة ومزاجه التقشفى . وانقطاعه عن الناس انقطاع المتحنثين الأبرار . وكان فى سلوكه مستقيما حتى لم يكن يشرب النبيذ
وأما هوجو فكان مفرطا فى شرب الخمر والأكل دون اكتراث ، ولكنه ككل عظماء المنتجين ، كان يبدأ عمله فى ساعات محددة من وقت الاستيقاظ إلى وقت الغداء . وكان يستيقظ فى الساعة السابعة دائماً فيغسل رأسه بماء بارد ، ثم يبدأ يكتب وهو واقف بسلاسة دون محو صفحات من نثر أو نظم قد اختمر في عقله فى مساء اليوم السابق فى أثناء نزهته المعتادة بعد الظهر . وما أكثر ما صنف !ولكن تصانيفه الهائلة لم تجهده أبداً ، وذلك بفضل نظام العمل .
أما ميشليه فكان من عادته أن يكتب مبكراً فكان فى أول حياته يستيقظ فى الرابعة صباحاً ، ثم أصبح فى وسط حياته يعمل
نحو الساعة الخامسة : وفى آخر حياته صارت السادسة هى ساعة بدء العمل .وكان محباً للنوم ، هادئه عميقه؛ وكان يتام الساعة التاسعة مساء حين كان وحيداً . وكان يدرس قبل نومه الحقائق الأساسية الخاصة بالفصل الذى عليه أن يكتبه فى اليوم التالى. فمما لاشك فيه أن العقل يشتغل بالليل وصاحبه نائم .
وكان معتدلا فى غذائه ، لايأكل شيئا ثقيلا ،ويكثر من الخضر ؛ وقبل بدئه عمله يتناول فنجانة صغيرة من قهوة ولبن دون خبز ؛ وفى الحادية عشرة صباحا يأكل بيضتين وشريحة من اللحم المشوى ؛ وقد يا كل قليلا من الفاكهة ويشرب قليلا من النبيذ . أما الخمر فلم يكن يتعاطاها ولم يكن يحب القهوة الاباللبن
وكان يشتغل فى كل يوم ست ساعات طول حياته ، و لم يكن يحب الملاهي , وما كان يزورها الانادرا ؛ وما كان يلهيه عن عمله شىء ، فاذا ما أتم كتابه شعر بأثر متاعب العمل المتواصل فلا ينجيه من آلامه الا الريف والتاريخ الطبيعى
كما سبق يتبين أن هؤلاء العظماء قد اشتغلوا كثيرا جدا دون انقطاع تقريبا مدى عدة سنين ولم يصابوا فى صحتهم بسوء ، فقد عاش دوماس الكبير ٦٧ سنة وميشليه ٧٤و تيير ٨٠ وهوجو ٨٢ ودوماس الصغير ٧١، ولم يمت صغيرا الا بلزاك فقد عاش ٥١ سنة فقط ، ولعل لكثرة مشاغله وهموهه المالية أثرا فى ذلك ؛ فكثيرا ماكان يضطر إلى العمل ١٦ ساعة فى اليوم شهرين متتاليين أو ثلاثة أشهر . فلا عجب اذا كل وعجز عن المقاومة وإن كان قوى الجسم مفتول العضلات

