-٢-
٣- علاقة الجامعة بالجمهور : ___________________
الجامعة الانجليزية قليلة الصلة بالجمهور ، وتختلف عنها فى ذلك الجامعة الأمريكية . حتى إن رؤساءها يعدون من الشخصيات القومية البارزة . وإذا تحدث الأمريكى فى بوستن مثلا عن " الرئيس" فهو يقصد رئيس جامعة هار فارد ولا يقصد رئيس الجمهورية . ولعل أكثر الجامعات الانجليزية صلة بالجمهور اكسفورد وكامبردج . وأهم ما يشغل الجمهور منهما سباق الزوارق الذى يجرى بينهما كل عام على متن التيمز . الأساتذة الإنجليز يحسبون الاتصال بالجمهور ضربا من ضروب الإعلان عن النفس ، وهم لا يحبون ذلك ثم إن عملهم - فوق ذلك - ليس مما يثير اهتمام الجمهور . واجبهم أن يعلموا الطلبة وان يبحثوا ، ولا يتطلب منهم ذلك العجلة او الصلة بالجمهور . فهم يعملون فى حجرات الدرس ، والمكتبات ، والمعامل، والمستشفيات ، وحقول التجارب .
وسبب آخر يعمل على التباعد بين الجامعة والجمهور فى انجلترا ، أن الجامعة لا تخضع للحكومة ، رغم انها تتقاضى منها منحة سنوية . ولذا فالجامعة الانجليزية بعيدة عن أعين
الجمهور وليس معنى ذلك أنها عديمة الصلة به . بل إن مجالس الإدارة بها تضم إلى جانب المعلمين رجالا ونساء ممن لهم خبرة بالنواحى المختلفة من نواحى الشعب . ثم إن المعلمين والطلبة أنفسهم من طبقات مختلفة من الأمة ، ويستعد الطلبة لخدمات متنوعة ولمهن مختلفة . وكل مهنة فى انجلترا لها نقابة أو جمعية على صلة بالجامعات تقدم لها الاقتراحات ، وكثير من الجامعات يدعو أعضاء هذه النقابات لحضور مؤتمراتها كى تفيد من آرائهم ونقدهم . كما أن النقابات تستفيد من هذه المؤتمرات لأنها تدرس مشا كلها فى ضوء التجارب التعليمية والعلمية .
هذه الصلة الوثيقة بين أرباب المهن والجامعات بدت واضحة خلال الحرب ؛ فالحرب تتطلب محلا سريعا لعدد من المشاكل . وبالجماعات أ كفأ الرجال لحلها ، وبها عدد كبير من زعماء العلم والطب والفنون المختلفة ، وكثيرا ما لجأت المصالح الحكومية والمصانع إلى رجال الجامعات يحلون لها مشاكلها . فعمل الأساتذة - إذا - من هذه الناحية ، عمل له قيمة كبرى للجمهور .
وتنصل الجامعة الانجليزية - من ناحية أخرى - بالجمهور عن طريق تعليم الكبار ، ممن يعملون نهارهم فى كسب قوتهم ، ويتصلون مساءهم بالجامعة يستعمون إلى أساتذتها يحاضرون ، ويناقشونهم فى نواحى العلم المختلفة . وهذه الفئة من الناس لا تفكر فى التحضير إلى شهادة معينة وإنما جل رغبتهما أن تهض بمستواها العقلى والعلمى .
والجامعة مدينة لكل من أعانها بالمال ، وعليها أن تحتفظ باسمه وأن تتابع الدراسة التى من أجلها تبرع المتبرع بماله أو بملكه .
وعلى الجامعة بعد ذلك دين للسلطة المحلية - أى المدينة أو المقاطعة التى تقوم فيها ، فيكون لأبنائها الأسبقية فى القبول .
واجب أن تكون الجامعة يقظى لجميع المشاكل القومية ، ترى فيها رأيها ، ويتطلع اليها الجمهور عندما يتفرق الرأى ويحزب الأمر .
وعلى الجامعة أن تعد دراسات قصيرة فى موضوعات مختلفة لخريجيها ولمعلمى المدارس التى تستمد منها طلبتها وللعمال الذين على صلة بها . إن هذه الدراسات تجدد القوى العقلية ونواحى التفكير . وتستطيع الجامعة كذلك أن تصرح للجمهور أن يرتاد مكتبها للقراءة واستعارة الكتب . وأرى أن تكون للجامعة صحيفة أو مجلة يقرأها الجمهور ، وأن يصدر أساتذتها كتبا شعبية بثمن معتدل يمكن أن يتناولها الجمهور ويفيد منها . إن الجامعة بذلك تقاوم الأدب الرخيص الذى أخذت سوقه تنفق فى هذه الأيام ، ويستطيع الأساتذة كذلك أن يذيعوا أحاديثهم فى الراديو ، وأن يزوروا المدارس المجاورة ، لا كممتحنين ولكن كأصدقاء ، ولست أدرى لما ذا يتوارى الأستاذ عن أعين الجمهور فى حين أن رجل الدين والمحامى ورجل السياسة يملأون العيون . إن استاذ المستقبل سيبرز إلى الشعب كما برز من قبله هؤلاء .
٤ - الجامعة مكان البحث العلمى المجدد : __________________________
إن الجامعة الناجحة تخطو بحياة الأمة ورفاهيتها خطوات إلى الأمام ؛ ففيها يتخرج المواطنون الأ كفاء وبمجهودها يرتفع مستوى المدينة ، وعلى أساتذتها يتخرج العلماء ورجال المهن الفنية . ولكن الجامعة لا تزدهر إلا إذا اصبحت موطنا للبحث العميق . ولست بحاجة إلى الإشادة بفائدة البحث المباشرة فى المكتشفات الطبية والزراعية التى تعود على الامة كلها بالنفع العميق غير أن من البحوث العلمية والأدبية مالا يؤدى مباشرة إلى فائدة محسوسة . ولكنها كثيرا ما تؤدى عرضا إلى مكتشفات عظيمة تفيد منها الانسانية بأ سرها . ومن هذه البحوث ما قام به (فراد ى ) فى المغناطيسية والكهربية وما قام به
(مندل) فى مشكلة الوراثة . وكذلك الآراء الجديدة فى الفلسفة والرياضيات البحتة والتاريخ ، والدراسات القديمة كثيرا ما تنتهي بفائدة كبرى لأنها تغير طرق تفكير نا ونظرتنا إلى المسائل الحيوية الهامة . ومن واجب الجامعة أن تدرس المشاكل القومية الخاصة ، من مناخ ومعادن وتاريخ وأدب وزراعة وغير ذلك ، وألا تتركها للاجانب يدرسونها . ولا ينبغى أن تقف الجامعة عند حد المشاكل المحلية ، بل على الأساتذة أن يدرسوا المشا كل الانسانية الهامة ولا يهم كثيرا أن ينجح الأساتذة فى نتائج بحوثهم لأن النجاح الحق يقتضى عبقرية كعبقرية دارون أو نيوتن وهو نادر بين الناس . إنما المهم أن الأستاذ إذا عمل وحده بعيدا عن الجامعة لم يبلغ أقصى إنتاجه كما يعمل إلى جوار غيره من العلماء فى الفروع المختلفة . ثم إن الطلبة الذين يتخرجون على أمثال هؤلاء الأساتدة يتعلمون ألا يصدقوا كل ما يكتب ، وأن الحق عسير يحتاج فى تحقيقه إلى التجارب .
ويقول بعض المعارضين إن اشتغال الآساتذة بالبحث يقتضى ألا يقوموا بالقاء محاضرات كافية للطلبة ، ويترتب على ذلك مضاعفة عدد الأساتذة ، والإكثار من المكتبات والمعامل . وهذا يكلف الإدارة أموالا طائلة. ولكن هذه الأموال تنفق فى الواقع فى خير الوجوه وتأتى بأطيب الثمار .
٥ - تعليم البنات :
إن ارتقاء الأمة مرتبط بتعليم البنات فيها ، فلا شك أن تأخر الهند يرجع إلى تأخر نسائها ، وقوة الروسيا ترجع إلى عزم لينين على رفع مستوى النساء إلى مستوى الرجال من جميع الوجوه . إن مدنية الأمة تقاس بتقدم المرأة فيها . لأن أثر الأم فى تربية الأبناء أثر قوى لا ينكره أحد . وقد بلغت المرأة شأوا بعيدا فى التعليم الجامعى فى انجلترا ، ما خلا جامعة كمبردج التى لا تسمح للبنات أن يصبحن أعضاء فى الجامعة ، وإن كانت تسمح لهن أن يحضرن المحاضرات ويؤدين الامتحانات . وفى أ كسفورد
ما زال أستاذ جامد لا يقبل أن تستمع البنات إلى محاضراته . ونستطيع بوجه عام أن نقول إن البنات فى انجلترا يجدن نفس الفرصة التى يجدها البنون فى التعليم ، ولا أقول إنهن يستفدن من الفرص المتاحة كما يستفيد البنون ، وذلك لأن كثيرا من أولياء الأمور لا يرون أن ينفقوا أموالهم على تعليم البنات ، وليست الجامعة مسئولة عن ذلك وإذا كان النساء ثم يبلغن بعد ما بلغ الرجال من التضلع فى العلم فذلك لحداثة عهدهن بالتعليم الجامعى . وقد أخذ التعصب ضد النساء يتلاشى تدريجا ، وقبل الرجال فى كثير من الأعمال أن يأتمروا بأمر امرأة تترأس عليهم .
٦ - مالية الجامعة :
الجامعة بأغراضها التى ذكرناها باهظة التكاليف ، فمن أبن لها المال ؟ يقول مدير جامعة برمنجهام إن بجامعته ١٧٠٠ طالب . وإن إيراد الجامعة ربع مليون جنيه فى العام ، وإن الجامعة لكى تستكمل حاجاتها بحاجة إلى نصف هذا المبلغ بالإضافة إلى نفقاتها وإنها بحاجة فوق ذلك إلى مليون جنيه تقيم به مبنى جديدا . من أين للجامعة المال ؟ هناك ثلاثة مصادر عامة ؛ مصروفات الطلبة والهبات وإعانة الحكومة ، وطالب الحامعة فى إنجلترا يدفع نحو ثلث او ربع تكاليفه فقط ، ومنهم من يتعلم بالمجان . والمصروفات الجامعية فى انحلترا تتراوح بين ٦٠,٣٠ جينها فى العام ، ونسبة المجانية آخذة فى ازدياد وبغرب استراليا جامعة تعلم جميع طلبتها بالمجان . وبأمريكا كذلك جامعات كثيرة لاتتقاضى مصروفات البتة من أبناء المنطقة على الأقل .
وإنما ينبغي أن يكون المورد الأساسي للجامعة إعانة الحكومة ، ومعنى ذلك زيادة الضرائب . وتبلغ نسبة ما يدفعه الفرد فى انجلترا ضريبة على التعليم الجامعى شلنا فى العام . ويجب أن يزاد هذا المقدار للهوض بالمستوى الجامعى لأن الجامعة ينبغى أن تقوم على أساس صحيح ، وإلا فالأولى للأمة ألا تقيمها البتة .
٧ - خاتمة :
قبل أن تعترف الأمة بالجامعة ينبغى ان توجه الأسئلة الآتية :
أ - هل يقوم الأساتذة ببحث جديد ، وهل يريدون الثروة العلمية ؟ فالآساتذة ومؤهلاتهم إذا هم أبرز مميزاتها . ب - ماذا تعمل الجامعة بالطلبة الذين يلتحقون بها ؟ أى أثر تتركه فيهم ؟ هل ستعلمهم فقط ما يتعلق بالمهنة التى يستعدون لها أم هل تمدهم بالمبادىء العليا الرفيعة فوق ذلك ، وبالأسس التى يقوم عليها العلم ؟ إن الرجل إذا عرف تركيب الجسم ودواء الأمراض وما يضر الصحة وما يفيدها فهو طبيب . ولكن الطبيب الجامعى ينبغي فوق ذلك أن يعرف " لماذا " يفيد هذا اللون من الطعام و " لماذا " يضر ذاك ينبغى أن تنظر الجامعة إلى الكيف لا إلى الكم . إلى نوع الطلاب المتخرجين لا إلى عددهم .
ح - هل الجامعة من حيث مبناها وإعدادها تكفى حاجات الطلاب ؟ وهل لديها من المال ما يكفى للاحتفاظ بهذا المستوى وبمتابعة النهوض . ولا أقصد أن المبنى أهم من الآساتذة . فلا شك أن هيئة التدريس فى المحل الأول ، والإعداد فى المحل الثانى . فالجامعة الفخمة بغير الاساتذة الأ كفاء جسم بلا روح ، ولكن الروح لا تؤدى عملها بغير الجسم السليم .
و - كيف تدار الجامعة ؟ هل هى سيدة نفسها أم تخضع لسلطة أخرى ؟ هل أساتذتها أحرار مستقلون فى تفكيرهم ، أم هل يتقيدون بقيود سياسية ودينية وعنصرية ؟ فالجامعة الألمانية اليوم - مثلا - تخضع لقيود معينة تقيدها بها الدولة ، ولذا فهى تخرج الطلاب فى قالب معين تفرضه عليها الحكومة . وليست كذلك الجامعة الإنجليزية التى تتحرر من كل قيد ، فالحرية أ كبر مميزات الجامعة .

