الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 336الرجوع إلى "الثقافة"

التعليم الجامعى

Share

منذ بضعة شهور نظمت محطة الاذاعة البريطانية سلسلة من الاحاديث في نواح مختلفة من مشكلة التعليم الجامعي ، دعت إلي إلقائها نخبة مختارة من اساتذة الجامعات الإنجليزية ومديريها . وقد اطلعت على هذه الاحاديث ، وجمعت خلاصتها في هذا المقال :

١- ماهي الجامعة ؟

من المعاهد العلمية ما يطلق على نفسه اسم " الجامعة فماذا يزعم هذا المعهد بهذا الاسم ، واي مستوي علمي يتطلبه ؟ لاشك ان الجامعية تختلف في معناها عن المدرسة أو الكلية ، رغم انها تشتمل في اكثر الأحيان على عدد من الكليات .

كان معنى الجامعة في أول الأمر اتحادا او جمعية منظمة لها سلطات معينة . وما زال هذا المعنى عالقا بأذهاننا حينما نقول إن السمة التي تميز الجامعة هي قدرتها على منح الدرجات العلمية . ففي انجلترا تستطيع أن تقول إن برمنجهام ومانشستر ولندن بها جامعات ، أما تنتجهام وهل فيها كليات جامعة ، وذلك لأن هاتين الأخيرتين لا تستطيعان ان تمنحا درجات علمية ، وإنما يحصل عليها الطلبة من جامعة لندن . هذه نقطة ثانوية ولكنها تنطوي  على مسألة هامة ، الجامعة جماعة من المعلمين والعلماء اعترف لهم بسلطة مستقلة . لهم أن يضعوا برامج التعليم ، والمستوي المطلوب - وهو أهم من البرنامج . هم الذين يضعون الامتحانات ويظهرون نتيجتها . وهم الذين يحددون ما يطلب من الطلبة الذين يرونهم - بعد نجاحهم . ملائمين لتعليم موادهم كأساتذة أو دكاترة .

هذه إذا هي سمة الجامعة : كرامتها وسلطتها . لها في ميدانها سيادة لاتنازع . ولكن من اين تستمد الجامعة

هذه السلطة ؟ وأي مستوي يجب أن يبلغه المعلمون والعلماء كي يظفروا بهذه السلطة ؟ الجواب على ذلك أنه ينبغي لهم أن يكونوا من المعلمين والعلماء الذين يوسعون آفاق المعرفة لا يكفي أن يكونوا معلمين تنحدر إلي الطلبة عن طريقهم المعارف يستمدونها من غيرهم ، ومن مؤلفات وبحوث الآخرين . يجب أن تتسع المعارف علي أيديهم هم أنفسهم . وان يكشفوا عن أشياء لم تكن معروفة من قبل وان يلقوا ضوءا جديدا علي مجاهل ظلت مظلمة أحقابا طويلة . يجب أن يكون لكل استاذ بالجامعة علم أوفرع من فروع العلم يستطيع - وهو واثق - أن يقول فيه " لايهمني ما جاء عنه في الكتب ، ولا يهمني ما يقول فيه الثقات ، فقد تبين لي - ولا أقول فاني أظن - أنهم مخطئون في هذا الباب ويستطيع أن يقول لطلبته - وهو على يقين - " هذه العبارة في ذلك الكتاب سليمة لا غبار عليها - فقد خبرتها بنفسي الأستاذ الجامعي كذلك يعترف بما يجهل الأستاذ الجامعي مكتشف وليس موصلا ، ولذا فهو يحمل بين يديه ميزان علمه ، يعرف الزائف من الصحيح ، كما يزين المبتكر والمنقول .

وأعود فأقول : الجامعة عبارة عن جماعة من المعلمين والعلماء ذوي نفوذ علمي ، لأنهم هم انفسهم يضيفون الجديد إلي كنوز المعرفة . ويتبع ذلك ان يكون المعلمون الجامعيون احرارا في تحديد ما يراد معرفته ، وفي تعليم ما يعتقدون أنه الحق ومايبدو لهم أنه الحق . وليس لآية سلطة أخرى - مهما يكن نفوذها في الميادين الآخري - أن تعين لهم ما يعلمون ، وان تحدد لهم ما يبدون وما يخفون .

مثل هذه الجماعة جديرة بأن تصبح عضوا في مجموعة الجامعات العالمية الكبرى . فهذه المجموعة على اختلاف الأمم والأجناس واللغات - تكون جماعة واحدة بتبادل أعضاؤها نتائج بحوثهم ومكتشفاتهم وكلهم مشتغل بالبحث وبزيادة معارف الانسان .

وعلى الجامعة في الوقت عينه واجب آخر نحو الأمة التى تنشأ فيها ، وذلك ان تكشف عن المعارف المختلفة التى تحتاج اليها هذه الأمة دون غيرها من الأمم . ومن الخطأ ان يظن أن الجامعات جميعا عليها أن تعلم أو تبحث في نفس الموضوعات . أجل إن هناك من الموضوعات والدراسات ما يصح اعتباره اساسا للعلم الحديث ، ولازما لفهم الحياة وأغراضها . وهذه الموضوعات وهذه الدراسات يجب ان تكون جزءا من برنامج اية جامعة من الجامعات . ولكن هذا الاساس اشبه ما يكون بالهيكل الذي يجب ان يمتلئ فراغه بالمعارف والبحوث التي تهم امة معينة دون غيرها من الأمم . ولهذا فالجامعات تكون من مجموعها جماعة دولية اولا . غيران كلا منها على حدة يجب ان يخدم المجتمع الذي ينشأ فيه ويعني بحاجاته الخاصة عن طريق البحث المبتكر

ولكنا يجب ألا ننسي أن الجامعة ليست مجرد جماعة من العلماء الباحثين إنما هي كذلك جماعة من المعلمين ، فالعلم ليس كنوزا تدخر . وإنما هو كنوز تنشر . ولا تنشر إلا بالتعليم . ومن واجب المعلم أن يعلم طلبته شيئا أكثر مما يتصل بمهنته على الجامعة أولا أن تؤهل الطلبة تأهيلا فنيا ، وعليها بعد ذلك أن تمدهم بفلسفة أو نظرة خاصة إلى الحياة ، وأن تدربهم على فن الاجتماع . أما الغرض الأول فقد تحدثنا عنه من قبل وقلنا إن الطلبة يتلقون العلم على علماء باحثين . أما الغرض الثاني - فلسفة الحياة فيحصلون عليه عن طريقين ، الاول ان يتعلموا إلى جانب - أو قبل - علومهم المهنية موضوعات عامة كالآدب أو التاريخ أو الفلسفة ، والثاني بمسا كنتهم غيرهم ممن يدرسون مواد غير موادهم . حتى يكون بالجامعة تبادل في الآراء بين الطلاب يوسع آفاقهم الفكرية في الفروع المختلفة ، بين عالم الطبيعة مثلا والفيلسوف أو طالب الأدب ، بين الاخصائي وطالب الفلسفة او الأدب ، وبين طالب

العلوم النظرية والعلوم التطبيقية ، وغير ذلك .

أما الغرض الثالث فيظفر به ( الطلبة بسكناهم معا في منازل خاصة باقامتهم ) الداخلية ( وبمساهمتهم في جمعيات الطلبة ، وهي من أهم المميزات للجامعة الحديثة : لجمعية المناظرات وجمعية التمثيل ، والجمعيات السياسية والدينية والفنية والعلمية والتاريخية ، أو بمساهمتهم في اتحاد الطلبة الذي يمكن الطلبة من حكم أنفسهم بأنفسهم ، وهو الاتحاد الذي يمثل أمام إدارة الجامعة وجهة نظر الطلبة . وإذا كان من واجب المعلم الجامعي أن يعلو حتى يكون من الباحثين ، فكذلك الطالب الجامعي ينبغي ان تبلغ سنه حدا يمكنه من أن يحكم نفسه بنفسه

من كل ما تقدم نستخلص أن الجامعة منبع العلم الجديد والآراء الجديدة ، ويجب ان تكون على صلة وثيقة بالحاجات الخاصة للمجتمع الذي تقوم فيه زميلة للجامعات في البلدان الآخري ، وعن طريق هذه الزمالة تقوم كالقنطرة التى تنحدر فوقها إلي المجتمع الآراء المستحدثة والعلم الجديد ، ولا يجد الشباب مكانا خيرا من الجامعة - على هذه الصورة - يتعلمون فيه كيف يخدمون المجتمع . يجب أن تصطبغ الجامعة بالصبغة القومية . فتكون الجامعة الانجليزية انجليزية والأمريكية أمريكية وهكذا .

وللجامعة مهمة أخري إزاء المجتمع الذي تقوم فيه . ويعاونها على أداء هذه المهمة أن تبعث بخريجها المشبعين بروحها إلى المدارس الثانوية والابتدائية المجاورة ، يعلمون فيها ويبثون أحدث النظم والآراء . ويجب كذلك ان يعتقد الشعب أن بالجامعة رجالا لا ينتمون إلي حزب معين ، ولا ينزلون إلي معمعان السياسة . رجالا لهم في الحياة نظرات واسعة موضوعية إنسانية . وتستطيع الجامعة أن تكون مصدر نور وعرفان لا إلي طلبتها فحسب ، بل كذلك إلي أبناء المنطقة المجاورة . وسنفصل الكلام في هذه النقطة فيما بعد .

وعلي أساتذة الجامعة - فوق ذلك - أن يؤلفوا الكتب الخالدة التي تبقى على وجه الزمان ، وتؤثر في مجري التاريخ ، وألا يكون رائدهم في ذلك كسب المال ، أو التظاهر بالثقافة ، او النفوذ الاجتماعي ، وإنما متابعة الحق وإظهاره .

الحياة الإجتماعية في الجامعة :

أول ما يشعر الطالب أنه عضو في أسرة الجامعة أن يرتدي زيها الخاص ثم يقوي عنده هذا الشعور بعد ذلك إقامته في الجامعة ، يأكل وينام ويعمل ويلعب مع زملائه . ثم تلك الدعوات التي يوجهها إليه الآستاتذة لتناول الشاي أو للاحتفال بمناسبة ما في دورهم الخاصة ، وتلك الاجتماعات المسائية مع اخوانه ، التى يحتك فيها عقله بعقول الآخرين فيزداد حدة وضياء . ويجب ان تكون لكل طالب جامعي حجرته الخاصة يستذكر فيها دروسه ويدعو فيها إخوانه لتناول الشاي أو السمر . كما يجب أن تخصص حجرات خاصة للصحف والمجلات ، وللموسيقي ، والمكتبة ، والألعاب ؛ وأن تلحق بها أمكنة للعبادة ، وان تحاط بالحدائق ، وتمد بعدد كاف من ميادين الآلعاب . ومن واجب الآستاتذة أن يشتركوا مع الطلبة في المساء في وجبة العشاء ، وان يجلسوا معهم فترة بعد العشاء يتسامرون ، يجب أن تحيي الجامعة فن الحديث الذي طغت عليه الآلة فأضعفته بما بثت في الناس من روح العجلة .

وليست بنا حاجة أن نذكر فائدة التمثيل والمحاضرات والمناظرات ، وحفلات الرقص ، وجميعات الرحلات وغير ذلك . وفي اختلاط الجنسين في مرحلة التعليم الجامعي ما يحفظ للمرأة مكانتها في المجتمع . ولما كانت الجامعة ترمي إلي تكوين الشخصية من جميع نواحيها وجب ان يكون بها عدد من المربين يكفى للاشراف على الطلبة . وقد يكون هؤلاء المربون من المختصين في المواد أو غير المختصين . لان العلاقة الشخصية بين المربي والمربي من أهم مكونات الشخصية

وأري ألا تكتفي فرق الالعاب الرياضية بالمباريات المحلية ، بل ان تقوم كذلك بمباريات دولية مع جامعات الامم الأخرى . وليس هذا مجال التحدث عن فوائد الالعاب والمباريات .

وقد يكون من الملائم أن نتحدث بالتفصيل عن اتحاد الطلبة . ولنأخذ مثالا لذلك ما يجري في جامعة ردنج بانجلترا . ينتمى طلبة الجامعة جميعا إلى اتحاد الطلبة ، ولكنهم لا يعقدون اجتماعا عاما اكثر من مرتين أو ثلاث في العام ، وذلك حينما تعرض للطلبة مشكلة عويصة . وينتخب ثلاثون طالبا ليكونوا أعضاء " مجلس الطلبة التمثيلى " . ويمثل هذا المجلس آراء الطلبة تمثيلا حقا . ويجتمع اعضاء هذا المجلس باطراد مرة كل ثلاثة أسابيع ، ويناقش كل مشكلة تجد ، ويراقب اعمال الجمعيات الفرعية المختلفة ، وكما أن برلمان الآمة لا بد له من وزراء ومصالح مختصة يعالجون شئون الحياة العامة ، فكذلك مجلس الطلبة - على نطاق ضيق بطبيعة الحال - له ثلاث جميعات دائمة تختص كل منها بناحية معينة من حياة الطلبة ، مثل المساكن ، والالعاب ، والملاهي ، والصحف ، والمجلات ، والخدمة الاجتماعية ، والجمعيات العلمية ، وما إليها .

والاتحاد يشمل - كما ذكرت - طلبة الجامعة جميعا ، وعلى رأسهم ضباط الاتحاد ، عليهم رئيس ، يعاونه وكيل ، وله امين للصندوق ، وسكرتير أو اثنان ، وكلهم من كبار الطلبة . وهم يصدرون قراراتهم المالية والتنفيذية كلما اقتضت الضرورة ، ويمثلون طلبة الجامعة جميعا ، أمام الجامعة في مسألة التأديب والنظام ، وامام الحكومة المحلية في كل ما يختص بحركات الشباب السياسية والدولية . هي حكومة الطلبة للطلبة من أجل الطلبة . ويجد الطلبة في عضوية الجمعيات الجامعية مجالا للتدريب على التنظيم والابتكار واحترام أولى الأمر والنفوذ .

) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية